الصفحات

الخميس، فبراير 23، 2012







 سياسة الانشغال بتوافه الأمور

فيما اعلنت بريطانيا انها تعكف على صياغة قرار لمجلس الامن من المرجح ان يطرح للتصويت في نهاية الاسبوع لحل الخلاف الناشب بين العليمي وطنطاوي، يسابق دبلوماسيون مصريون وعرب الزمن في محاولة لرأب الصدع وتضييق هوة الخلاف بين الطرفين سعيا الى التوصل الى حل بهدف تجنيب مصر والمنطقة مغبة التدخل الدولي.

 
وقالت روسيا والصين اللتان تعارضان اساسا صدور قرار من مجلس الامن انهما تفضلان صياغة بيان قوي يدعو الطرفين الى الجلوس الى مائدة المفاوضات لحل خلافاتهما سلميا. وبينما هددت روسيا بانها ستستخدم حق الفيتو ضد القرار قالت الصين انها قد تمتنع عن التصويت.


من ناحية اخرى شن مندوب الصين هجوما شديدا على واشنطن وقال انها تسعى الى تدويل الازمة واستنكر ما رددته سوزان رايس مندوبة الولايات المتحدة في الامم المتحدة من ان الصين تزود بالاسلحة مؤيدي العليمي وانصار المشير طمعا في الاستحواذ على النفط والغاز المصريين. وقال ان بكين تلتزم الحياد التام تجاه طرفي الازمة ولا يعنيها الا صالح الشعب المصري.


وفي طهران اصر وزير الخارجية الايراني على عدم ربط الخلاف بين العليمي والمشير بالمشروع النووي الايراني ولا الازمة في سوريا وحذر من المخطط الامريكي الصهيوني للسيطرة على المنطقة.


على صعيد اخر اعلى سعد الكتاتني رئيس البرلمان المصري انه وجه خطابا الى امين عام الجامعة العربية مطالبا المنظمة العربية بان تسعى الى بذل اقصى جهودها للتوصل الى حل للخلاف في الاطار العربي وشدد في الوقت نفسه على ان مصر ترفض بشدة تدخل اطراف دولية.


هذه ديباجة خبر قد نقرأها قريبا في الصحف وهي تشير الى مدى التفاهة التي تغرق فيها مصر الثورة. فمصر ما بعد الثورة تسقط في مستنقع التفاهة والسطحية ولا تكترث اصلا بالقضايا الهامة التي قامت من اجلها الثورة ولا مستقبل هذا الشعب المطحون.


وقضية العليمي والمشير اصغر بكثير من ان تثير مثل هذا الضجة وتستحق كل هذا الجدل والنقاش في وقت توجد فيه الكثير من الملفات الهامة والعاجلة. ولكنها لا تختلف عن باقي القضايا التافهة المثارة في مصر هذه الايام مثل لحية ضباط الشرطة ومنع المواقع الاباحية وكلها امور تكشف ان مؤسساتنا ابعد ما تكون عن معالجة الامور بصورة واقعية كما انها تعطي صورة عن المسار الذي ستسير فيه الثورة بعد ذلك.



وهذه الايام عندما يلتقي بك شخص بدلا من ان يسألك ما الذي يحدث في البلد او الى اين نسير فانه يبادرك انت مع العليمي او مع المشير وهل تؤيد ان يربي ضباط الشرطة لحاهم وهل تؤيد منع مواقع الانترنت الاباحية؟.


لا ادري حقيقة اذا كنا قد وصلنا الى مستوى من الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية بحيث لم يعد لدينا قضايا ملحة واصبح حسم هذه السفاسف هو كل ما تبقى لكل يكتمل اطار رفاهيتنا، ام انها التفاهة المعتادة ومحاولة صرف اهتمام لناس عن القضايا الاكثر الحاحا. هل حلت مصر مشكلة الاسكان ولقمة العيش وعالجت كل مشاكل الاقتصاد والامن ونحن نعيش هذه الايام قصة الجدل حول إمكانية استغنائنا عن المعونة الامريكية وتوابعها وحالة الانفلات الامني الغريبة التي لم يشهدها المجتمع المصري في تاريخه الحديث.


وقضية العليمي والمشير هي نموذج لهذه القضايا الغريبة فهي قضية اساسا ولدت من لاشيء. لقد صنع الاعلام والسجال حول القضية من العليمي بطلا وهو ليس كذلك وصنع من المشير ضحية وهو ابعد ما يكون عن ذلك. ولكن الموضوعية تقتضي النظر فيها بشيء من التمعن.


اول من اثار هذه القضية هي صفحة المجلس الاعلى للقوات المسلحة على الفيسبوك. وانا لدي اعتقاد ان من يشرف على هذه الصفحة هو جندي او ضابط صغير ربما يؤمن بان انماط التعامل داخل المؤسسة العسكرية القائمة على التراتبية هي ما يجب ان يطبق في الحياة المدنية ولا يعتقد ان ضابطا من رتبة اصغر يمكن ان يوجه نقدا لرتبة اكبر. وكان يمكن الا تكون هناك ازمة لو لم تنشر هذه الصفحة الموضوع. والصفحة لها تاريخ في الخروج بمثل تلك الشطحات الغريبة مثل اتهام اساتذة وطلبة الجامعة الامريكية من المصريين بانهم يخططون لتدمير مصر. وربما يفعل المجلس العسكري خيرا لو الغى هذه الصفحة او خصصها لهدف اخر غير الدفاع عن المؤسسة العسكرية ازاء ما تعتقد انهم خصومها.


الموضوعة تقتضي ايضا ان نقول ان العليمي نطق بمثل شعبي شائع في الحياة المصرية، وهو يقال في العادة عندما تترك صلب الموضوع وتمسك في احد فروعه ولم يسب المشير مباشرة. ثم ان من يتصدى للمسؤولية العامة مثل المشير يجب الا يضيق بالنقد بل يتوقعه ويتقبله باعتبار انه امر لا سبيل الى تصحيح المسار وتقويم الاخطاء بدونه. ان هذه العقلية هي التي اضفت على مبارك تقديسا على مدى 30 عاما واطلقت يده في البلد لتخريبها دون حسيب او رقيب واستمرار تكريسها لن يفضي بنا في النهاية الى شيء.


غير ان القضية تكشف جانبا آخر اخطر مما يتبدى لنا. فهل يريد المجلس العسكري مثلا تدجين واستئناس البرلمان بحيث لا يخرج منه أي انتقاد للمؤسسة العسكرية ولا يرد اصلا في اذهان الاعضاء شيء من ذلك القبيل؟.

 
الموقف الاخطر هو موقف البرلمان الذي يصر على ان النائب يجب ان يعتذر ويحيله للتحقيق. الاغلبية في البرلمان هم من الاحزاب الاسلامية وهم ينطلقون في مقولاتهم من التراث والتاريخ العربي الذي يقدس الحاكم او السلطان ويعتبر المساس به امر مستنكر وهي امور لا تتماشى اطلاقا مع واقع عالمنا الحديث ولا طرقه خاصة في مجتمع يخطو خطواته الاولى في الديمقراطية. اننا بذلك نضفي قداسة على طنطاوي يجب ان يعمل هو على مقاومتها لاننا نحله محل المرشد الاعلى للثورة المصرية ونضعه في منزلة خامنئي على طريقة ايران. وفي النهاية فاقوال العليمي ليست هي التي ستحدد مكانة طنطاوي ورفاقه في التاريخ.


موقف المجلس يثير قضايا كثيرة حول مدى مسؤوليته في محاسبة العضو على كلمات تفوه بها خارج المجلس وترتبط بالقيم والسلوكيات الفردية اكثر مما ترتبط بالمصلحة العليا للبلاد، كما انه يعد مؤشر على الصراع بين القيم الابوية المتغلغلة في المجتمع ومدى صحة اتخاذ مواقف نقدية من المؤسسات والشخصيات العامة.


التلويح ايضا باحالة العليمي الى القضاء العسكري هو الاغرب وهو ما يؤكد ان العسكر يحاولون الهيمنة على المؤسسة التشريعية وارهابها بصورة لا تجعلها تؤدي مهامها على النحو الامثل. والعسكر يستخدمون القضاء العسكري بصورة تذكرنا بمحاكم التفتيش وهو امر يسيء ابلغ اساءة الى الجيش المصري.


ولكن في النهاية هل سيؤدي اطلاق الضباط لحاهم الى السيطرة على الانفلات الامني في البلد وهل سيؤدي منع المواقع الاباحية الى الانصراف الجاد الى العمل والانتاج؟. التوقف عند هذه الامور لا يقيم مجتمعا ولا يبني دولة تركها مبارك واعوانه انقاضا.







الثلاثاء، فبراير 21، 2012

فقراء المصريين يدعمون واحدا من أغنى اغنياء العالم



النجمة كيلي روان عشيقة طومسون السابقة
  


الميارديرديفيد طومسون


مصر تدعم واحدا من أغنى أغنياء العالم بأموال فقراء الشعب المصري

 
هل يجوز للحكومة المصرية ان تدعم احد كبار اباطرة الاعلام بأموال الضرائب والتأمينات المستحقة للمصريين؟  

 
لماذا تتهرب وكالة رويترز من دفع ضرائب وتأمينات مستحقة للمصريين؟.



مازلنا مع مسلسل الشحاتة على مصر الذي تكتنفه عمليات السرقة والنهب والاستهتار والفساد لتحاصر في النهاية فقراء الشعب المطالبين بسداد ضريبة اثراء الاخرين، وحتى بعض الاجانب ممن لم نعرفهم ولا عرفونا يوما تفضل ابناء جلدتنا الاسخياء بارسال نصيبهم من كعكة النهب المصرية إليهم.

احمد رفعت رئيس مصلحة الضرائب


يوم 19 نوفمبر 2011 وقبل منتصف الليل بقليل قامت قوات الشرطة المصرية بفض اعتصام نحو الف شخص في ميدان التحرير، اغلبهم من اسر الشهداء والمصابين الذين كانوا يطالبون بالحصول على تعويضات. وأدى استخدام القوة المفرطة من جانب قوات الشرطة الى اشتعال الامور وعودة المتظاهرين الذين كانوا غادروا التحرير بعد جمعة المطلب الواحد باعداد كبيرة الى الميدان. ودارت معارك فر وكر بين المتظاهرين من جانب والشرطة والجيش من جانب آخر كانت حصيلتها اكثر 45 قتيلا في القاهرة والاسكندرية.

 أي ان السبب الرئيسي للاحداث كان امتناع الحكومة او مماطلتها في دفع تعويضات لاهالي الشهداء والمصابين. وهي تعويضات يوافق المصريون ابناء هذا الشعب عن طيب خاطر عن استقطاعها من اموالهم ودفعها، كأقل ما يكون الاعتراف بالجميل لهؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم من اجل بلدهم ومواطنيهم.

روان




ولكن هل يعرف احد في مصر ان الحكومة المصرية التي ضحت باكثر من 45 من خيرة شباب مصر لمماطلتها في دفع بضعة الاف من الجنيهات كتعويضات، تدعم واحدا من اغنى اغنياء العالم عن طريق مصلحة الضرائب المصرية؟.


هل يعلم احد في مصر ان مصلحة الضرائب المصرية تدعم واحدا من اغني اغنياء العالم بينما تفتح صناديق "العزة والكرامة" وتحدد ارقام حسابات في البنوك من اجل جمع حفنة من الجنيهات من الشعب الكادح؟. وربما يسهل علينا ان نقول ان وكالة رويترز تتهرب من الضرائب عن طريق محامييها ومحاسبيها الاذكياء ولكن عندما يتم ابلاغها رسميا ولا تقوم المصلحة بالتفتيش او حتى بالسؤال.. ألا يكون ذلك تواطؤ صريحا؟.
النائب العام عبد المجيد محمود


ونحن لا نريد ان نعدد صور الفقر في مصر ولكن الدراسات والتقارير تقول ان هناك اربعة ملايين مصري لا يجدون قوت يومهم وان اكثر من 14 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر. فهل هؤلاء يجوز مطالبتهم بسداد قيمة المعونة الامريكية بينما تسهم اموالهم في رفع ترتيب الملياردير الكندي ديفيد طومسون بين اقرانه من اثرياء العالم؟.


ملايين في مصر لا تجد قوت يومها:



وكالة رويترز هي جزء من مجموعة طومسون رويترز التي يمتلك الملياردير الكندي ديفيد طومسون واسرته الكريمة نسبة 55 في المئة من اسهمها.






ويحتل السيد طومسون المركز الاول بين اغنياء كندا منذ سنوات كما يحتل المركز السابع عشر على مستوى اغنياء العالم. وتبلغ ثروته 23 مليار دولار أي ضعف حجم الاحتياطي الذي يمتلكه الشعب المصري كله تقريبا.


فهل يجوز ان يتهرب مثل ذلك الشخص من دفع الضرائب المستحقة عليه للمصريين؟.


مجلة فوربز المتخصصة في تصينف اغنياء العالم:

طومسون يتقدم ثلاث درجات في الترتيب العالمي للاغنياء: 
اغنى الاشخاص في 30 دولة وترتبهم العالمي: 

http://www.rediff.com/business/slide-show/slide-show-1-richest-people-in-30-countries/20111124.htm 


اغنى رجل في كندا يوسع منزله:



ومن المؤكد طبعا ان السيد طومسون لا يستطيع التهرب من دفع دولار واحد من الضرائب المستحقة عليه في الولايات المتحدة حيث مقر شركته ولا كندا بلده. ولكن في مصر يمكنه ان يتهرب بسهولة من كل شيء.
روان في ساعة استرخاء

الشركة خالفت التقاليد والعادات والاعراف وقوانين العمل والقوانين المالية وكل ما يمت للقانون بسبب من اجل توفير ما يصل الى ثلاثة ملايين جنيه مصري عن طريق عدم دفع ضريبة العمل لعشرات الموظفين على مدى عقد تقريبا.

وهذه الاموال مستحقة للشعب وليس من حق أي جهة ان تتنازل عنها. كما ان السيد طومسون على ما اعتقد لن يتأثر بدفع هذا المبلغ كثيرا واكاد اجزم انه لن يؤثر بالمرة على ترتيبه بين اغنياء العالم.

روان

والسؤال الهام اذا قبلنا بفكرة ان الرأسمالية متوحشة ولا تتورع ان تمد يدها في جيبك لتجردك مما تملك حتى لو كانت قروشا قليلة، فهل يجوز لمصري مهما كانت مكانته في الشركة ومهما كان مقربا منها ان يحاول استقطاع هذه المبالغ الصغيرة من فقراء المصريين لرجل ليس في الاساس بحاجة اليها؟.

وبعد محاولات مضنية مع مصلحة الضرائب المصرية (سوف اتطرق اليها فيما بعد) لاقناعها بضرورة التفتيش على الشركة، قدمت بلاغا للمرة الاخيرة الى النائب العام والرقابة الادارية والمجلس العسكري واربعة من اعضاء مجلس الشعب بينهم رئيس المجلس لكي يتم اجراء تحقيق في هذه القضية.  

 واريد ان اوضح شيئا هاما للغاية. بعد الثورة كانت هناك الكثير من الشكاوى والمظالم التي كانت حبيسة قلوب المصريين وضمائرهم من سنوات من جراء الظلم والحيف الذي عاش فيه المصريون في العهد السابق. وكانت الشكاوى من الكثرة بحيث اثقلت كاهل الكثير من الجهات الرسمية ويقال ان جزءا كبيرا منها كان بلا سبب او بلا سند من الوثائق وخلافه. غير ان هذه الشكوى لاعلاقة لها بالثورة من قريب او بعيد بل احداث الثورة اخرت العمل عليها لفترة طويلة. فالاحداث المأساوية الكثيرة التي شهدتها مصر خلال العام الاول من الثورة كانت محزنة بصورة جعلت الاهتمام العام والخاص ينصرف اليها دون سواها. واول خطاب مسجل كتبته الى مصلحة الضرائب في هذا الصدد يعود تاريخه الى 27 سبتمبر 2010. وسوف اسرد فيما بعد رحلتي المريرة مع مصلحة الضرائب، وقصتي مع الشركة بالوثائق، وهي مهازل غريبة.   
  

التبرعات الإجبارية للمصريين لصالح
الثري طومسون :أين تذهب؟




  ولكن اين تذهب اموال الفقراء المصريين التي ينجح موظفي طومسون في اقتطاعها له من اموال الضرائب والتأمينات التي يفترض ان تدخل خزينة الدولة ويستفيد منها المصريون؟.


الاسرة تتبرع بثلاثين مليون دولار لمركز الادمان والصحة العقلية في تورنتو الذي وصف التبرع بانه اكبر مبلغ يتم التبرع به في التاريخ الكندي للصحة العقلية. أي ان عباسية تورنتو تحظى بتبرع سخي اما عباسية القاهرة فتنتظر باعة الفجل والجرجير ليتبرعوا لها.






جلعاد شاليط


في عام 2010 اثارت رويترز غضب الفلسطينيين عندما نشرت اعلانا يدعو الى تعقب مختطفي الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط الذي كان محتجزا انذاك لدي الفلسطينيين في قطاع غزة.





الاعلان الذي اثار غضب الفلسطينيين في غزة









هناك العشرات وربما المئات على هذه الشاكلة في مصر، ومثلها المئات من ناهبي اراضي الدولة بالملاليم او بدون مقابل. واذا كانت الدولة في اصلاح الاوضاع الاقتصادية والاستغناء فعلا عن المعونة الامريكية فعليها قبل كل شيء تطبيق القانون بحزم وصرامة على الجميع.


السبت، فبراير 18، 2012








مصر بين مشروع مارشال ومشروع الفيلد مارشال


كنت اتوقع، عملا بحسن النية والاخوة العربية الممتدة من الخليج الثائر الى المحيط الهادر، ان تقوم الدول العربية بتوفير مساعدات او قروض لمصر بعد الثورة حتى تنهض من عثرتها التي اوقعها فيها صديقهم الرئيس المخلوع، فيما يشبه مشروع مارشال الامريكي لاعادة بناء اقتصاد اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن للاسف لم تقدم الدول العربية حتى الان أي مساعدة لها قيمة لمصر وذلك استجابة لنصائح العم سام بعدم تقديم أي معونات للقاهرة. والعم سام باعتبار انه خواجة، يفهم اكثر من العرب ما يصلح لهم وما يضرهم وينفعهم، اكثر مما يفهون هم بكثير.

والواقع ان العرب ادمنوا انفاق اموالهم اما لخدمة مصالح امريكا او لتمويل حروبها ضد بضعهم البعض او لشراء اسلحة منها بمبالغ مهولة يحتفظون بها في مخازنهم ولا يستعملونها حتى يأكلها الصدأ، ولكنها على أي حال تعود على المصانع الامريكية ومقاولي الدفاع الامريكيين بالفائدة وتسهم في تخفيف البطالة في بلاد العام سام.

وبدءا من دعم جماعات الكونترا في نيكارجوا ضد الساندينستا في منتصف الثمانينات بأموال سعودية الى تمويل الجيش الجمهوري الايرلندي باموال ليبية الى تمويل حروب امريكا في افغانستان والخليج، نجد ان الاموال العربية التي يتم تبديدها واهدارها كانت تكفي للقضاء على البطالة وانعاش الاقتصاد ليس في الدول العربية فحسب بل في كثير من الدول الافريقية والاسيوية الفقيرة المحيطة بنا.

وفي كل المغامرات العسكرية في الخليج، كانت الاموال العربية هي الركيزة الاساسية حتى ان انتوني كوردزمان الباحث بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن يقول في احد كتبه ان امريكا كانت تكلف دول الخليج مقابل Wear and Tear لحاملات الطائرات والسفن في حرب العراق 1991. والاصطلاح الانجليزي معناه معدل الاهلاك. أي اننا لو افترضنا مثلا ان قيمة الحاملة 100 دولار والعمر الافتراضي لها هو مئة شهر، يكون تكلفة وجودها في الماء لمدة شهر دولار واحد كانت دول الخليج تدفع حسابه ولكن باليوم وربما بالساعة. واذا كانت امريكا لاتتورع عن تحميل دول الخليج مقابل معدل الاهلاك فلاشك ان كل شيء كان يتم دفعه بما فيها مرتبات الجنود وثمن الطعام والمياه وحتى تعويض الجنود الامريكيين عن الإصابات.

اما صفقات الاسلحة الخليجية مع امريكا والدول الغربية فهي اكبر من ان يستوعبها العقل. وامريكا تستغل المخاوف العربية من ايران في استنزاف اموال هذه الدول وتشغيل مصانعها وبيع منتجاتها. والصفقة التي اعلن عنها في اواخر 2010 بين السعودية والولايات المتحدة لشراء طائرات بمبلغ 60 مليار دولار اضافة الى تحديث اسلحة في مجال البحرية والدفاع الصاروخي تصل الى نحو 30 مليار اخرى، توصف بانها من اكبر الصفقات الدفاعية في التاريخ. ويأتي ذلك بالطبع بعد صفقة اليمامة مع بريطانيا والتي احاطت بها الكثير من الفضائح. ولعلنا شهدنا مؤخرا المناورات والمحاولات التي قامت بها فرنسا لبيع طائرات رافال للامارات في صفقة كان يمكن ان تمثل فتحا كبيرا للطائرة الفرنسية في الاسواق العالمية لولا انها تعثرت. وهذه الصفقات ربما كانت ضرورية لتشغيل المصانع الغربية اكثر من ضرورتها للدفاع عن مشترييها.

المهم ان اموال العرب بدلا من ان تنفق على الشعوب فهي تنفق لحماية النظم البائسة وتقدم كرشاوى للدول الغربية تحت قناع صفقات اسلحة لا تنفع ولا تشفع.

ولكن بما ان الشعب المصري هو شعب طيب فقد عوضه الله عن مشروع مارشال العربي الذي اجهضته امريكا والدول العربية الحليفة لها بمشروع الفيلد مارشال حسين طنطاوي.

وقد اصدر الفيلد مارشال الذي يرأس المجلس العسكري الموقر لدينا، تمشيا مع حرصه الشديد على مصالح الشعب المصري وانفاذا لمطالب الثورة الميمونة بتحقيق العدالة الاجتماعية، مرسوما بقانون 4 لسنة 2012 بتعديل احكام قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 في 3 يناير الماضي.

وفي الوقت الذي يسعى فيه المصريون الى التخلص من اسر المعونة الامريكية التي تبلغ قيمتها ملياري دولار أي 12 مليار جنيه مصري فقط لاغير، يقول الخبراء ان القانون الجديد الذي صدر بطريقة مريبة يهدر اكثر من 800 مليار جنيه، ليكون تتويجا لخدمات المجلس العسكري التي من بها على المحروسة منذ توليه السلطة بعد الثورة.

ويخرج علينا في نفس التوقيت انصار حزب "العزة والكرامة" ليطالبونا باننا يجب ان نعصر انفسنا ونضغط انفاقنا دفاعا عن كرامتنا وعزتنا المتمثلة في دفع الاثني عشر مليار جنيه، في الوقت الذي نلقي فيه الى لصوص النظام السابق بمبالغ طائلة لا لشيء الا لانهم من طينة اخرى غير طينتنا، وهو ما يمنحهم الحق في نهب الاموال ويرتب علينا نخن الضحايا التبرع لجمعها دفاعا عن كرامة الوطن وعزته.

ومن الواضح ان القانون يهدف الى حماية الفساد في العهد البائد سواء كان المتورطون فيه من رجال الحكم او رجال الاعمال. والسؤال هنا ما هو المبرر الاقتصادي (ناهيك عن المبرر الاخلاقي والانساني) لاصدار مثل هذا القانون؟. اذا كان من حق المواطنين في الخليج ان يسألوا عن مبرر صفقات الاسلحة الضخمة التي سيعلوها التراب في مخازنهم، فربما كان من حق مواطن مثلي ان يسأل الفيلد مارشال ورفاقه عن سبب اصدار هذا القانون.

التوقيت المريب والملابسات والظروف والغموض والسرية التي احاطت باصدار هذا المرسوم او القانون تقول ان هناك حالة من الاستحمار للشعب المصري وكان اولي به ان يسمى "تعديل قانون ضمانات وحوافز الاستحمار" لانه بالفعل استحمار واستغفال للشعب. بدلا من ان نسعى الى استرداد الاموال المنهوبة فاذا بنا نقنن الفساد ونحمي اللصوص ونؤمنهم ونحييهم على انهم تفضلوا وتواضعوا ونهبونا.

لقد استردت ليبيا نحو 90 مليار دولار من اموالها المنهوبة ووزعت الفي دينار على كل اسرة في الذكرى الاولى للثورة. ولكن ماذا استردت مصر من اموالنا المنهوبة وماذا وزعت علينا في عيد الثورة؟ كل الدلائل تقول انهم لم يستردوا شيئا لانهم اساسا ليس لديهم رغبة في استرداد أي شيء، وحتى كوبونات الجوائز التي قالوا انهم سيلقونها على المواطنين وإقامة عروض عسكرية جوية وبحرية لم نر منها شيئا. كنا نتوقع على الاقل ان يوزع المجلس العسكري اقلاما (الاربعة منها بجنيه) بمناسبة الثورة لكي يبدي اهتمامه بها او شعوره بان هناك ثورة حقيقية، ولكن المجلس لم يستطع ان يخفي كراهيته للثورة وكل ماله علاقة بها واراد ان يذكرنا انه ينتمي اكثر الى النظام القديم فاصدر هذا القانون الجميل استباقا للاحتفال بها، ليكون بلسما وعزاء لاعدائها.








صندوق الفقر والندامة

المصريون عندما ينفعلون يخرجون باشياء غريبة لا تلبث مع بعض التفكير ان تتبدى لهم على حقيقتها..سخيفة ورثة ومهترئة. ولدينا في اللهجة الدارجة المصرية تعبيرات كثيرة تعبر عن هذه الحالة مثل "فلان عرض المسائل شوية" او "كبر الدور" او "داخل فاتح صدره".

 وما يقال الان عن ضرورة الاستغناء عن المعونة الامريكية هي من هذا القبيل، فهو مجرد كلام في كلام لان الكلام في مصر لا احد يحاسب عليه سواء كان لصحيفة او لمسئول او مواطن عادي، فهو في النهاية نوع من اشاعة الامال الكاذبة او التنفيس عن الكبت.

 وعندما هدد الامريكيون بوقف المعونة الامريكية لمصر بسبب الخلاف حول تمويل جمعيات المجتمع المدني التي قال المصريون انها تهدف الى تخريب مصر، انفعل المصريون وغضبوا غضبة ملكية ثم ركلوا امريكا ومعونتها في لحظات.

اولا انا مقتنع بان الخلاف بين مصر وامريكا لن يدوم ولن يستمر فهما مثل أي زوجين يختلفان أثناء النهار علنا ولكنهما يتصافيان في الفراش ليلا. وكل ما يحدث من شد وجذب ليس سوى نوع من تكبير الدور او فتحة الصدر ولن تلبث ان تنتهي وتعود المياه الى مجاريها. وتخرج كلمتان من هذا الجانب حول الشراكة الاستراتيجية وكلمتان من الجانب الاخر حول دور مصر المحوري في المنطقة وتنتهي المسألة، وكما يقول المصريون نصير "سمنا على عسل" مرة اخرى.

ومن ادرانا ان الخلاف الحالي ليس خلفه ملفات اخرى تماما غير تلك المعلنة امامنا. وقد يتم تسويتها هي الاخرى دون ان نعرف. لا هذا الطرف ولا ذاك سيقولون لنا ما هي. فنحن مثلا لم نعلم ان فيديو البنت المسحولة في ميدان التحرير تمت "فبركته" الا من كارتر عندما ابلغه طنطاوي الذي لم يكترث بابلاغنا بالامر.

ما اريد ان اقوله هو امر يتعلق حرفيا "بالشحاتة" على مصر. وهذه الطريقة تذكرني بما يقوم به بعض المتسولين المحترفين من استئجار طفل صغير من جيرانهم ليستعينوا به في التسول ثم يكون له في نهاية اليوم نصيب معلوم من الغلة. وقد تكررت عملية "الشحاتة" على مصر كثيرا تحت مسمى دعم الاقتصاد. واخيرا ظهرت فكرة انشاء صندوق "العزة والكرامة" لتعويض المعونة الامريكية.

وليس هناك ما يمنع اطلاقا ان نطالب الشعب المصري بالتبرع لاقامة جامعات او انشاء مستشفيات او خلافه من المؤسسات الخدمية ولكن يجب ان يكون ذلك اخر خيار امامنا. فليس من المنطقي ولا من العقلاني ان اترك شخصا ينهب مليار جنيه مثلا تحت أي مسمى ثم اتوجه الى الشعب للتبرع بمبلغ مماثل فهذه ببساطة حماقة غير مقبولة. ومن الحمق ايضا ان نرسل ببعثات "طرق الابواب" كما نسمي التسول من الخارج لتأتي لنا ببضعة ملايين من الدولارات يسرق ضعفها أي لص متواضع لدينا.

وعندما اتوجه الى الشعب لاجمع منه تبرعات يجب ان اكون انا قد قمت بكل ما من شأنه ان يجعل ذلك هو الخيار الوحيد امامي بحيث لايوجه الى احد اللوم والانتقاد. كلنا نتمنى ان نرى مصر في افضل حال وان نراها من اقوي الدول اقتصادا، ولكن ليس عن طريق تبرعات اجمعها من شعب مسروق بالاساس لانني سأكون شخص عديم البصر والبصيرة. وبدلا من ان يتوجه شيوخنا الاجلاء الى الشعب المنكود بالتبرع اولى بهم ان يخاطبوا السلطات لمتابعة اموالنا المنهوبة سواء في الداخل والخارج واعتقد ان الحديث عن حرمة المال العام وضرورة استرداده اولى من الحديث عن العزة واخواتها.

مبلغ المعونة الامريكية كلها وهو نحو ملياري دولار ليس بالمبلغ الضخم ولا الهائل بل انه يمثل جزءا ضئيلا من ثروات اشخاص كثيرين في مصر جمعوها بطرق مشبوهة ومريبة، وهو نفس السبب الذي يحول بينهم وبين التبرع بقرش منها. ولو بدأنا تطبيق القانون بطريقة محترمة لاستطعنا ان نجمع اضعاف هذا المبلغ. ان مبلغ الملياري دولا يمكن جمعه بسهولة من قطعة ارض استولي عليها احد اللصوص الكبار. وهناك كثيرون في مصر اشتروا (او لنقل سرقوا) مساحات شاسعة من الاراضي بملاليم وباعوها بمليارات بعد ايام معدودة.

 وقف المعونة الامريكية لن يجعلنا نتضور جوعا والقول عن اعتياد وادمان المعونة هو قول سخيف، فالمبلغ ليس من الضخامة بحيث يستحيل تعويضه. واذا كانت كاترين اشتون المفوضة العليا للاتحاد الاوروبي ذكرت ان مصر سرق منها خمسة تريليونات دولار خلال الخمسة عشر عاما الاخيرة فلاشك اننا نستطيع ان نسترد جزءا يسيرا من المبلغ المسروق وهو يفوق ربما المعونة التي دفعتها امريكا منذ اوائل الثمانينيات حتى يومنا هذا بكثير.

المعونة بالاساس هي اشبه بمسمار جحا او ستارة لتغطية التبعية المصرية لامريكا وتبرير هذه العلاقة غير المتكافئة وغير المتوازنة. هل تذكرون عندما شتم ريجان مبارك واتهمه بانه كاذب. لقد طالب بعض المصريين المتحمسين انذاك ان تعتذر امريكا لمصر فرد الصحفيون الامريكيون ساخرين : كيف نعتذر لدولة ندفع لها معونة؟. وامريكا لا تدفع هذه المعونة لوجه الله والتاريخ او حبا في الشعب المصري بل لانها تستفيد من دفعها عشرة اضعافها.

ومن المطلوب منه الان ان يدفع هذه المبالغ؟. الطبقة الوسطي التي يمكن ان تحرك المجتمع وتنهض به قضي عليها مبارك وجعلها تهبط الى ما فوق خط الفقر بقليل حتى لتكاد تجلس عليه مع حشود غفيرة تتحرك اسفله. رجال الاعمال في مصر اغلبهم من صناعة مبارك وولده وهم لا يتبرعون سوى لمعارك من نوعية موقعة الجمل او استاد بورسعيد ومن اجل نشر الفوضى وغيرها من الاعمال المسمومة.

أذن فالمتبرع الرئيسي سيكون هم ابناء الشعب الكادحين الذين يزيد تعدادهم على 80 في المئة من السكان لا يستحوذون سوى على اقل من 40 في المئة من اقتصاد البلاد، بعد ان نهبت اموالهم ولا يجدون ما يقيم اودهم او يجدونه بصعوبة. ولم نسمع من قبل عن دولة بنت اقتصادها بالتبرعات حتى لو جمعتها من شتى اقطار الارض.

على مصر اولا ان تجد في استرداد الاموال المنهوبة منها في الخارج والداخل وهي تكفي ليس لتغطية قيمة المعونة الامريكية فحسب بل ايضا لسداد ديون مصر وتحقيق انتعاش اقتصادي كبير. وساعتها على الاقل سيكون لدينا الجرأة لطلب التبرعات من الشعب واستثارة احساسه بالعزة والكرامة.

الخميس، فبراير 16، 2012







قبلة البرادعي تنتصر للثورة؟


مازالت تداعيات القبلة التي طبعها الناشط السياسي المصري محمد البرادعي المرشح السابق لرئاسة الجمهورية على خد النجمة الامريكية الجميلة انجلينا جولي تتفاعل في مصر باعتبارها حدث من الاحداث الخطيرة التي ستغير مسار الثورة وتعيد تشكيل العلاقات المتوترة بين القاهرة وواشنطن.

وينظر كثير من المصريين الى قبلة مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق لجولي في مهرجان برلين السينمائي الذي حضره بوصفه حائزا لجائزة نوبل في السلام وسلم النجمة الامريكية جائزة عن فيلمها "في الدماء والعسل" عن حرب البوسنة، باعتبارها بوادر مصالحة بين العسكر والامريكيين على خلفية العلاقات المتوترة بين الجانبين بسبب قضية التمويل الاجنبي لمنظمات المجتمع المدني في مصر.

ونظر اخرون الى الامر من الناحية الدينية فقال البعض ان المجلس العسكري كان بعيد النظر عندما استبعد البرادعي من أي ترتيبات سياسية خلال الفترة الانتقالية وعمل على مضايقته حتى تخلى عن ترشيحه للرئاسة. وحجتهم في ذلك ان البرادعي يعتبر من بعض النواحي "منفلتا" وليبراليا ليس فقط في السياسة، بل في العلاقات الشخصية وانه اذا انتخب رئيسا فقد يجعل من مصر "مبوسة"، وقد يصرف المصريون وقتهم في تبادل القبلات.

من ناحية اخرى يقال ان المجلس العسكري عقد اجتماعا طارئا لمناقشة الامر وتداعياته الداخلية والدولية ورد فعل امريكا المتوقع وما اذا كانت القبلة البرادعاوية يمكن ان تكون بداية تقارب بين الدولتين ام انها تنذر بتصعيد الخلاف على اعتبار ان قبلة البرادعي قد يفسرها الصقور في الادارة والكونجرس على انها استهانة من الجانب المصري بامريكا.

ويقال ان اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية اعلن ان الشرطة بريئة من أي تجاوزات حدثت في مهرجان برلين حيث لم يطلب اليها اصلا المساهمة في تأمينه. اما اللواء اسماعيل عثمان مسئول الشؤون المعنوية السابق بالمجلس العسكري فقد خرج عن صمته للمرة الاولى منذ احيل للتقاعد وقال ان ما حدث يمكن ان يؤدي الى ازالة الاحتقان بين واشنطن والقاهرة شريطة ان تسلم امريكا اموال الفلول النائمة في بنوكها على طبق من ذهب وليس من فضة.

أما اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية فقال ان البرادعي لا يمثل الا نفسه وانه ليس لديه تفويض من أي جهة رسمية في مصر بتقبيل انجلينا جولي وان مصر ليست مسئولة عن أي تبعات سياسية لهذا العمل غير المسئول من جانب مواطن مصري لا يشغل منصبا رسميا.

وردا على تساؤلات بعض الاعضاء حول ما اذا كان البرادعي يجوز له ذلك من عدمه، وما اذا كان من الأصوب ان تسند مهمة تقبيل النجمة الامريكية الى المشير باعتباره رئيس السلطة التنفيذية في مصر والمعبر رسميا عن كافة فئات الشعب المصري، قال طنطاوي انه لم يتسلم دعوة رسمية لحضور المهرجان ولا لتقبيل النجمة الفاتنة كما ان مشاغله في مصر تحول دون سفره، ولكنه اوضح ان أي قبلة يسددها مواطن مصري لغادة امريكية مهما كان موقعه هي انتصار للشعب المصري ولطمة على وجه دعاة الفوضى.

من ناحية اخرى تباينت مواقف الاحزاب والحركات السياسية من قبلة البرادعي واستنكر حزب النور بشدة ما فعله البرادعي وقال نادر بكار المتحدث باسم الحزب انه ما كان يجوز له ان يصافحها بيده لانها اجنبية بالنسبة له فما بالك بتقبيلها، ودعا الى عدم تولي البرادعي أي منصب رسمي او ترشحه له.

اما حزب الحرية والعدالة فقد انقسم ازاء البرادعي فرأى بعض الاعضاء ان الضرورات تبيح المحظورات وانه انما فعل ذلك لنصرة المصريين وكسر العنجهية الامريكية والرد على التمويل الامريكي الساعي الى تخريب مصر، ومنهم من وقف من الامر موقف حزب النور. ورفع محمد ابو حامد رئيس الكتلة البرلمانية لحزب المصريين الاحرار صورة البرادعي وجولي ملوحا بها امام النواب في البرلمان هاتفا بان الشرعية الثورية انتقلت من الميدان الى المهرجان.

اما توفيق عكاشة فقال ان الصورة "مفبركة" وان البرادعي يحاول رفع اسهمه بين الشباب في مسعى للعودة الى الساحة السياسية التي خرج منها بسبب تدهور شعبيته.



الاثنين، فبراير 13، 2012







سيدي الرئيس نحن نأسف لك وعليك


كنت اتوقع ان يخرج الرئيس مبارك علينا في ذكرى مرور عام على ثورة 25 يناير ليوجه كلمة الى الشعب المصري، كلمة تفسير او تذكير او تبصير او حتى لوم وتوبيخ. انا لا اتوقع بطبيعة الحال ان يعتذر الرئيس عما فعله في الشعب المصري وقد نكون نحن شعبا طماعا ووقحا للغاية اذا توقعنا من الرجل الذي خدمنا على مدى ثلاثة عقود ان يعتذر لنا عن ذلك، وان كان ذلك سببا وجيها ليوجه لنا أي كلمة بمناسبة مرور عام على فطامه عن السلطة. ثلاثة عقود هي فترة طويلة وتجعل الرئيس مبارك واحد من الاربعة الكبار في حكم مصر، وهذا هو ما جعلني اتوقع كلمته بل واتحرق اليها. يا ترى ما الذي يمكن ان يقوله لنا مبارك في هذه المناسبة..مناسبة تركه لموقع ظل يشغله لسنوات طويلة وغادره مرغما.

وقد يكون من الظلم للرئيس مبارك ان يذكر جنبا الى جنب مع الفرعون بيبي الثاني ورمسيس الثاني ومحمد على وان يقارن بهم ولكن هذه احدى حتميات التاريخ فالرجل هو صاحب اطول فترة حكم في تاريخ مصر بعد هؤلاء الثلاثة ولا بد ان يذكر جنبا الى جنب معهم ويقارن بهم. وحكم بيبي الثاني، الذي يقال انه تمتع بأطول فترة حكم في التاريخ الانساني، 94 عاما وتولى العرش وهو في السادسة من عمره، وانعكس طول حكمه وتداعي صحته وضعف ادارته وعدم اكتراثه مثل مبارك بالرعية، على سلطة الدولة المركزية التي تآكلت لصالح حكام الاقاليم كما ادى في نهاية المطاف الى نشوب ثورة عارمة. أما رمسيس الثاني فقد حكم مصر 66 عاما وشهرين وكانت له انجازات كبيرة. وجاء محمد على وهو ألباني ليحكم مصر في بواكير عصر النهضة الحديثة واستقل بمصر عن الامبراطورية العثمانية وحاول ان يجعلها نواة لامبرطورية ضخمة ترث الامبراطورية التي كانت جزءا منها والتي كانت مظاهر الضعف والشيخوخة بدأت تدب فيها، لولا تصدي بريطانيا وفرنسا له.

بالطبع المقارنة ليست في صالح مبارك ويقال حتى ان هؤلاء الحكام، على بعد الشقة ما بيننا وبينهم، كانوا يعيشون بمنطق عصورهم ويهتدون بنواميس الحكم والادارة السائدة في ازمنتهم وهو امر لاشك انه ليس في صالح مبارك ايضا الذي يرى منتقدوه انه عاد بمصر القهقرى لقرون بحيث انتزعها من سياقها التاريخي.

غير اننا يجب الا ننظر دوما الى نصف الكوب الفارغ فمبارك مهما قال عليه خصومه قاد مصر خلال فترة تعد طويلة اتسمت بالهدوء النسبي مع بعض القمع الذي لم يحد مبارك مانعا للجوء اليه بسبب وبدون سبب. وفي الوقت الذي تدافعت فيه دول العالم – بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وجدار برلين – تنهل من الديمقراطية الغربية دون ترو او تأن، اصر مبارك على الطابع المصري للديمقراطية حفاظا على الهوية القومية، كما اصر ان يكون التحول تدريجيا خشية ان يغص الشعب – الذي بدا للرئيس طفلا يحركه الظمأ - بجرعة زائدة من الديمقراطية يكون فيها حتفه.

وحاول الرئيس ان يطور مؤسسات الدولة فمثلا الحزب الوطني الذي اسسه سلفه كنوع من الديكور السياسي وورثه هو منه متداعيا حاول ان يبعث فيه الحياة ويضع له مباديء سياسة جدية يسير عليها مثل أي حزب اخر يحكم في أي ديمقراطية في العالم.

والواقع ان التجديد الذي شهده الحزب في السنوات الاخير لا ينكره الا جاحد او جاهل. لقد فتحت افاق الديمقراطية الابواب امام الابداع السياسي فخرج من بين جنبات الحزب الوطني "الفكر الجديد" وهي وثيقة تذكرنا بمباديء ويلسون او مباديء الثورة الفرنسية او الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وان لم يكن احد قد فهم ماهية الفكر الجديد او وصل حتى الى الوثيقة التي تتضمنه. ويقال في ذلك ان المهم ليست الوثيقة المكتوبة بل روح الفكر الجديد الذي وجهت سياسات الحزب الوطني وتبدى اثرها جليا واضحا على المواطن.

وكانت شعارات الحزب الوطني تعكس ايضا هذه الروح من قبيل "من اجلك انت" و "من اجل اولادك" و "من اجل عينيك" و "من اجل عيون اجدادك في المقابر". وهذه الفئة الاخيرة بالذات أي الموتى كانت اكثر استجابة لدعوات الديمقراطية من اولادهم الاحياء حيث عرف عنهم انهم يخرجون زرافات ليصوتوا في الانتخابات في حالة من اثبات الانتماء وحرصا على مصالح الاجيال التي تركوها خلفهم والاجيال القادمة. اما سبب اصرار الموتي على التصويت للحزب الوطني تحديدا فهو امر اختلفت فيه اراء المنظرين السياسيين. ويقول البعض انها الحالة السكونية التي تطبع عالم الاموات هي التي تجعلهم يصوتون للحزب لما يلمسونه من تشابه بين حالتيهما. والموتى في العادة لا يحبون الاحزاب الراديكالية او التغيير المفاجيء.

ولما كانت ابواب الابداع مشرعة عن اخرها فقد بدأ المفكرون المستنيرون من اقطاب السياسة المصرية يضعون المباديء التي يتعين ان يسير عليها البرلمان المصري فوضع الدكتور سرور مبدأ "المضبطة النظيفة". ويقضي المبدأ بحذف أي كلمات عنيفة اوخادشة للحياء من مضبطة مجلس الشعب. وكان يمكن ان يرفع الاعضاء احذيتهم بل ويصفعون ويركلون بعضهم بعضا وتسمع السباب والشتائم تتطاير تحت القبة ولكن حرصا على الاجيال القادمة التزم الدكتور سرور الا يروا منا الا كل ما هو حسن حتى يسيروا على دربنا في طريق الديمقراطية دون تردد.

وتماشيا مع هذه التطورات الديمقراطية تم تعديل الدستور مرتين استجابة لتطلعات شعبية للتفويض بالمزيد من السلطة للشعب ولاحكام رقابة المجلس على اداء السلطة التنفيذية. ولكي يقطع الدكتور سرور الطريق على السلطة التنفيذية في التلاعب بمجلس الشعب استحدث مبدأ "سيد قراره" لكي يوفر الحرية المطلقة للأعضاء دون مخاوف من أي اجراءات تتخذها السلطات ضدهم خارج المجلس.

كان ذلك كله بفضل اشراف الرئيس مبارك ومباركته. ومهما قبل عن سلبيات الرجل الا ان احدا لايمكن ان ينكر انه اجتاز بمصر العديد من الازمات التي كان يمكن ان تعصف بأمنها واستقرارها فخرج بها اقوي مما كانت قبلها. ويحضرنا في هذا المقام ازمة العبارة الاولى وازمة العبارة الثانية (التي يشبهها المؤرخون بغزو الالمان للاتحاد السوفييتي وتصدي الجيش الاحمر لهم) وازمة قطار العياط الاول (بيرل هاربور المصرية) وقطار العياط الثاني "المعروف تاريخيا بازمة قطار الجاموسة"، وازمة شهداء الخبز التي شهدت مقتل الكثير من المصريين في الافران في الصراع على الخبز، وازمة الغاز وازمة الكهرباء. كل هذه الازمات اجتازها النظام المصري بقوة وثبات يحسد عليهما وخرج ليقول للعالم : هذه هي مصر اقدم دولة في التاريخ البشري.

أما في الانتخابات الاخيرة للنظام والتي اجريت في اواخر عام 2010 فقد حقق الحزب انجازا لم يتحقق سوى في الدول التي لا تعرف الا نظام الحزب الواحد وليس لها علاقة بالتعددية مثل الحزب الشيوعي مثلا في الاتحاد السوفييتي السابق والصين حاليا. والواقع ان هناك من يعبرون عن امتعاضهم من ان الامن هو الذي ادار العملية الانتخابية البرلمانية وانه كانت له الهيمنة عليها. وهو امر اجد انه لا غبار عليه فالامن في مصر ادرى بمصالحنا وادرى بما ينفعنا وما يضرنا ومن هو النائب الصالح الذي يمكن ان يفيد الشعب ومن النائب الطالح الذي سيسعى الى الاضرار بأمن الوطن وسلامته لتحقيق منفعته الشخصية.
واليوم وانا افكر في عهد الرئيس مبارك لا يسعني الا ان اشعر بحزن شديد ان عهده انتهي قبل اوانه وقبل ان يكمل مسيرته ويحقق تطلعاته في خدمة شعبه الذي يعد مثالا لنكران الجميل. واذا كان لي ان اقول له كلمة فانني اقول له نحن نشعر بالاسف ياريس انك حكمت مصر وشعرنا باسف اكثر واكثر عندما تركتها. وما زلنا نتطلع الى كلمة منك حتى لا نترك الصفحة الاخيرة من كتاب التاريخ خالية من الكتابة.
اعرف انك تشعر بالامتنان نحونا نحن رعاياك – سابقا - لاننا لم نشارك في المهرجان العالمي الكبير الذي اقيم في الكثير من دول العالم احتفالا بخلعك وان كان المهرجان قد تقنع تحت مسميات اخرى. نحن يا سيدى لم نحتفل مع المحتفلين ليس رفضا للمهرجان ولا استنكارا له ولا مجاملة لك، ولكن لاننا كنا مشغولين بشيء اخر مختلف تماما. كنا مشغولين باقناع بعضنا البعض بان نلزم منازلنا والا نخرج الى الشوارع والا نرى شمس الحرية التي اشرقت في ذلك اليوم.




 



ما الذي ضاع في تضاعيف الاضراب التعيس؟


مصر واقعة في حالة من التناقض والاستقطاب الشديد وهو ما يمكن ان نصفه بانه وضع متأزم ومتوتر حيث لا تشعر ان هناك ثلاثة اشخاص في البلد يمكن ان يتفوا على شيء محدد. ورغم ان الصحف الحكومية خرجت امس الاحد لتهلل لفشل الاضراب، الا ان الامر يدعو الى الرثاء اكثر مما يدعو الى الفرح.

لقد وقع الداعون الى الاضراب في مأزق سخيف فلم يكن التوقيت مناسبا ابدا للدعوة الى العصيان المدني فمناسبة تنحي مبارك او تنحيته كان يجب ان تكون وقفة للجميع ليحسبوا بتأن ما الذي حققته الثورة وما المسار التي يتعين عليها ان تسير فيه بعد ذلك. ولكن الدعوة خرجت متعجلة واختارت توقيتا سيئا.

وفي الوقت الذي نظمت منظمة العفو الدولية احتفالات في عدة دول اوروبية للاحتفال بالربيع العربي، كان المصريون مشغولين بما اذا كان الاضراب واجبا ام ترفا، هل هو قانوني ام غير شرعي، هل سيشارك فريق ما او يمتنع. وانشغل جانب منهم بتركيب مقاطع صوتية ملفقة لادانة خصومهم. وباختصار فقد انشغل المصريون بالاضراب وبانفسهم ونسوا ما يحدث للشعب السوري الشقيق من قتل وذبح ربما لم يشهده التاريخ الحديث في أي دولة اذا استثنينا ما حدث في يوغسلافيا السابقة في تسعينيات القرن الماضي.

واحتفالا بالربيع العربي وتجاوبا مع الدعوات الدولية في يوم سقوط مبارك خرجت مظاهرات حاشدة في كل من تونس وليبيا لدعم سوريا. فهل الليبيون والتونسيون اقرب لابناء سوريا منا؟. صحيح ان لدينا جراحنا الكثيرة التي ما زلنا نداويها ولكن السوريين يعيشون اوضاعا يصعب تخيل بشاعتها. واذا كانت مصر الرسمية اصابها الخرص فلم يخرج منها تصريح واحد يعبر عن تعاطفه مع السوريين فاين مصر الشعبية؟. لقد التهمها الاضراب الذي لا يمكننا بأي حال ان نقول حتى انه حقق ما يمكن ان نبني عليه في المستقبل.




الجانب الاكبر من الداعين الى الاضراب مسيسون أي انهم يعملون بالسياسة بصورة او اخرى سواء من الشخصيات التي كانت موجودة في عهد نظام مبارك او من سباب الثورة والنشطاء الذين بدأوا يجربون انفسهم في عالم السياسة مؤخرا. واغلبهم ان لم يكن كلهم ليسوا على صلة قوية بالشارع ولا يعرفون ما يشغل المواطن العادي المهموم بمعاشه اليومي. ولا احد يخفي عليه بالطبع ان الاوضاع المادية والمعيشية في مصر تدهورت كثيرا بعد الثورة لفئات عريضة من المجتمع بصورة جعلت كثيرين يتحولون الى اتخاذ موقف لا مبال ان لم يكن معاد للثورة. وهؤلاء يشغلهم قوت يومهم اكثر مما يشغلهم التغيير على المدى الطويل.

المجتمع المصري ليس معتادا على التحركات الجماعية بسبب انعدام الوعي بين الكثير من فئاته، بل هو معتاد اكثر عل الاحتجاجات والاضرابات الفئوية وعلى سبيل المثال فان عمال ميناء العين السخنة الذين يخوضون مواجهة مع شركة مواني دبي العالمية الاماراتية التي تقوم بتشغيل الميناء، بسبب مطالب تتعلق بالاجور، رفضوا ان يتزامن اضرابهم مع الدعوة العامة للعصيان يوم السبت وأجلوه الى يوم الاحد حتى لا تكون هناك شبهة في انضمامهم الى العصيان العام، لان مطالبهم ترتبط بهم وليس بالشأن العام، في حين رفض عمال المحلة الاضراب.

الاحتجاجات الفئوية تكون لها مطالب محددة وملموسة ويكون لها قائد على الارض يوجهها وينظمها، وتكون الجهة المستهدفة من الاضراب او الاعتصام وهي في الغالب ادارة الشركة او المؤسسة، لديها استعداد لاتخاذ موقف منه اما بالاستجابة لمطالبه او رفضها، على عكس المطالب الكثيرة والهلامية التي اعلنت كهدف للاضراب، مما يجعل المجلس العسكري يتجاهل حتى نقاشها.

والثورة حتى الان فشلت في اخراج قائد لها يمكن ان يجتمع حوله الناس. وحتى الدكتور محمد البرادعي الذي كان افضل المؤهلين للقيام بهذا الدور، لم يكن عليه اجماع كامل، ثم انه لم يكن محبوبا ولا مرغوبا فيه من المجلس العسكري. ونلاحظ هنا الدور الخطير الذي لا زالت تلعبه السلطة القائمة، واداتها الاعلامية، في صنع القيادة الشعبية وهو امر خطير للغاية في عهد ما بعد الثورة.

وللاسف الشديد فان الكثير من الداعين للاضراب صورتهم الشعبية يعلوها الكثير من الغبار ليس فحسب بسبب الدور الذي لعبه الإعلام الرسمي، بل ايضا لان الكثير منهم بالفعل لا يشعرون بنبض الشارع  وغارقون في التنظير الذي لا يمت للواقع بسبب.

هل نسينا ان الشعب المصري لم يمارس السياسة ولم يشارك فيها بأي صورة من الصور منذ اكثر من ستين عاما؟. كل الحكومات السابقة منذ ثورة يوليو كانت تكفيه مئونة التفكير في أي شيء حتى في الكوارث الطبيعية. واثناء زلزال 1992 خرج علينا صفوت الشريف ليقول ان كل شيء تحت السيطرة وكأنه مثلا قد اعتقل الزلزال. وتصويت المصريين في انتخابات مجلس الشعب مؤخرا، رغم كل ما شابه من اوجه قصور، يعد بداية للاهتمام بالمشاركة السياسية التي حرموا منها لاجيال.

ولكن اسوأ ما في الامر ان الدين استغل في هذه المناسبة كما كان يستغل في عهد مبارك تماما فقد اعتبر شيخ الازهر والبابا شنودة ان الاضراب حرام لما فيه من تعطيل مصالح الناس، وهو امر للاسف اساء للمؤسستين الدينيتين اللتين يقودهما الرجلان. الدين يجب ان يكون بمنأى عن الخوض المباشر في الامور السياسية، وكان افضل للرجلين لو اكتفيا باعلان ان مؤسستيهما ستقومان بعملهما المعتاد في هذا اليوم، وان يتركا للجميع ان يقرروا في ضوء ذلك موقفهم. هذا الموقف يثبت ان مصر لم تتغير بعد الثورة خاصة وان الرجلين كانا يدعمان مبارك بكل ما اوتيا من قوة حتى اخر لحظات سقوطه.

الجمعة، فبراير 10، 2012




الجامعة الامريكية لن تسـقط مصر
والجيش يخشى الثورة المضادة



اصبحت هناك في مصر حالة من الهوس والتشكيك والتخويف والتخوين كما لو كانت البلاد اصبحت مرتعا للشائعات والاتهامات والاتهامات المضادة والفوضى وكأنه لم يعد ثمة شيئا يستحق الابقاء عليه في مصر.

ومن الثابت ان كل الثورات التي قامت لم تسع الى هدم المجتمعات التي قامت فيها بل قامت لاصلاحها وتقويمها وامامنا امثلة كثيرة في ثورات في اوروبا وحتى ايران القريبة منا. ولكن البعض في مصر يتخيل ان الثورة يجب ان تنسف كل شيء وتبدأ البناء من جديد. ومفهوم الثورة لديهم يقوم على هدم كل ما هو قديم باعتبار انه ينتمي الى العهد البائد والتشكيك في كل تحرك باعتبار انه تربص او مؤامرة.

لقد اثار انتشار وحدات من الجيش في انحاء البلاد مؤخرا سيلا من الشائعات الغريبة بان الجيش يتجه الى القيام بانقلاب. وبدلا من النظر الى تحرك الجيش على انه جاء لحماية الممتلكات العامة والخاصة وتأمين الطرق والمنشآت الحيوية، لم يجد انصار التشكيك في ذلك سوى نية مبيتة للانقلاب. هل لم يجد الجيش مثلا سوى مناسبة خلع مبارك ليعلن فيها الانقلاب...ولماذا؟.

بعض المحللين قالوا ان الجيش انتشر تحسبا لما يمكن ان يحدث في العصيان المدني الذي اعلنت احزاب وحركات سياسية عن الشروع فيه يوم السبت وهو اليوم الذي يصادف الذكرى السنوية الاولى لتخلي المخلوع عن السلطه او اجباره على التخلي عنها.

وهناك للاسف كثير من المصريين يختلط لديهم مفهوم التظاهر السلمي والعصيان والاضراب بتخريب الممتلكات العامة والخاصة والعنف ضد الاخرين، ولذا فان انتشار الجيش كان ضروريا.

غير ان ما يبعث اكثر على الخوف والحذر في هذا اليوم هو ما يمكن ان تقوم الثورة المضادة من اعمال انتقامية وتخريبية لمصادفة اليوم للذكرى التاريخية باقتلاع رأس النظام، وربما كان ذلك واردا في ذهن اعضاء المجلس العسكري الذين امروا بنشر هذه القوات. ولاشك ان انتشار القوات المسلحة في شوارع المدن سيؤدي الى الحد من الانفلات الامني والحد من تحركات الثورة المضادة في ذكرى خلع مبارك. واعتقد انه ربما كان مرتبطا بهذا العامل الاخير اكثر من ارتباطه بالعصيان المزمع.

ولا اعتقد ان الجيش يسعى الى تحقيق مكاسب على الارض عن طريق الانتشار للحفاظ على وضعه في الدستور الجديد عملا بمبدأ ان احتلال الارض يعطي ميزة تفاوضية، فلا يوجد اساسا رابط بين الاثنين، وهو لا يحتاج في الاصل الى الانتشار على هذه الصورة إلا لهدف أمني قوى، لان هذا الانتشار في الغالب تكون لك تكلفته المالية والتعبوية.

ولكن الشيء الذي يثير التساؤل ربما اكثر هو لماذا يبدو المجلس وكأن يديه مغلولة ازاء اولئك القائمين على رعاية كوارث الثورة المضادة؟. هل هناك صفقة مثلا مع النظام برعاية اطراف او دول اخرى بالا تكون هناك اجراءات مشددة ضد افراده، ام ان هناك اشياء مثلا يحتفظون بها ضد المجلس ويهددونه بها؟ ام ان المجلس يريد ان تمر الفترة الانتقالية دون اتخاذ اجراء ضد أي منهم ليلقي بعبء ذلك كاملا على البرلمان والحكومة القادمة؟.

اما الاغرب والانكي فهو اتهام الصفحة الرسمية للقوات المسلحة للجامعة الامريكية بانها تخطط لاسقاط مصر واحتلالها عام 2015، وذلك بسبب دعوة بعض اساتذة وطلبة الجامعة الى المشاركة في العصيان. ورد طلبة الجامعة بمطالبة المجلس بابراز ما لديه من أدلة وقالوا انه في حالة اخفاقه في ذلك سيتم اللجوء الى القضاء.

واعتقد ان ذك يأتي في سياق الشد والجذب بين الادارة الامريكية والمجلس العسكري على خلفية قصية التمويل الاجنبي المحال فيها 19 امريكيا الى محكمة الجنايات. ولكن من الغباء حقا اتهام طلبة الجامعة واساتذتها بمحاولة اسقاط مصر، ليس فحسب لان هؤلاء من حقهم كمصريين ان يشاركوا في الاضراب، ولكن لان فكرة ان تكون الجامعة قادرة على اسقاط مصر هي اهانة لمصر نفسها. فأي دولة تلك التي تسقطها جامعة؟. مصر ليست احدى جمهوريات الموز بل هي اكبر من ذلك بكثير.

صحيح انه من الامور الثابتة والمسلم بها ان كل الامريكيين المنتشرين في دول العالم والعاملين في كل القطاعات بها من التعليم الى البترول الى المعونة يعملون على جمع معلومات استخباراتية عن كل شيء في تلك الدول لبلادهم، ان لم يكونوا مرتبطين مباشرة باجهزة مخابراتها. ولكن اساتذة وطلبة الجامعة الامريكية ليسوا من هذه الفئة فهم مصريون يمارسون حقا من حقوقهم القانونية.

الخميس، فبراير 09، 2012







بلاها عصيان واحتفلوا بخلع مبارك


الذين اطلقوا الدعوة الى العصيان المدني في يوم 11 فبراير الذي يوافق تنحي او تنحية الرئيس المخلوع مبارك جانبهم الصواب كثيرا في اختيار هذا اليوم تحديدا للعصيان رغم ان نجاح مثل ذلك التحرك اساسا يعد موضع شك كبير.

هذا هو اليوم الذي خلع او خلع فيه مبارك ويجب ان يكون يوما للاحتفال بهذه المناسبة نجدد فيه العهد مع انفسنا، رغم كل الالام والكوارث التي وقعت منذ ذلك اليوم من العام الماضي، على المضي قدما الى ان نحقق كل اهداف ومطالب الثورة، في الوقت الذي لا نغفل فيه ان اول عوامل نجاحها هو الانتاج.

هذا اليوم بالذات يجب ان يخرج فيه الجميع ان لم يكن للعمل فللاحتفال بسقوط مبارك ومساعدة افراد الجيش والشرطة في تأمين المنشآت العامة وحمايتها. العصيان، على العكس من ذلك، يعني اخلاء الشوارع والمؤسسات للبلطجية المستأجرين من نزلاء طرة لكي يعيثوا فسادا في البلد فيحرقوا ويدمروا كيفما شاءوا.

واذا كانت الذكرى السنوية الاولى لموقعة الجمل شهدت مقتل اكثر من 70 شابا في بور سعيد، فكيف سيكون الاحتفال بذكرى سقوط الامبراطور نفسه. هذا يوم يحتاج الى ان تكون الجماهير فيه على حذر مما قد يدبره اعداء الثورة.

ثم من الذي نهدف الى الضغط عليه بالعصيان المدني؟. هل هو المجلس العسكري. انا لا اريد ان اقول لكم ما الذي يمكن ان يقوله اعضاء المجلس تعليقا على العصيان المدني لانه سيكون كلاما خارجا.

اذا تخيلنا ان المجلس العسكري سيهتز بعصياننا فنحن واهمون. المجلس له اقتصادياته القوية ولن نضيره في شيء لو مضينا في عصياننا عاما. اقتصاد المجلس قوي وراسخ وافضل من اقتصاديات دول اوروبية كثيرة ناهيك عن الاقتصاد المصري، وهو أمر طبيعي للغاية حيث يمكن جدا ان تجد دخل الفرد في امارة موناكو اعلى من دخل الفرد الفرنسي، ولن يتأثر بالعصيان ومن ثم سيكون وقعه كوقع الريش على بحيرة ساكنة. المجلس العسكري منح مصر في لحظة مليار دولار وهو مبلغ يحتاج "اقتراضه" من البنك الدولي او صندوق النقد الدولي الى مفاوضات تستمر ستة اشهر على الاقل.

واذا كنتم تفترضون ان حرص المجلس على صورته وخوفه من أي ضغوط خارجية سيجعله يسارع الى تلبية مطالب العصيان فانتم واهمون للمرة الثانية. المجلس لا يعنيه احد ولا يكترث بأحد سواء في الداخل او الخارج، واكبر دليل على ذلك ما يحدث مع جماعات المجتمع المدني المتهمة بتلقي تمويل من الخارج.

ان نجاح الثورة في خلع مبارك بعد ثلاثة عقود من الديكتاتورية لا يعني باي حال ان الشعب المصري وصل الى ذروة الثورية وان جميع افراده يعرفون ماهية العصيان المدني. اننا نحاول بالكاد ان نفهم معنى التظاهر السلمي، واعتقد ان طرح فكرة العصيان المدني نفسها يعد سابقا لاوانه.

الثلاثاء، فبراير 07، 2012








الهمج لا يصنعون تاريخا ولا حضارة


 
بعيدا عن السياسة وبعيدا عن الحسابات القذرة لكل طرف وموقفه من مذبحة بور سعيد لا اعتقد ان احدا فكر في اسر اولئك الشبان المساكين ولا احد وضع نفسه موضعهم ولا شعر بمدى الامهم لفقد احبائهم، بل كان هم الجميع هو ان يخرجوا من الازمة دون ان تمس مكاسبهم السياسية المباشرة واوضاعهم. وكانت المؤازرة والمناصرة والمساندة والتوافق هي المهيمنة بين اركان السلطة في المحنة، اما لخسائر الاخلاقية والانسانية وصورة كل الاطراف امام الشعب فلم تكن ذي بال بل ربما كانت خارج الحساب تماما.

شعرت ان كل الذين تحدثوا عن الكارثة كانوا يتحدثون عن كارثة العبارة الغارقة او القطار المحترق. نفس الكلمات ونفس التعبيرات ونفس الانفعالات وان اختلف الزمان والاشخاص. وخرجت علينا جوقة السنيدة التي تقرأ من نصوص محفوظة بعد كل كارثة لتردد ان هذه ليست مصر ولا اخلاق مصر ولا هؤلاء هم شعب مصر ولا شباب مصر. ومصر ذات الحضارة التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ الى سبعة الاف سنة لا يمكن ان يحدث بها هذا. ولا تدرى حقيقة ما سبب هذا الانكار لحادث ملء السمع والبصر..هل هو الاستنكار والرفض ام انها ميوعة من قبيل لزوم ما لا يلزم. وعلى حد علمي لم يضبط في النادي أي ايراني او باكستاني او اسرائيلي لنقول انه هو الذي دبر الكارثة.


هذا بالطبع كلام ناس للاسف من كبار الحشاشين. وحكاية السبعة الاف سنة حضارة خرج به علينا الراحل السادات رحمه الله وكان حشاشا كبيرا. اما مبارك فلانه كان مجردا حتى من القدرة على التخيل والحلم ولا يتعامل مع العالم الا بحواسه المباشرة، فقد علمنا على مدى 30 عاما ان العالم ليس فيه ما يدهش ومهما كان عدد الضحايا يتعين مواراتهم الثرى ونسيانهم والمضي في الحياة. وهو المبدأ الذي ما زال يحكم حياتنا حتى اليوم، والذي تبدى واضحا في رد فعل المؤسسات على الكارثة.

أما آن لنا ان نتوقف عن ترديد هذه الاكليشيهات السخيفة عن الحضارة وفعل الثقافات الوافدة. فهل رأينا في دولة في العالم اناس بهذا العدد يذبحون في مباراة لكرة القدم. هؤلاء المجرمون لابد انهم ينتمون الى شعب من السفاحين والسفلة والقتلة, وسواء كان هذا القتل مأجورا كما يقال من كلاب طرة وحلفائهم او جاء تلقائيا فهو لا يمكن ان يصدر من بشر اسوياء يعيشون في كنف مجتمع سوى بل انهم معاتيه ونتاج مجتمع من المعوقين ذهنيا وذوي العاهات.

بعد معاهدة السلام التي ابرمتها مصر منفردة مع اسرائيل بدون مشاركة عربية وبعد قطع العلاقات مع مصر، حمل السادات المصريين الى ماضيهم الفرعوني محاولا سلخهم عن محيطهم العربي وبناء هوية مصرية جديدة يتقلص فيها المكون العربي الى أدنى حد، ومن هنا كانت فرية السبعة الاف عام حضارة التي ما زال البعض يتغنى بها الى يومنا.

غير ان احداثا مثل بور سعيد تقول انهم في الواقع كانوا سبعة الاف سنة من الهمجية والوحشية والبهيمية. ما معنى ان يكون ابناء الفراعنة لديهم هذا النزوع الغريب للعنف الذي تأنف منه الحيوانات، لان الحيوانات المفترسة حتى لا تقتل طرائدها الا لغاية. أما هذا العنف المجاني العجيب والغريب فلا يثير لدى الا صور افعال جيش الرب للمقاومة في اوغندا عندما يحل بقرية فيجدع انوف السكان واذانهم ويبتر اطرافهم حتى الاطفال منهم.

كيف يمكن لشخص سواء كان مأجورا من عدمه ان يقتل بدم بارد شخص او اشخاصا لا يعرفهم. وكيف يمكن لشخص ان يرسل بمأجورين ليقتلوا اشخاصا لا يعرفهم. هذه امور لا تحدث في مجتمع يدين بأي دين او يحترم أي حضارة.

مصر طوال تاريخها كانت بحاجة على الدوام لعنصرين هامين، وبدونهما تضطرب الحياة أيما اضطراب: فيضان النيل وحكومة مركزية قوية. والفترات التي تعرضت فيها البلاد لاضطراب أي من هذين العنصرين، كانت هي الفترات الاسوأ في تاريخ البلاد، فنقص مياه النيل كان يؤدي الى المجاعات اما عدم وجود حكومة مركزية قوية او سيطرة حالة الاضطراب او الضعف علي القبضة الحاكمة فكانت على الدوام يتبعها الفوضي وهو ما نطلق عليه هذه الايام الانفلات الامني. وكان البلطجية على عهد الفراعنة اكثر جرأة من احفادهم في ايامنا هذه فكانوا ينهبون حتى المعابد والمقابر ناهيك عن مخازن الغلال التي كانت بمثابة بنوك تلك الايام.

على المصريين ان يتواروا خجلا من انفسهم وينظروا في المرآة ليتبينوا السفاحين والقتلة الذين يتخفون خلف ملامحهم. وبدلا من الحديث عن الحضارة وامتداداتها عليهم ان يفكروا بانكسار في الحالة التي وصلوا اليها حيث يمكن استئجار شخص بعدة مئات من الجنيهات ليودي بحياة شخص لا يعرفه. صحيح ان مثل هذه الاشياء موجودة في كل المجتمعات ولكن مبعث خطورتها في مصر انها وصلت الى حد الظاهرة المتكررة. على المصريين ان يفكروا ان لديهم نسبة من اكبر نسب الامية في العالم، وان لديهم صور بشعة اخرى من الامية تتجاوز بكثير معرفة القراءة والكتابة. المصريون ببساطة لا يحسنون شيئا على الاطلاق، حتى انهم لا يعرفون كيف يصوتون في الانتخابات.


لقد سعدت ايما سعادة عندما طمأننا المشير طنطاوي الذي سيدخل كتب التاريخ وهو يحمل فوق كاهله هو ومجلسه العسكري عبء هذه الدماء الطاهرة، ان البلد لن تسقط من جراء حادث كهذا. ولا ادرى حقيقة هل كان يقصد سيادته اننا لا يجب ان نفزع اذا ما واجهتنا في المستقبل احداث مماثلة او حتى اسوأ. غير اننا نريد ايضا ان يطمئن سيادته علي أي حال اننا ليس في نيتنا مهما حدث، ان ننظم مليونيات لمطالبة العسكر بالبقاء في السلطة. أما برلمان الكتاتني فقد فشل فشلا ذريعا في اول اختبار حقيقي له وعلينا ان نتحمل بقية ايامه تحت القبة على مضض الى ان يرحل.

الفائز الوحيد في اللعبة هو مبارك ونظامه الذي ينطبق عليه المثل "من جد وجد ومن ذرع حصد". فقد ربي الرجل اجيالا من البلطجية على مدى ثلاثة عقود، ما زالت تعلن عن وجوده القوي على الساحة. ومن يدري فربما بعد ان يخلد الرجل الى الراحة والدعة في مقبرته يظل هؤلاء البلطجية هم مأثرته وبصمته الوحيدة في تاريخنا الطويل الذي يمتد الى سبعة الاف سنة ونيف وثلاثين سنة.

الأحد، فبراير 05، 2012




يوربيدس في سجن القناطر






تبدأ مسرحية "ميديا" ليوربيدس وهي تتجرع مرارة الهجر لتخلي زوجها عنها واقترانه بابنة كريون ملك كورنثا. وتقع ميديا نهبا لصراع عنيف يعصف بها ولا يطفيء حنقها المتأجج وغيرتها سوى الانتقام منه ومن زوجته الملكية الشابة جلوكي ووالدها كريون ثم تبدأ في تنفيذ انتقامها من زوجها بقتل اطفالها الثلاثة منه.

ولكن "ميديا" في النهاية وان كانت امرأة مهجورة وزوجة منبوذة يزيد من ألمها انها ابنة ملك، الا ان يوربيدس حرص على تصويرها على انها شيطان خالص فقد خانت اباها وقتلت اخاها ودبرت مقتل العروس ووالدها. ومآساة ميديا هي انها اكثر انقيادا لمشاعرها من صوت عقلها.

وشخصية مثل بثينة شعبان المتحدثة باسم الرئيس السوري بشار الاسد الذي سيدخل التاريخ كواحد من أكبر سفاحي القرن، أو زوجة المخلوع المصري حسني مبارك ربما تعتبر نماذج عربية معاصرة للقسوة المفرطة التي تستحوذ على المرأة في طلب السلطة وحمايتها. ولكن الفارق بين هاتين الشخصيتين وميديا هو فارق كبير للغاية.

ميديا امرأة همجية أحبت جيسون بجنون وساعدته في سرقة الفراء الذهبي وضحت في سبيله بقومها، ولكنه في نفس الوقت لا يمكنه ان يتغاضى عن همجية اهلها وهو يعيرها بانه انتشلها من قومها المتوحشين. وهي من جانبها حملت معها همجية قومها ووحشيتهم بصورة تجعلها لا تتورع عن قتل اطفالها لتروي ظمأها للانتقام.

ولكن المرأتين العربيتين تعيشان في القرن الحادي والعشرين بل ان احداهما وهي شعبان حاصلة على الدكتوراة، ليست في العلوم النووية او الفيزياء، بل في الشعر. امرأة تتحول من استجلاء مواطن الجمال والخير والحب وتحليل رقة المشاعر في عالم الفن الى مساعدة جزار يواصل سفك دماء شعبه منذ نحو العام ولا يشبع ولا يرتوي.

وربما لم تتوقف شعبان وهي تسوغ افعال الشيطان وتدافع عنه وتهدد باسمه لتسأل نفسها ما اذا كان هذا يتسق مع شخصية سوية ام انها تعيش نفس الحصار الخانق الذي تعيشه ميديا ولا تجد فكاكا منه. وهي تمضي في طريقها متغاضية عن بحار الدم التي تسفك امامها كل يوم ساعية الى انقاذ النظام بأي ثمن لان انقاذ النظام هو انقاذ لرقبتها.

ومؤخرا نشر ان شعبان هددت القادة العرب الذين يهاجمون القمع والقتل السوري اليومي بنشر افلام جنسية لهم على الانترنت، وهو نفس التهديد الذي وجهته سوزان ثابث حرم المخلوع المصري لمسئولين عرب ومصريين. وهذه تهديدات لا تشير الى سوء التربية والانحطاط فحسب، بل تلقي بظلال على الممارسة السياسية في العالم العربي. هل هؤلاء يصلحن ان يكن مسئولات او زوجات لشخصيات مسئولة في دولة في القرن الحادي والعشرين؟ وهل الحكام والمسئولين الذين توجه لهم مثل هذه التهديدات يصلحون لقيادة دولة في القرن الحادي والعشرين؟.  

ان ميديا حتى افضل حالا من شعبان. وناهيك عن اسمها الذي يشير الى مهارتها في عالم السحر، يرسل اله الشمس هيليوس عربته المجنحة اليها في اللحظات الاخيرة بعد ان قتلت أطفالها وجاء جيسون لينتقم منها، فتصعد اليها وتمضي. ولكن شعبان لن تجد لا عربة مجنحة ولا مركبة عسكرية لتركبها ولن يمد اليها احد يده في لحظاتها الاخيرة التي ستواجهها وحيدة وضعيفة. وقد يكون مصيرها حتى أسوأ من مصير ايفا براون. براون على الاقل كانت تحب هتلر حبا جنونيا ووافقت عن طيب خاطر ان تقاسمه مصيره بتجرع السم في لحظاتهما الاخيرة. ولكن ربما تكون نهايتها كنهاية كلارا بيتاتشي وتعلق من ساقيها الى جانب الدوتشي السوري مثل العجول في المذبح.

اما زوجة المخلوع المصري فهي في وضع افضل من ميديا ومن شعبان فهي من ناحية تحتفظ بعشقها محنطا في المركز الطبي ومن ناحية اخرى فقد اجتازت فورة الثورة الأولى التي كانت تمثل اكبر تهديد لها ولاسرتها، دون ان يمسهم اذي مباشر. صحيح ان ولديها ينزلان الان في طرة بينما ينام زوجها في المركز الطبي ولكنهم على أي حال يتمتعون باقامة فندقية قصد منها حمايتهم اكثر منها معاقبتهم.

أضف الى ذلك ان ثروة الاسرة التي نهبتها من دم الشعب البائس لم تمس بسوء وهي نائمة في بنوك لا يعلمها الا الله الى ان يخرج الاولاد ليتمتعوا بها، كما ان سيدة مصر الاولى السابقة حرة طليقة يمكنها ان تروح وتغدو وتخطط وتدبر لسفك المزيد من دماء المصريين تحت نظر طنطاوي الذي يبدو ان عينيه وعيون رفاقه في المجلس العسكري الحاكم مكسورة امامها لسبب او لآخر.

لقد سفكت هذه الحيزبون من دماء المصريين هي واسرتها الكثير والكثير وما زالت. وقيل مؤخرا ان كل زيارة لها لطرة تكون متبوعة بحمام دم كبير. ولكن لا احد يستطيع ان يقترب منها فهي على ما يبدو تحظى بحماية غير معلنة من العسكر ومن فلول النظام البائد وكلاهما اصحاب مصلحة واحدة في استمرار الاوضاع في مصر كما هي.

أليس من الافضل ان تودع هذه المرأة في سجن القناطر حتى يقضي الله امرا كان مفعولا بدلا من تركها مطلقة السراح لتقوم بالتخطيط والتآمر على حياة المصريين؟. ولا اعتقد اننا سنفتقر الى تهمة نوجهها اليها، فكوارث الاسرة تكفي لتحملها الى حبل المشنقة او للزج بها بقية أعمارها في السجون لو كانت هناك أي عدالة حقيقية.


الجمعة، فبراير 03، 2012






مؤسسات الدولة: الى متى تظل تائهة؟

رد فعل مؤسسات الدولة على كارثة مقتل اكثر من 70 شابا مصريا في بورسعيد يكشف اننا مازلنا نعيش في عهد مبارك وان طرق التفكير المباركية مازالت هي المهيمنة لدينا. ولو درسنا المواقف بتمعن لتبينا ان الوحيد الذي خرج من الموقف فائزا هم الحشرات الذين دبروا للجريمة. اما مؤسسات الدولة فقد هيمن التخبط والعشوائية على سلوكها ورد فعلها.

لقد تفضل حضرة صاحب العزة دولة رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزوري فيما يشبه المن علينا – للمرة الاولى في التاريخ المصري الاسود - واعلن انه يتحمل المسئولية "السياسية" عما حدث. أما المسئولية الجنائية فلا شك يتحملها نزلاء طرة وهو الامر الذي لم يتطرق اليه رئيس الوزراء. والمسئولية الاخلاقية ربما يعهد بها سعادته الى وكالة المخابرات الامريكية او الموساد الاسرائيلي واذا لم يرغب أي منهما في تحملها فليوسدها ضمائرنا الموجوعة ويستريح.

الشيء الاهم والاخطر هو ان حضرة صاحب العزة لا يدرك – بسبب رسوخه في نظام المخلوع - ان اعلان تحمله المسؤولية يستتبع بالضرورة تقديم استقالته بل ان اعلان تحمل المسئولية – كما تعودنا في الدول المتحضرة – يكون متضمنا في خطاب الاستقالة. والاستقالة في هذه الحالة تكون بمثابة الاستعداد لمثوله امام القضاء لتبرئة صفحته. أما ان يمن علينا باعلان تحمل المسؤولية وهو في منصبه فهو امر للاسف لم اسمع به من قبل ولعله من الابداعات السياسة للثورة. لا يجوز يا سيدي ان تعلن مسئوليتك وانت "مكلبش" في الكرسي بيديك واسنانك.

رد فعل المشير طنطاوي الذي يفترض انه الزعيم الفعلي للبلاد كان اسوأ من رد الجنزوري حيث قال ببساطة "الشعب ساكت عليهم ليه؟" ودعانا طنطاوي الى المشاركة. لا ادري حقيقة أي مشاركة يقصد، فهل هي دعوة للحرب الاهلية. لان معنى تلبية نداء المشير بالمشاركة هي ان يحمل ابناء القاهرة الاسلحة ويتوجهوا الى محافظة بور سعيد لسحقها. هذا كلام لا اتوقع ان عاقلا يمكن ان يقوله في موقف كذلك. انها دعوة صريحة للحرب الاهلية وصرف الاذهان عن الجناة الحقيقيين.

هل الشعب هو الذي يسمك بزمام الامور الان ام طنطاوي؟ هل الشعب هو القادر على ممارسة السلطة التنفيذية والمدجج بالاسلحة ام المجلس العسكري والشرطة التي يقودها؟.

صحيح ان حادث مثل ذلك "لن يوقع مصر" كما قال المشير ولكنه يكفي ان يوقع حكومة ومجلسا مثل مجلسه في أي دولة متحضرة. الا يعرف المشير ان حكومة اوروبية استقالت لان اهمالها تسبب في مقتل عدد من اللاجئين غير الشرعيين من ابناء العالم الثالث بعد نشوب حريق في مكان احتجازهم.

واذا قلنا ان طنطاوي والجنزوري هما من فلول النظام، فمجلس الشعب الجديد يستحيل وصفه بهذه الصفة. ومثل هذا الحادث الاليم يمثل اهم وابرز اختبار له ولو كان المجلس اجتازه بنجاح لكان ذلك دلالة على ان الاوضاع ستستقر في مصر لان أي استقرار للاوضاع في مصر مرتبط الى حد كبير - بل يكاد يكون متوقفا فحسب على شيء واحد - هو ممارسة مجلس الشعب لكامل سلطاته.

ولكن بدلا من ان يتخذ المجلس قرارا فوريا بسحب الثقة من الحكومة واحالة وزير الداخلية وكبار معاونيه لمحكمة جنائية عاجلة، كان كل ما تمخض عنه تحركه هو الموافقة على اتهام وزير الداخلية بالتقصير.

ليس هذا هو مجلس الشعب الذي انتخبه المصريون وليس هذا هو المجلس الذي سيحقق مطالب الثورة. اننا لا نتوقع من مجلس يستهين بمثل تلك الاحداث الخطيرة ويتعامل معها بمنطق تعامله مع حادث عادي ان يحقق أي نجاح. واذا كان الاستهتار بحياة البشر هي احدى ملامح عهد مبارك، فان الاكتفاء باقالة المسئولين عن القتل وعدم تقديمهم لمحاكمة جنائية عاجلة هو تكريس لهذه السياسة.

الشعب ليس في حاجة الى مجلس يقف دقيقة حدادا كل جلسة على ارواح الشهداء او يذرف الدموع السخية عليهم او يقر صرف تعويضات لهم او ما اليها من المهام الروتينية. الشعب في حاجة الى مجلس يتخذ خطوات حاسمة وجازمة لمحاسبة المسئولين عن الدماء التي اريقت منذ بدء ثورة المصريين على نظام مبارك وتطهير مؤسسات الدولة من اعداء الشعب الذين لوثت ايديهم بدماء ابنائه واتخاذ اجراءات حاسمة لجعل الناس يشعرون بالامن في حياتهم ومعاشهم. الشعب يرفض ان تكون مصالحه رهينة لصفقات تقسيم كعكة السلطة.