الصفحات

الجمعة، فبراير 03، 2012






مؤسسات الدولة: الى متى تظل تائهة؟

رد فعل مؤسسات الدولة على كارثة مقتل اكثر من 70 شابا مصريا في بورسعيد يكشف اننا مازلنا نعيش في عهد مبارك وان طرق التفكير المباركية مازالت هي المهيمنة لدينا. ولو درسنا المواقف بتمعن لتبينا ان الوحيد الذي خرج من الموقف فائزا هم الحشرات الذين دبروا للجريمة. اما مؤسسات الدولة فقد هيمن التخبط والعشوائية على سلوكها ورد فعلها.

لقد تفضل حضرة صاحب العزة دولة رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزوري فيما يشبه المن علينا – للمرة الاولى في التاريخ المصري الاسود - واعلن انه يتحمل المسئولية "السياسية" عما حدث. أما المسئولية الجنائية فلا شك يتحملها نزلاء طرة وهو الامر الذي لم يتطرق اليه رئيس الوزراء. والمسئولية الاخلاقية ربما يعهد بها سعادته الى وكالة المخابرات الامريكية او الموساد الاسرائيلي واذا لم يرغب أي منهما في تحملها فليوسدها ضمائرنا الموجوعة ويستريح.

الشيء الاهم والاخطر هو ان حضرة صاحب العزة لا يدرك – بسبب رسوخه في نظام المخلوع - ان اعلان تحمله المسؤولية يستتبع بالضرورة تقديم استقالته بل ان اعلان تحمل المسئولية – كما تعودنا في الدول المتحضرة – يكون متضمنا في خطاب الاستقالة. والاستقالة في هذه الحالة تكون بمثابة الاستعداد لمثوله امام القضاء لتبرئة صفحته. أما ان يمن علينا باعلان تحمل المسؤولية وهو في منصبه فهو امر للاسف لم اسمع به من قبل ولعله من الابداعات السياسة للثورة. لا يجوز يا سيدي ان تعلن مسئوليتك وانت "مكلبش" في الكرسي بيديك واسنانك.

رد فعل المشير طنطاوي الذي يفترض انه الزعيم الفعلي للبلاد كان اسوأ من رد الجنزوري حيث قال ببساطة "الشعب ساكت عليهم ليه؟" ودعانا طنطاوي الى المشاركة. لا ادري حقيقة أي مشاركة يقصد، فهل هي دعوة للحرب الاهلية. لان معنى تلبية نداء المشير بالمشاركة هي ان يحمل ابناء القاهرة الاسلحة ويتوجهوا الى محافظة بور سعيد لسحقها. هذا كلام لا اتوقع ان عاقلا يمكن ان يقوله في موقف كذلك. انها دعوة صريحة للحرب الاهلية وصرف الاذهان عن الجناة الحقيقيين.

هل الشعب هو الذي يسمك بزمام الامور الان ام طنطاوي؟ هل الشعب هو القادر على ممارسة السلطة التنفيذية والمدجج بالاسلحة ام المجلس العسكري والشرطة التي يقودها؟.

صحيح ان حادث مثل ذلك "لن يوقع مصر" كما قال المشير ولكنه يكفي ان يوقع حكومة ومجلسا مثل مجلسه في أي دولة متحضرة. الا يعرف المشير ان حكومة اوروبية استقالت لان اهمالها تسبب في مقتل عدد من اللاجئين غير الشرعيين من ابناء العالم الثالث بعد نشوب حريق في مكان احتجازهم.

واذا قلنا ان طنطاوي والجنزوري هما من فلول النظام، فمجلس الشعب الجديد يستحيل وصفه بهذه الصفة. ومثل هذا الحادث الاليم يمثل اهم وابرز اختبار له ولو كان المجلس اجتازه بنجاح لكان ذلك دلالة على ان الاوضاع ستستقر في مصر لان أي استقرار للاوضاع في مصر مرتبط الى حد كبير - بل يكاد يكون متوقفا فحسب على شيء واحد - هو ممارسة مجلس الشعب لكامل سلطاته.

ولكن بدلا من ان يتخذ المجلس قرارا فوريا بسحب الثقة من الحكومة واحالة وزير الداخلية وكبار معاونيه لمحكمة جنائية عاجلة، كان كل ما تمخض عنه تحركه هو الموافقة على اتهام وزير الداخلية بالتقصير.

ليس هذا هو مجلس الشعب الذي انتخبه المصريون وليس هذا هو المجلس الذي سيحقق مطالب الثورة. اننا لا نتوقع من مجلس يستهين بمثل تلك الاحداث الخطيرة ويتعامل معها بمنطق تعامله مع حادث عادي ان يحقق أي نجاح. واذا كان الاستهتار بحياة البشر هي احدى ملامح عهد مبارك، فان الاكتفاء باقالة المسئولين عن القتل وعدم تقديمهم لمحاكمة جنائية عاجلة هو تكريس لهذه السياسة.

الشعب ليس في حاجة الى مجلس يقف دقيقة حدادا كل جلسة على ارواح الشهداء او يذرف الدموع السخية عليهم او يقر صرف تعويضات لهم او ما اليها من المهام الروتينية. الشعب في حاجة الى مجلس يتخذ خطوات حاسمة وجازمة لمحاسبة المسئولين عن الدماء التي اريقت منذ بدء ثورة المصريين على نظام مبارك وتطهير مؤسسات الدولة من اعداء الشعب الذين لوثت ايديهم بدماء ابنائه واتخاذ اجراءات حاسمة لجعل الناس يشعرون بالامن في حياتهم ومعاشهم. الشعب يرفض ان تكون مصالحه رهينة لصفقات تقسيم كعكة السلطة.



ليست هناك تعليقات: