الصفحات

الأربعاء، يوليو 11، 2012

سارة تتوقف عن كتابة مذكراتها


يارا وسارة في فبراير 2006
سارا ابنتي الصغرى هي اول شخصية في الاسرة تكتب مذكراتها وهي اول شخصية تختتم شهادتها على العصر خلال اشهر قليلة. وكان الامر مفاجأة بالنسبة لي، فليس من المعتاد في اسرتنا ان يكتب احد مذكراته ولا حتى يرد ذكر للامر فليس في الاسرة شخصيات سياسية مبرزة ولا خطباء مفوهين او حتى أي شخصيات عامة يمكن ان يكون لمذكراتها قيمة حتى عند نفسها ناهيك عن ان تكون كذلك عند الاخرين، بحيث يسعون الى قراءتها.

والواقع ان سارة كانت دوما – وما زالت الى حد ما – تمثل مشكلة في تعليمها. فعندما بدأنا ندرس لها الحروف الهجائية قبل الالتحاق بالحضانة كانت تجلس امام الكراسة وتسترسل في ندب سوء حظها: "معقولة يا (سورسور) ها تكتبي كل دا. ازاي بنت صغيرة تكتب صفحة كلها ألف وصفحة كلها باء في يوم واحد". وظللنا نعمل معها على مضض لكي تعرف حتى الحروف الهجائية بالعربية والانجليزية وتعرف الارقام من 1 الى 10 قبل دخول الحضانة. ولكنها كانت تنسى بسرعة ويحتاج الامر الى البداية من جديد. وبدأت زوجتي تلمح من بعيد الى تأثير الوراثة وراحت تستجوبني كيف كانت اوضاعي الدراسية في الابتدائية. فقلت – عن صدق – ان المدرسين كانوا ياخذوني وانا في الصف الاول الابتدائي لاحل اسئلة لاطفال الصف الثاني والثالث الابتدائي وانني كنت دوما من الاوائل. واعلنت هي ان ذلك امر مستحيل التصديق لان اوضاعي الحالية لا تشير ابدا الى ذلك.
اكتوبر 2006

انقذتنا من الامر خالة سارة التي قالت اننا ليس لنا أي خبرة في التدريس ولا نعرف اصول التربية الحديثة أما هي بما توفر لها من اطلاع على اساليب التربية فيمكنها ان تحل مشاكل سارة بسهولة. وقالت دعوها لي انا اعرف كيف اعلمها. والواقع اننا تنفسنا الصعداء ورحبنا بالأمر. وقلت انا ان الامر سوف يستغرق اسبوع او اسبوعين على الاكثر قبل ان تعتذر عن المهمة الصعبة وتتنحى، ولكن لدهشتنا لم يحدث شيء من ذلك. بل ان سارة بدأت في كي.جي1 تقرأ اسماء المحلات في الشارع ولم نصدق انفسنا. وفي كي جي 2 دهشنا انها اصبحت تقرأ كتبها الدراسية بصورة طبيعية وان كانت في الانجليزية افضل من العربي والرياضة.

وفي الصيف التالي بعد ان انهت دراسة الصف الاول الابتدائي بدأت تكتب مذكراتها. والواقع ان مذكراتها ظلت سرية لا يعرف بها احد الى ان شهدت صراعا بينها وبين شقيقتها يارا التي تكبرها بعام وبضعة اشهر وتسبقها في الدراسة بعام – على شيء صغير لم اتبينه. كانت يارا تضحك في حين استماتت يدا سارة على الشيء الصغير وهي تقول لها "سيبي الكراسة". وتدخلت لفض النزاع وصادرت منهما اجندة صغيرة اقل من حجم نصف كف اليد، عثرت عليها بالصدفة مؤخرا في احدى حافظات الاسطوانات لدى. كانت يارا تضحك لانها اكتشفت اخطاء كثيرة في الكراسة الصغيرة التي عثرت عليها في درج سارة ولكن يبدو ان سارة لم تكن سعيدة حتى باكتشاف كراستها.

بدأت اتصفح الكراسة لاكتشف اغرب مذكرات قرأتها في حياتي لاصغر كاتبة مذكرات عرفتها.

وبدأت سارة الكتابة في كراستها الصغيرة من الشمال لليمين مثلما تكتب في كراسة اللغة الانجليزية ولكن يبدو انها لم تلتزم بذلك. ويبدو انها كانت تفتح الكراسة وتكتب دون ان تعبأ بترتيب الصفحات ويمكن ان تترك صفحات كثيرة خالية ويبدو انها كانت تفتح كراستها كيفما اتفق. وكل مذكرات سارا تقريبا تدور حول شئونها الخاصة وعروستها وعلاقتها بنا وبشقيقتها.
نوفمبر 2006

وهي عندما تقول اليوم لا يعرف القاريء أي يوم تقصد فليس هناك تاريخ لموقع هذا اليوم من العام او الشهر او حتى التاريخ الانساني كله ولا حتى تحديد لليوم ان كان يوم السبت او الاحد. انه أي يوم وكل يوم تقريبا. ولكنها حريصة جدا على كتابة عبارة (انتهت مذكرة سارة) في نهاية كل صفحة. واعتقد انها ربما كانت تقصد "مذكرات".

وتقول في احدى الصفحات:

            اليوم ذهبت اختى
            الى طبيب الاسنان
            كانت خائفة أليست
            هبلة جدن (جدا)
            اصابت جرح في الدرس
            وطقول (تقول) موئلم وهو
            بسيت (بسيط)
            انتهت مذكرة سارة


وتذكرني هذه الكتابة بكتابة نوسترادموس الكاهن الفرنسي في القرن الخامس عشر الذي يحتاج تفسير ما تركه لنا الى فك طلاسم صعبة.
يونيو 2012

وفي يوم اخر تقول عني ويبدو ان ذلك كان في رمضان وكانت سارة ويارا تجربان الصيام بضعة ايام في رمضان وكانت التجربة تسفر في ايام قليلة جدا عن الاستمرار الى المغرب.  

            


            اليوم كل شوية
            بابا يئولي إلبت سارة
            صامت صامت زعئتلو
            بطل يئول كدة
            انتهت مذكرة سارة

وتقول في صفحة اخرى :

            اليوم حميت سنثية (عروستها)
معي كان هذا ممتعن
لقد إمتلأت سنثية
بصبون (بالصابون) وشطفتها
انتهت مذكرة سارة

وعندما تزورنا بنت الجيران الصغيرة مع جدتها تعمد سارة الى اخفاء كل لعبها تحت السرير او المقاعد ولا تترك منها ظاهرا الا اصغرها واقلها شأنا عندها. وتظل متوترة الى ان تذهب الضيفة الصغيرة وقد اخذت بعض لعبها غير الهامة ثم تقول بانتصار "خادت العروسة الى رجلها ضايعة. انا مش عاوزاها" ثم تشرع في اخراج لعبها من المخبأ.

وفي يوم اخر تعلق على ممتلكاتها قائلة

أنا عندي درجين
واحد مليان لعب
وواحد مليان كتب
والدرج الفي لعب بحب  
            الألعاب الفي درجي شوية
            انتهت مذكرة سارة
النهاية

وكلمة النهاية هنا معناها انتهاء الكراسة فهذه اخر صفحة وقد عادت الى اعتبار الكتابة تبدأ من اليمين الى الشمال مرة اخرى.

وتقول تعليقا على دأبها على استخدام فرشاة الاسنان

            اليوم طلع لأختي
دم في اسنانهة (اسنانها)
لأنهة لم تخسلهة (تغسلها)
جيدا (جيدا هنا بالالف) أنا كنت
أغخسلهة جيدا
انتهت مذكرة سارة


وتقول عن يوم العيد

اليوم عيد سعيد
إنة أجمل يوم في حياتي
كلمة اليوم ماما أعطتني
5 (كتبت بالانجليزية) جنية (جنية وليست جنيه)
وبابا أعطاني خمستان جنية
أنتهت مذكرة سارة

ويبدو انها شعرت ان كلمة (خمستان) هي الصحيحة لانها تبدو فصحى لعدم استعمالها كثيرا في العامية.

وفي احد الأيام تقول ويبدو ان هذا كان في بداية العام
الدراسي

اليوم اسعد يوم في حياتي
هتنزل المدرسة في سنة
تانية
إنتهت مذكرة سارة

ولم يعرف احد لماذا كتبت سارة مذكراتها ولا لماذا توقفت. ولكن من الواضح انها ربما رأت احدى الشخصيات الكرتونية التي تفعل ذلك فقلدتها. فهي تعيش في التلفزيون اكثر مما تعيش في الواقع وتتحدث العربية الفصحى كثيرا ولكنها لا تكتبها ليس لانها تقرأ او تحب القراءة بل لان الكثير من قنوات الكرتون العربية تقوم بترجمة الافلام الى اللغة العربية الفصحى وليس الى اللهجات المحلية وربما كانت هذه واحدة من حسناتها. وفي ايام الثورة استخدمت شعاراتها في رفض الطعام وفوجئنا بها تصيح "يسقط الرز والبسلة". وهي تحتاج الى مجهود كبير واحيانا استخدام الترهيب والترغيب والرشوة لكي تتناول طعامها. 


في بداية العام الدراسي التالي اثناء شرائي للادوات المدرسية وكانت سارة ستبدأ دراستها في الصف الثاني الابتدائي اشتريت مذكرتين صغيرتين لهما غلاف فاخر واعطيت واحدة لسارة والاخرى ليارا وقلت لهما "اكتبوا مذكراتكم هنا" واخذتا مني المذكرتين دون ان تبديا اهتماما ورمقني سارة في صمت ووضعتها في مكتبها دون ان تبدي أي مشاعر.

وبدأت بعد بضعة ايام افتح درجيهما خلسة واطالع الاجندات الصغيرة. ولكنها كانت خالية من أي شيء. وفي يوم قلت لسارة "انت ليه ما تكتبيش مذكراتك ياسارة"؟.
فقالت في سخط: "انا باذاكر ومش فاضية للكلام الفاضي دا". رغم انها تخصص اكثر من 90 في المئة من الوقت اما للعب على الكمبيوتر او مشاهدة التلفزيون. وخلافا للاجيال على عهدنا لا يوجد لدى يارا وسارة رغبة في القراءة او اهتمام بالكتب واول ما يشغلهما في المجلة مثلا هو حل الاختلاف بين الاشكال وقراءة النكت والفوازير والكرتون والمرة الوحيدة الذي قرأت فيه سارة موضوعا عن كيفية ابعاد سمكة القرش عندما تقترب من شخص في المياه، جعلت منه امتحانا للاسرة كلها ولم تكن تبخل بمعلوماتها عندما يبدي لها الممتحن جهله. وحتى عندما اقرأ لهما قصة في مجلة مثلا يحتج الاثنان ويطالبان باستخدام اللهجة العامية "يابابا ما تقولش بالعربية قول باللغة بتاعتنا". واحاول ان اشرح لهما ان العامية مشتقة من العربية دون جدوى. وفي يوم قالت لي يارا وهي تتفرج على مسلسل كرتون كويتي اعتقد انه اسمه ام خماس او شيء من هذا القبيل "هما بيتكلموا صعيدي يابابا؟".

وبعد فترة صغيرة اختفت الاجندتين دون ان اعثر لهما على اثر فلم اسألهما عنهما مرة اخرى.

اما ان سارة توقفت تماما عن كتابة المذكرات فليس لانها شعرت انها انهت تسجيل شهادتها على العصر قبل ان تصل الى السابعة بل السبب هو انها وجدتني مهتما بالامر. وانا بالذات في حالة من العداء الشديد معها- على الاقل من جانبها. فرغم ان علاقتنا لا تخلو من بعض الدفء الموجود عادة بين الاباء واولادهم، الا ان تنافسنا انا من جانب وهي ويارا من جانب اخر على الاشياء المشتركة في المنزل يجعلها تقف مني على الدوام موقفا متشككا. فنحن في حالة صراع دائم تقريبا على الكمبيوتر والتلفزيون. فليس من حقي مثلا ان اتفرج على الجزيرة لان افلام الكرتون لها الاولوية. ونفس الامر ينطبق على الكمبيوتر. واحيانا اكون عائدا الى المنزل فاجدهما جالستان على الكمبيوتر وبمجرد ان ادخل الغرفة تعلنان في صوت واحد "مش ها نقوم".

وهما في العادة لا تجلسان الى الكمبيوتر لتعلم الانجليزية او أي شيء بل لتلعبان العاب غريبة مثل تسريح شعر البنات والباسهن او الطبخ بنقل ادوات المطبخ بالفارة او تأتيان بضفدعة تتقافز بين مستنقعات.

في البداية لم تكونا تعرفان في الانترنت سوى موقع اسمه starfall لتعليم الانجليزية
ووضعته في المفضلة وشرحت لهما كيف تصلان اليه. ولكنهما صادقتا بنات الجيران وهم اكبر منهما قليلا وعرفتا منهم كيف تفتحان جوجل وتكتبان العاب بنات او games . وحتى استطيع ان ابعدهما عن جهاز الكمبيوتر واستحوذ عليه لنفسي قليلا كنت اتعلل بانني احتاجه للعمل والعمل اهم من اللعب. ولكني الاحظ بعد قليل ان سارة تقترب من الجهاز وتحدق في الشاشة وتصيح في غضب: "هو المصري اليوم دا شغل؟ انت قلت نص ساعة بس". وانهض من على الجهاز لانقطاع الانترنت وتجلس هي مكاني ولكنها تفاجأ بالأمر فتصيح في غضب: "بابا خلص الانترنت كلها".

ويعود اهتمام سارة بالكراسة الصغيرة على ما ارجح الى انها كانت هدية من سلمى ابنة خالتها التي تكبرها بنحو ثلاثة اعوام والتي اعتادت سارة ان تلعب معها عندما تذهب الى بنها لاداء الامتحانات بعد ان نجحنا في نقل شقيقتها الى القاهرة وتعثر نقلها هي الى ان رفعنا دعوى امام محكمة القضاء الاداري. واذا ما ذهبت سارة الى بنها تتبناها سلمى وتتيح لها اللعب بكل العابها الى لحظات رحيلها الى القاهرة فتعطيها بعض الهدايا التي تسعد بها سارة اكثر من أي شيء اخر. وظلت تلبس خاتما كان هدية من سلمى الى ان عانينا في خلعه من اصبعها. وكانت الكراسة الصغيرة واحدة من هذه الهدايا وربما فكرت سارة في استخدامها على هذا النحو حبا لسلمى وليس اهتماما بكتابة مذكراتها.

وسارة ستلتحق بالصف الرابع في العام الدراسي القادم واثناء الانتخابات عبرت عن رغبتها في ان ننتخب انا وامها رئيسا يلغي الامتحانات كلها. 

الثلاثاء، يوليو 10، 2012

مصر التعيسة الى أين تسير؟


ابو الهول

مصر دولة عظيمة وفريدة  في عظمتها  فهي الدولة الوحيدة التي يوجد بها ثلاثة اهرمات كبرى وابو الهول واحد، وهي الدولة الوحيدة من دول الربيع العربي التي اطاحت بالرئيس الطاغية خلال 18 يوما ليرثه اعوانه، وهي الدولة الوحيدة التي يوجد بها رئيسان احدهما مدني والاخر عسكري، وهي الدولة الوحيدة التي ينقسم فيها فقهاء الدستور حول قضايا من المفترض ان يكون هناك توافق كبير في الاراء حولها، وهي الدولة الوحيدة التي تفرغ شعبها وقادتها تماما للسياسة والعمل السياسي والجدل السياسي ونسوا أو تناسوا ان يسندوا مهمة اطعامهم والقيام على احتياجاتهم الى أي دولة اخرى، واعتبروا ان الثورة اذا قامت فان المد الثوري والضجيج الثوري يجب ان يستمر الى ان تقوم الساعة.

لقد قام مرسي بتحرك غريب بعد نحو اسبوع من توليه السلطة باعادة البرلمان الذي الغت وجوده المحكمة الدستورية العليا. ومهما كان رأينا في قرار المحكمة كونه مسيسا من عدمه، ومهما كان الرأي في هوية اعضائها ما كان للرئيس ان يظهر بمظهر التعدي على القانون وعلى قرارات اكبر محكمة في البلاد. 
 
لم يجن مرسي من القرار سوى زيادة استعداء القضاء المعادي بالفعل للاخوان كما انه فقد بعض الدعم في الشارع بعد ان ارتفعت اسهمه كثيرا في اعقاب انتخابه والايحاء الصادق بانه سيكون رئيسا من الشعب.

غير ان معضلة مرسي انه ربما يعاني في الفصل الدقيق بين كونه رئيسا لشباب الاخوان وكونه رئيسا للشعب كله وثانيا الفصل بين منصبه في رئاسة الجمهورية وكونه امتدادا لجماعة سياسية لها ايدليوجيتها الخاصة.

 وفي هذا العالم العاصف المثقل بغيوم الصراع السياسي الذي يلوح في الافق تعتبر مصالح الشعب غائبة او مغيبة او على افضل تقدير مؤجلة الى اجل غير مسمى. ويبدو ان الاخوان – دون وعي منهم – يساعدون المجلس العسكري والقوى الاخرى التي تتربص بهم، في التعجيل بالتخلص منهم.

التغيير لا يحدث بين يوم وليلة بل يحتاج الى العمل الدءوب والمثابرة وملء الفجوات وتلمس مواطن الخلل واصلاحها. والاخوان الذين ظلوا ما يقارب القرن يعانون الامرين في سعيهم الحثيث الى السلطة اولى بهم ان يصبروا قليلا ويتأسوا بحزب العدالة والتنمية في تركيا. هل كان يستطيع حزب العدالة والتنمية تحجيم الجيش والحد من تدخله في الشؤون السياسة دون ان يحظى بدعم موسع من الشعب نتيجة ما حققه من تنمية اقتصادية ورفاهية.

المصريون يشعرون بالقلق والخوف من المستقبل وهو نفس الخوف الذي عصف بهم منذ قيام الثورة حتى الان مضافا اليه عدم الشعور بالطمأنينة الى الغد، وهو الامر الذي كانوا يعتقدون انه سينتهي بانتخاب الرئيس. ولكن يبدو ان مصر بلد تعيسة جدا..تعيسة بابنائها..تعيسة بقادتها..تعيسة بكل شيء، ولكن الشيء الثابت ان ابو الهول الذي يشهد مآسيها وملاهيها عبر الاجيال ربما يخرج عن رشده يوما ما ويتكلم.   

الثلاثاء، يوليو 03، 2012

الصراع السياسي بين الواقع والمسرح





كيف سيكون شكل الصراع القادم بين المجلس العسكري والرئيس؟. هل سيكون هذا الصراع شد وجذب من تحت المائدة ام انه سيكون علنيا وسافرا؟.  العسكر من الواضح ليست لديهم رغبة في تقديم أي تنازلات بل كانت التنازلات التي رأيناها خلال الايام الاخيرة كانت من جانب الرئيس وان سعى الى تجميلها واظهارها بمظهر الحلول الوسط لكي يرضي جميع الفئات المتعارضة. وتبدى ذلك واضحا في اعلان المجلس العسكري انه سيعلن منصب الرئيس شاغرا مالم ينصاع لما يقضي به الاعلان الدستوري المكمل ويؤدي اليمين امام المحكمة الدستورية العليا. ودفع ذلك الرئيس الى ان يؤدي القسم ثلاث مرات مرة في ميدان التحرير ومرة اخرى في المحكمة الدستورية ومرة ثالثة في الاحتفال الذي اقيم في جامعة القاهرة.

العسكر يقومون بدور المماليك التقليدي في الدولة المصرية في عصور ما قبل الدولة الحديثة حيث الاحتفاظ بالامتيازات الكبيرة مقابل الدفاع عن الدولة ضد أي اعتداء خارجي. وهم حريصون حرصا كبير على الا يتم أي اقتراب من سلطاتهم وما يعتبرونه من المحرمات مثل اقتصادهم الذي يقال انه يتراوح بين 30 الى 40 في المئة من اقتصاد الدولة.

ومن شأن التوتر بين الرئيس المدني والعسكر ان يجعل ادارة الدولة غير سلسة ويمكن ان يؤثر بصفة خاصة على الاقتصاد رغم ان مصر في حاجة شديدة الى تحقيق تنمية كبيرة وتعويض نحو عام ونصف تعطل فيها الانتاج في اكثر مرافق الدولة تقريبا وتعرضت لخسارة اقتصادية كبيرة. البورصة ليست مؤشر على الانتعاش الاقتصادي على المدى الطويل لان البيع والشراء من خلالها يمكن ان يتم خلال ساعات. ولكن الاهم والاكثر وضوحا سيكون هو تدفق رأسمال كبير واستثماره في مشاريع صناعية تحمل صفة الرسوخ والثبات والاستثمار على المدى الطويل.

لو تمت ادارة الصراع بتقديم بعد التنازلات من الطرفين وظل محجوبا عن العلن سيكون ذلك مؤشر طيب على تقديم مصلحة الدولة والشعب على المصالح الفئوية والحزبية الضيقة ويمكن ان تسير مصر سيرا حثيثا الى ان يتم نقل السلطات كاملة الى الرئيس بعد ان يبني مؤسسات الدولة وتبدأ القيام بعملها على الوجه الأكمل.

هناك الكثير من الشائعات عن رغبة الحرية والعدالة في تكليف البرادعي بتشكيل الحكومة. وربما كانت هذه افضل واهم الخطوات التي يمكن ان يتخذها الاخوان لان البرادعي هو شخصية دولية عليها اجماع في الداخل والخارج وسيكسب اختياره الاخوان مصداقية كبيرة يفتقدونها في الواقع لانه ليس منهم بل هو شخصية اقرب الى التيارات الليبرالية والعلمانية كما انه من الشخصيات المقربة من كل الفئات الثورية.

لقد سعى البرادعي بين المجلس العسكري والاخوان مؤخرا لحل بعض الازمات مما يكشف ان الرجل لديه قدر من المرونة وعدم التصلب. وفي ضوء الحملة التي يشنها بعض الاعلاميين الذين تستخدمهم ربما جهات مشبوهة كانت اشبه بالقطط الاليفة في عهد الطاغية، يكتسب اختيار البرادعي للمهمة اهمية خاصة لته سيبعد عنهم تهمة الرغبة في الاستئثار بالسلطة. 


مسرحية "هبوط آمن" هي مسرحية كوميدية تقوم على فرضية عودة مبارك الى السلطة في عام 2014 والصراع بينه وبين المجلس العسكري ورغبته الازلية في تعيين جمال خلفا له. ولكن انماط الصراع بين رئيس مدني والمجلس من المؤكد ستكون مختلفة لاختلاف المعطيات والمتغيرات.



الاثنين، يوليو 02، 2012






استقطروا احلامكم قبل ان تستيقظوا على الصدمة

منذ سنوات قرأت قصة قصيرة لكاتب امريكي لا اذكر اسمه ولا حتى اذكر عنوان القصة، ولكنها علقت بذهني مثل كل الاشياء الجميلة التي قد يقع عليها المرء بالصدفة. وتروي القصة حكاية سائق قطار أمريكي كان يمر في طريقه على منزل صغير وجميل وانيق كانت تخرج من نافذته امرأة شابة تلوح له بمنديلها كلما مر. ثم اصبحت المرأة تقف والى جانبها طفلة صغيرة. وتتابع مرور القطار وتتابعت الايام ونمت الطفلة واصبحت امرأة مكتملة الانوثة تقف الى جانب أمها وتلوحان له في غدوه ورواحه.

وتقاعد الرجل من عمله واراد ان يزور السيدتين. ولكنه عندما اقترب منهما لم ير نفس الصورة التي كان يراها وهو مار بقطاره أي الصورة التي رسمها في مخيلته لهما، ولا هما رحبتا به بل استقلبتاه في فتور وبرود وكأنهما تقولان له ما الذي اتى بك؟.

واحيانا ما تكون الصور التي نختزنها في خيالنا عن الكثير من الاشياء افضل بكثير من الواقع. وهو الدرس الذي تعلمناه من الربيع العربي بصفة عامة ومما يحدث في مصر بصفة خاصة.  من منا لم يحلم بثورة تخلصنا من مبارك في مصر وامثاله في المنطقة العربية كلها؟. ولكن الدم الذي اريق ويراق يجعلنا نفكر. ألم يكن الحلم الجميل الذي احتضناه بخيالنا على مدى عقود افضل بكثير من هذا الواقع الذي نراه؟.

في مصر عاش المصريون حلما جميلا بدأ في يوم اندلاع الثورة واستمر حتى يومنا هذا. صحيح كانت هناك الكثير من المنغصات والدماء التي اريقت مرات عديدة دون ضرورة، ولكن المصريين مازالوا يلملمون بقايا احلامهم وينفخون في الجمر الذي اوشك ان يخبو ويتحول الى رماد.

غير ان الصدمة الكبيرة، صدمة اليقظة الكاملة، لم تأت بعد. الصدمة التي تم التمهيد لها من زمن بعيد حتى لا تكون اليقظة من الحلم كارثة وانما يتقبلها المرء باحساس باهت بين اللامبالاة والقلق، مثل الشخص الذي يفيق من غيبوبة بعد زمن، قد تصفعنا قريبا. ولكنها في حالتنا لم تكن غيبوبة فقط بل كانت كابوسا مريعا. وتم التمهيد بحرفية عالية وبمهارة بحيث يقنع الشعب من غنيمة الثورة بالاياب الى عالم ما قبل الثورة ويحلم بان تكون عودة كل شيء والوهم بالتدفق المصطنع والطيب للحياة، هو اقصى امانيه.

اما الصدمة فسيحين موعدها عندما يقف رئيس لجنة الانتخابات الرئاسية التي اضفى عليها الاعلان الدستوري عصمة الانبياء ليعلن علينا عودة احد الوجوه القديمة من النظام البائد لتصدر الحكم في مصر. وكل التمهيد السابق على مدى اكثر من عام قصد منه الا يشعر الناس بالصدمة كما هي في الواقع بل بانها في اسوأ الاحوال امر واقعي يتعين التعايش معه وفي افضلها سيتنفس كثير من الناس الصعداء لانهم خرجوا من النفق اللعين المسمى بالثورة الى الحياة، او ما يتوهمون انها الحياة، مرة اخرى.

المصريون اشبه بأطفال دخلوا حديقة ملاه في وسط الصحراء فظلوا يلعبون ويلهون ويجربون جميع الالعاب فيها متناسين ان هناك مافيا في الحديقة وان هناك اطفال يختفون من بينهم من ان لاخر. ولكن لان اللهو جميل واللعب مغر فقد ظلوا منشغلين بهما الى ان اطفئت الانوار في الحديقة واخرجوا منها عنوة في منتصف الليل ليواجهوا الصحراء المخيفة وزئير الرياح والاشباح التي تتحرك في الظلمة.

التاريخ في مصر لايسير الى الامام بل يدور في دوائر وحلقات مفرغة، تتشابك مع بعضها في لحظات التماثل والاستواء لتخرج لنا بصورة مكررة من الماضي، ومن هنا لا تكون الدهشة ولا المفاجأة بل القبول والتسليم بالواقع لان مصر في القرن الحادي والعشرين مازالت تعيش خارج اطار التاريخ العام للعصر.


السبت، يونيو 30، 2012

لماذا لا تستضيف مصر الاسد وتنهي معاناة الشعب السوري؟


عنان وخطته الفاشلة



بغض النظر عن رأينا في خطابات مرسي الثلاثة التي القاها خلال يومين متتاليين وما اذا كانت تفي بتوقعاتنا منه من عدمه، فان اهم ما ذكره مرسي اليوم في احتفال تسلمه السلطة في جامعة القاهرة هو تعليقه للمرة الاولى عن المجازر التي تحدث في سوريا.

في الواقع فهو يستحق التحية لانه اول مسؤول مصري يتحدث عن ذلك صراحة ويطالب بوقف نزيف الدم السوري. حتى وان تكن مصر في ظروفها الحالية ليست قادرة على تقديم او عمل اي شيء الا انه ليس من المعقول اذا اخذنا علاقتنا التاريخية بالشعب السوري في الاعتبار، ان تستمر مصر في تجاهل الامر عملا بمبدأ عدم التدخل في شؤون الغير. فالشعب السوري ليس ملكا للاسد ورثه مع الضيعة من ابيه ويحق له ان يتصرف فيه كما يحلو له.

ان عمليات القتل اليومية في سوريا لهي امر غريب في عصرنا هذا فهي حرب بكافة الاسلحة من حاكم غير شرع ي ضد شعبه. ولا يبدو ان مؤتمر جنيف لن يسفرعن أي تقدم ملموس باتجاه وقف نزيف الدماء بسبب تعنت روسيا والصين واصرارهما على عدم التدخل مما يوفر مزيدا من الوقت لابادة الشعب السوري على بكرة ابيه على يد الطاغية وجيشه ومجرميه وشبيحته.

ان النقاش حول تحقيق مصالحة في سوريا تتيح للاسد البقاء في السلطة او حتى في البلاد هو امر لا يبدو معقولا ولا مقبولا ولا منطقيا. كيف يمكن للاسد ان يعيش بين مواطنيه وكيف يمكنه ان ينظر في عيونهم وفي كل منزل لاجرامه ضحية. لا يجب ان تقبل المعارضة أي عروض للمصالحة الا بعد رحيله. عندئذ يمكن تحقيق المصالحة بين ابناء الشعب لبناء سوريا جديدة.

يمكننا ان نتخيل مشاعر الصغار والكبار في سوريا في القرى وفي احياء المدن عندما يواجهون القتلة وسفاكي الدماء ويجدون انفسهم تحت رحمتهم يتصرفون في حياتهم كما يحلو لهم او السكان الفزعين عندما يصم اذانهم دوي المدفعية التي يمكن ان تسقط احدى قذائفها على حجرتهم لينتهي خوفهم الى الابد وتتناثر اشلائهم مع بقايا الاثاث. ولكن ابن الاسد وريث رجل ادمن سفك الدماء ويبدو ان جينات الاجرام التي ورثها من ابيه لا تترك امامه خيارا اخر سوى السير على درب والده.

ان مصر يجب ان تعمل قدر الامكان لتخفيف معاناة الشعب السوري ويجب ان تطالب برحيل الاسد ولو كانت حتى ستضطر الى استضافته هو ونسله الشيطاني في مصر لنوقف نزيف الدم السوري. وكلما كان ذلك مبكرا كان افضل. ان انقاذ حياة شخص واحد لهو جدير بان نبذل من اجله الكثير فما بالنا وهذا المجرم يودي بحياة العشرات واحيانا المئات كل يوم. ليس ابشع على الانسان من ان يشعر بانه مضطهد ومعرض للقتل في وطنه الذي ولد به والذي يعد احب بقاع الارض الى نفسه، ولكن يبدو ان مثل هذه المشاعر ليست موجودة في عالم الاسود. 


الجمعة، يونيو 29، 2012

الاخوان المسلمون تلك النبتة الشيطانية




محمد مرسي



بعض المواطنين ربما لا يعرفون لماذا تأخر لقاء محمد مرسي الرئيس المصري المنتخب بوزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون وما جرى خلف الستار على مدى الايام الماضية هو شيء يندى له الجبين ويشير الى التردي الذي سقطت فيه دولة متحضرة من الطراز الاول عندما اسلمت مقودها لرئيس من الاخوان. وتفاصيل المعركة التي احتدمت بين الخارجية الامريكية والخارجية المصرية تمهيدا لهذا اللقاء الخطير والهام هو امر لابد ان يعرفه هؤلاء الذين ساقوا مصر الى هذا المصير الاسود. والواقع ان اللقاء يكتسب اهميته بكل ما اعتراه من تأخير ومساومة ليس من اهمية العلاقة بين البلدين بل من الشكليات السخيفة الخاصة بالاخوان الذين ستكشف الايام للمصريين أي خطأ ارتكبوه عندما اتوا بهم الى الحكم.

وفي البداية اعترض مرسي على ان يلتقي بكلينتون وهي سافرة الرأس فهذا امر لا يجوز وقبلت كلينتون ان تضع على رأسها غطاء رأس خفيف اشبه بالحجاب اثناء اجتماعها بمرسي. ولكن الاخوان اثاروا اعتراضا اخر. كيف سيصافحها مرسي وهي امرأة اجنبية لا تجوز له. وسعيا لتذليل العقبات وافقت كلينتون على ان تمسك بطرف غطاء الرأس وهي تصافح مرسي. لا احد يستطيع ان يلوم الامريكيين لما ابدوه من مرونة وتفهم لايديولوجية الاخوان الضيقة. ولكن الاخوان مالبثوا ان خرجوا بشيء غريب ونادر فكيف سيخاطب مرسي الوزيرة الامريكية باسم السيدة كلينتون في الوقت الذي يعرف ان ابيها ليس اسمه كلينتون بل هو اسم زوجها. وغضب الامريكيون وقالوا ان الاخوان لا يريدون اتمام اللقاء. وهنا تدخل المرشد واقترح ان يناديها مرسي باسم الحاجة ام شيلسي. وقبل الامريكيون الحل وستشرف سعادتها في منتصف الاسبوع المقبل.
كلينتون محجبة

هذا هو الموضوع الوحيد بصراحة الذي ظللت انقب عليه لكي اشارك به في مهرجان الهجوم على الاخوان حتى يقال انني رجل عصري ومتحضر حيث لم يترك لي الصحفيون والاعلاميون الأشاوس شيئا حتى غدوت اقول ما قاله الشاعر الجاهلي عنترة العبسي في معلقته الشهيرة:

هل غادر "الجرذان" من متردم     ام هل عرفت الدار بعد توهم

لم اشهد في حياتي هجوما على الاخوان كذلك الذي شهدته بعد فوز محمد مرسي على احمد شفيق مرشح نظام مبارك البائد بصورة تعطيك انطباعا ان المصريين ادمنوا العبودية كما لو كانت قد دخلت في صميم التركيبة الجينية لديهم. وهو امر يمثل اساءة كبيرة للشعب حيث يصور الاعلام المصريين دون وعي كما لو كانوا عبيدا لابد وان يساقوا كالانعام وعندما تأتيهم الحرية فانهم لا يقبلونها بل ويسارعون الى رفضها والتنصل منها.

غير ان الغريب ان أي عاقل يمكنه ان يدرك ببساطة ان هذا الاعلام لا يعكس ارادة الشعب بل هو قائم على نوع من الايجار والاستئجار والاستعمال (مثله الشقق المفروشة تماما) والاثارة التي لا تكشف فحسب عن انعدام المهنية بل ايضا انعدام الاخلاق والضمير واحتقار الذات.

الاخوان يصورون في الاعلام المصري كما لو كانوا شياطين هبطوا علينا من كوكب اخر وليسوا بشرا من دم ولحم يروحون ويغدون بيننا. انهم اناس اغتصبوا الرئاسة ولم يأتوا اليها عن طريق صناديق الاقتراع وسيحولون البلد الى مقر للخلافة العثمانية الجديدة وهم مصدر تهديد خطير للفنون والثقافة والعلوم بل والامن ولن يتركوا مصر تقريبا الا وهي خرابة ينعق فيها البوم والغربان. ومرسي في خطابه الاول لمن يتحدث عن الفنون ولا السينما ولا المسرح ولا حقوق الاطفال ولا حقوق الحيوانات مما يعني اننا نتجه الى عصور الظلام والجهل.

ويبدو الامر كما لو كان الاعلام العفن يمن على الرئيس بالمنصب لانه لم يأت عن طريق صناديق الافتراع بل جاء بمنحة من بعض الصحفيين والمذيعين المعوقين عقليا.

والصحف تحاول خلق حالة من الايهام الحقير بعكس ما هو موجود بالفعل فصحيفة الدستور اليوم تعلن ان القلق والخوف يسودان مصر بعد وصول الاخوان للسلطة. وهو عكس الواقع تماما فالمصريون يشعرون بارتياح كبير لانتخاب مرسي لانه اول رئيس اتي الى البلاد بارادتهم ولم يفرض عليهم فرضا كما كان الحال في السابق ويشعرون انه منهم وهم منه ويرون زوجته التي تشبه امهاتهم واحدة من نساء هذا الشعب وليست الهانم المتفرنجة ذات الاصول الاجنبية التي لم يكرهوا امرأة كما كرهوها.  

مذيعة ممصوصة مثل ورقة الجوافة المغلية التي يستخدم المصريون في الريف شرابها لدرء السعال والكحة خرجت لتستنكر على مرسي قوله في مخاطبة الشعب "اهلي وعشيرتي" وانكرت ان تكون سعادتها من اهله وعشيرته. والسؤال هل كانت تجرؤ ان تقول هذه الكلمة في عهد مبارك؟. هل كان يمكن ان تتجرأ وتقول لمبارك انا لست من المواطنين الذين تتوجه اليهم بخطابك؟.

صحيفة الفجر التي يطلق عليها الشباب على الانترنت "الفجر والعهر" بضم الفاء والعين خرجت لتصف موسى بانه الفاشي في عنوانها، وافادتنا – من فيض معلوماتها - ان الرجل من صناعة امن الدولة. ونحن بالطبع نصدق ان امن الدولة اتي بمرسي لان اجهزة الدولة كلها والحزب الوطني المنحل (الذي يقال انه انفق نحو ستة مليارات جنيه لدعم شفيق) كانا يسعيان لدعمه اثناء الحملة حتى اتوا به الى السلطة.

دعونا نتحدث بصراحة فالحملة على الاخوان ليست حرية تعبير عادية او حتى سفالة صحفية وعهر اعلامي، بل هي حملة موجهة للقضاء على رئاسة مرسي والارتداد بنظام الحكم الى العهود السابقة خاصة في ظل العسكر الذين يمثلون الركيزة الثابتة والمهيمنة لنظام مبارك العفن.

المصريون بكل فئاتهم سعداء للغاية بانتخاب مرسي وهي المرة الاولى التي يشعرون فيها ان تصويتهم كان حاسما في تحديد من سيحكمهم وهو اول رئيس يشعرون انه اتى الى الحكم بارادتهم ويتطلعون اليه لتحقيق امالهم والاستجابه لتطلعاتهم. ولكن قوى الشياطين تأبى الا ان تفسد فرحة الشعب وتحيلها الى مناحة.

اموال مصر المنهوبة

المصريون سئموا حكم شخصيات عفنة لا ضمير ولا اخلاق لها ولا احساس لديها بالشعب ولا احتياجاته ولا تطلعاته. الاخوان ربما يكونوا اصحاب ايديولوجية ولكنها على أي حال لا تكرس سرقة الشعب واستعباده وامتهانه. هل يعرف كثير من المصريين ان ثروة علاء وجمال نجلي الزعيم الملهم صاحب الضربة الجوية الاولى تبلغ خمسة وعشرين مليار دولار أي ضعف الاحتياطي الذي يمتلكه الشعب المصري المكون من حوالى 90 مليون نسمة؟. من الذي اتاح لهما جمع هذه الثروة الهائلة وعلى حساب من تم جمعها؟. نفايات الصحفيين لا يتحدثون عن ذلك بل يتحدثون عن تجاهل مرسي للفن في خطابه.

بالأمس خرج لاعب كرة لم اسمع به من قبل ليقول لنا ان الاخوان سيجعلونا نلعب الكرة بالجلاليب؟. هل هناك معنى لهذا الكلام سوى الهيافة والرغبة في السير في ركاب المأفونين؟. والهجوم على الاخوان هو الموضة هذه الايام ولو تخلفت عن الركب فانت رجعي ومتخلف وظلامي ومن انصار الدولة الدينية وارباب الخلافة الاسلامية.

الشعب المصري متدين بطبعه ويهتم اهتماما خاصا بالأمور الدينية وان يكن الامر في جانب كبير منه ظاهريا. فاعظم ما تركه الفراعنة هي المعابد والمقابر(الاهرامات) استعدادا للرحلة للعالم الاخر. وعندما دخلت المسيحية الى مصر بنيت اعظم الكنائس واكبر الاديرة. وعندما جاء الاسلام اشتهرت القاهرة بمدينة الثلاثين الف مئذنة. ولنا ان نقارن هذه التراث المعماري بالتراث الذي تركته الحضارة الاسلامية في اسبانيا لنعرف ان المصريين لهم تدينهم الخاص بهم وان الاسلام لم يؤسس ابدا لدولة دينية.

انا لم اكن اتوقع اطلاقا نجاح مرسي في ظل الظروف الغريبة والمريبة التي احاطت بالانتخابات في جولة الاعادة ولم اتوقع ان يأتينا للمرة الاولى رئيس لا تشير المؤشرات الى ان كل ما يهمه توزيع المصالح والغنائم على المحاسيب والاقارب وفتح خزائن البلاد لاولاده لكي يغرفوا منها. ولكن مرسي فاز بالرئاسة في ظروف صعبة للغاية ولنا ان ندعمه فالطريق شاق وصعب وما هذه الا البداية. كل القوى الرجعية والعفنة التي ترتدي لباس التقدمية والرقي – وهي في الاساس اما عفنة او مأجورة او تسعى للبقاء في عالم متغير يهدد بانقراضها واحالتها الى حديقة الديناصورات– جعلت من مهاجمة مرسي رسالتها الاولى.

وانا لا اتوقع ان يستمر مرسي في الحكم طويلا لان قوى العفن في المجتمع اكثر بكثير واقوى من قوى الاصلاح. وهناك قوى لا يهمها اصلاح الاوضاع في مصر ولا تقدمها بل ربما كانت البيئة المثالية لانتعاشها ونموها وبقائها هي البيئة العفنة التي تركها نظام مبارك والتي يسعون الى ديمومتها ولو ضحوا في سبيل ذلك بالغالي والنفيس.   

في مجتمع تبلغ نسبة الامية فيه اكثر من 40 في المئة والامية السياسية اكثر من 95 في المئة تجد الشائعات تربة خصبة يسهل التلاعب فيها بالانجازات وتحويلها الى انتكاسات. والاستراتيجية الجديدة هي ان ينهض مرسي بالسلطة ظاهريا ويتحمل كل مسؤوليات التقصير الذي تحدثه قوى اخرى لتنتهي مسيرته السياسية بسرعة ويعود حكم  الانجاس الى قواعده سالما.

الثلاثاء، يونيو 26، 2012

نهاية طيبة لمسلسل ممل




الاحتفالات بفوز مرسي



 اخيرا وبعد طول معاناة وانتظار وتوتر انتهى مسلسل مرسي وشفيق بفوز الاول واندحار الاخير وسفره من مصر. وفوز مرسي هو ليس انتصارا للثورة ولكن على الاقل محاولة لابقائها على قيد الحياة. بدلا من وأدها تماما والقضاء عليها على ايدي النظام القديم العائد بقوة والذي قويت شوكته وطفا الى السطح بكل قوته الكامنة في حملة شفيق.

غير ان التجربة الديمقراطية المصرية الاولى التي بلغت ذرتها بانتخابات إعادة الرئاسة وما شابها من قلق وخوف وتوجس وتربصن تشير الى ان الطريق لن يكون معبدا فما زالت هناك قوى في المجتمع تسعى الى جره للخلف والعودة بالتاريخ الى عهد مبارك الاسود.


ولكى بقى ان يعرف الاخوان انهم لم ينجحوا لشعبيتهم بل لان الشعب اختار التصويت ضد النظام القديم والعمل على الحيلولة دون عودته الى الساحة. مصر عليها الان ان تشق طريقا جديدا بعيدا عن الماضي ونجاح مرسي بنسبة تزيد قليلا عن النصف هو امر غير مسبوق في الدول العربية التي كانت شعبية الزعيم الملهم فيها لا تقل عن 99.9 في المئة في مثل تلك الاقتراعات.

ومرسي باعتباره اول رئيس منتخب لمصر امامه مهام شاقة. المجتمع المصري في حاجة الى مصالحة موسعة بين كل فئاته واطيافه فقد خلفت الثورة الكثير من الالام والاحزان كما شهدت عمليات الاقتراع التي اعقبتها سواء الاستفتاء او الانتخابات البرلمانية والرئاسية استقطابا شديدا قسم مجتمعا متماسكا تقليديا الى فئات متصارعة ومتنافسة.

الاخوان بحاجة الى التخلي عن ايدلوجيتهم الضيقة والسعي الى اقامة دولة حديثة يكون ابرز اهدافها تحقيق تنمية متكاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الكاملة بين افراد الشعب المصري بغض النظر عن انتمائهم العرقي او الديني او السياسي.

والمصريون بحاجة الى الوقوف الى جانب الرئيس الذي لن تكون مهمته سهلة اطلاقا والذي سيتعين عليه ان يخوض معارك ومواجهات مع المجلس العسكري الذي يصر على الامساك بزمام الامور وترك هامش محدود للرئيس المنتخب للمناورة فيه. مصر ليست في حاجة الى صراعات على السلطة والمزيد من الاستقطاب بل في حاجة الى التوجه الى البناء والعمل خاصة اننا نبني دولة من لاشيء.


لقد ترك مبارك البلد انقاضا ينعق فيها البوم والغربان ولم تكن بالنسبة له ولنسله الكريم اكثر من بقرة حلوب يتعين استنزافها الى اخر قطرة.  ويكفي ان نعرف ان ثروة نجليه التي تبلغ 25 مليار دولار (17 مليار لجمال وثمانية مليارات لعلاء) تفوق كثيرا اجمالي الاحتياطي الذي يحتفظ به شعب مكون من نحو 90 مليون نسمة، لندرك ابعاد الكارثة.


بوسع المصريين الان ان يتنفسوا الصعداء ويطمئنوا الى ان نظام مبارك البغيض ذهب الى غير رجعة ولن يكون امامه فرصة الى العودة الى تسيد الساحة مرة اخرى الا اذا اساء الاخوان ادارة دفة الامور. لقد برهنت انتخابات الرئاسة وحملة الاعادة بين شفيق ومرسي على وجه خاص الى ان الحزب الوطني بكل قواه وكوادره مازال متجذرا وراسخا في الريف المصري بل وفي القاهرة نفسها، وانه مازال يمثل تحديا كبيرا امام الثورة.

الاخوان امامهم فرصة طيبة وهي الاولى التي تتاح لهم منذ ما يقارب القرن للبرهنة على ان ايدلوجيتهم لا تمثل تعارضا مع التيار السائد في المجتمع الذي يميل بصفة عامة الى الاعتدال والوسطية. المصريون ربما يكونوا متدينين في الظاهر ولكنهم ايضا براجماتيون.    




الجمعة، يونيو 22، 2012

الى ان تشرق الشمس على مصر






المجلة متوقفة عن الصدور الى ان تشرق الشمس على مصر.

حتى الاحلام في مصر تنتحر






لم يعد يعنينا الان ان يأتي مرسي او شفيق ولكن الاحداث التي مرت بها مصر خلال الايام الماضية تبرهن بما لا يدع مجالا للشك على فشل التجربة الديمقراطية في مصر وانه لا امل بالمرة ولا سبيل الى الحكم الديمقراطي في ارض المحروسة طالما كان للعسكر أي سلطة في الحياة المدينة.

منذ اشهر خرج علينا الثوريون الاشتراكيون بمقولاتهم بانه لا بد من تفتيت المؤسسة العسكرية اذا كان ثمة امل في التحرك نحو الديمقراطية وبناء دولة حديثة. ساعتها سخرنا منهم واتهمناهم بانهم يعيشون في اجواء "كوميون باريس" ويسعون الى جر عجلة التاريخ للخلف. ولكن مجريات الاحداث اثبتت ان كلامهم كان صحيحا وانهم كانوا اكثر وعيا وابعد نظرا من كثير من القوى السياسية.

ومنذ ايام قال احد اساتذة العلوم السياسية في احدى الجامعات الامريكية العريقة في مجلة فورين بوليسي انه لا يمكن احداث تحول ديمقراطي في ثورات الربيع العربي بدون قصم ظهر المؤسسة العسكرية.

للاسف الثورة لم يكن لها قائد وسارع العسكر الى تبنيها وادعاء حمايتها بهدف تطويعها وتمييعها والقضاء عليها. ونجحوا نجاحا منقطع النظير في ترويض الاخوان وسحق القوى الثورية الاخرى والتآمر عليهم واثارة الشعب ضدهم باتباع اساليب شيطانية ما كان يمكن ان تخطر على بال نظام مبارك الذي يعتبر احد اعفن الانظمة في القرن العشرين والحادي والعشرين. لقد كان نظام مبارك فجا ويتصرف برعونة اما هؤلاء فانهم يدرسون تصرفاتهم بذكاء ويتجهون الى النتيجة مباشرة وللاسف يحققونها بصورة تفوق أي توقعات.

مصر للاسف الشديد لا يبدو انها ستمضي الى الامام فهي مكبلة بميراث من الديكتاتورية والحكم العسكري الذي لا يريد لها التقدم يساعده في ذلك بعض حثالات المنتفعين وبقايا نظام مبارك واعلام بالغ التخلف وشعب انهكه الفقر والامية والمرض.

ورغم اجراء انتخابات قيل انها ديمقراطية او شبه ديمقراطية الا ان نتيجتها مازالت معلقة في انتظار ابرام صفقات مريبة وغريبة تؤمن للعسكر وضعا في عالم ما بعد الثورة وتوفر لهم الحماية من أي ملاحقة عن جرائمهم بدءا من موقعة الجمل الى ما يفعلونه الان.

ولن يعنينا كثيرا ان ينجح شفيق او مرسي فكلاهما سيظل يعمل تحت مظلة العسكر بصورة تفوق النظام التركي في الستينيات من القرن الماضي. والى ان يأتي لدينا شخص مثل اردوغان يستطيع عن طريق تحقيق طفرة اقتصادية وتشريعية تحجيمهم والزامهم ثكناتهم، علينا ان ننتظر. وربما ننتظر طويلا طويلا. 


الأحد، يونيو 17، 2012

هل انت مع بقاء الثورة ام قتلها؟




قلت من قبل انني كنت اتمنى ان ينسحب مرشح الاخوان من الانتخابات الرئاسية ويتركها لشفيق ولكن مرسي فضل ان يخوض الانتخابات. ورغم اننا يمكننا ان نتخيل ما الذي يمكن ان يحدث لو نجح شفيق بعد خوض انتخابات الاعادة، الا اننا لا نملك في نفس الوقت الا ان ندعم مرسي ليس نكاية في شفيق او غيره ولكن في محاولة لحماية الثورة وابقائها على قيد الحياة. نحن لا ندعم مرسي باعتباره مرشح الثورة الامثل ولكن باعتباره منافس اعداء الثورة.

 ودعونا نخلص من موضوع التصويت والجدل حوله. التصويت على اساس ديني هو غباء لا سبيل الى انكاره لانه لا مرسي ولا شفيق سيصلي بنا اماما ولكن اي منهما لو افلح سيرعى جزءا من امورنا الدنيوية وهذا امر لا علاقة له بالجنة ولا النار. اقول جزءا لانه كما يرى الجميع فالدولة المصرية بصراحة لا تقدم شيء للمواطن تقريبا علاج غير موجود وتعليم سيء وطرق ومواصلات بشعة وكل شيء تقريبا يبدو متداعيا ونحن لدينا امل كبير ان يتغير كل ذلك في المستقبل.

واذا كان البعض له تحفظات على مرسي باعتبار انه يمثل تيار الاخوان المسلمين فلا يجب ان ننسى ان شفيق يمثل نظاما اذاقنا الهوان على مدى 30 عاما. اصحاب الاموال والمصالح الذين حصلوا عليها بالمجان وبالسرقة من دم الشعب هم من سيصوت لشفيق من اجل توفير الحماية لها بعيدا عن القانون وهم ينفقون منها بسخاء على حملته لانها في الاصل اموال جاءت بلا جهد ولا عناء. اما من سيصوتون لمرسي الذي لا يمتلك سوى شقة 120 متر - وليس 20 قصرا منها واحد في باريس مثل شفيق - فهم من عانوا الامرين من شفيق واسياده في السابق على مدى 30 بل لنقل 60 عاما ومن المتوقع ان يعانوا اكثر في عهد النظام القديم الجديد. والشيء الواضح ان شفيق سيحاول الحفاظ على اوضاع التفاوت المزري في الدخول ومستوى المعيشة كما كانت على عهد المخلوع. اهم من كل ذلك انه حتى لو لم يكن مرسي يمثل لب الثورة وجوهرها من وجهة نظر البعض فان شفيق يمثل عدوها اللدود. واذا كانت مقاطعتك للتصويت ستساعد على الاتيان بشفيق فانت تقف من الثورة نفس موقفه وتساهم معه في قتلها.


الجمعة، يونيو 15، 2012

قبل ان يخرج الاخوان سفر اليدين


المخلوع يدلي بصوته في انتخابات برلمان التوريث 2010


تورد الينا الانباء فيما تورد ان عددا من القوى السياسية الثورية تسعى الى اقناع الاخوان بسحب مرشحهم محمد مرسى من جولة الاعادة والانضمام الى القوى الثورية الاخرى في البحث عن مخرج من المأزق الذي تقف فيه مصر الان.

حتى الان لم يستجب الاخوان لمطلب القوى السياسية الاخرى ولكن لو كان الاخوان لديهم ما يكفي من بعد النظر والفطنة لانسحبوا من الاعادة وتركوا شفيق يحصل على المنصب بالتزكية.

شفيق باعتباره من الفلول ومرفوض شعبيا سيكون ضعيفا للغاية في موقعه كما ان وصوله الى السلطة بهذه الطريفة سيمثل فضيحة للمجلس العسكري وله امام الشعب وامام العالم كله. وسيجعله ذلك هشا في مواجهة أي احتجاجات قوية عليه في المستقبل او أي تحرك ضده.

اما خوض الانتخابات حتى النهاية فمن شأنه ان يضفي عليه شرعية لا يستحقها لا هو ولا من هندسوا وصوله الى المرحلة الحالية بهذه الطريقة. ولنعترف اولا ان شفيق سيفوز على مرسي لا محالة بالتزوير والقوة والبلطجة وكل الاساليب. وسيخرج الاخوان من هذه المغامرة بخفي حنين ولا شيء اكثر.

ولنتحدث بصراحة: الاخوان ليسوا مضطرين لتوفير شرعية لشفيق لمهادنته او اتقاء شره لان شفيق او أي رئيس في مكانه لن يكون بوسعه اطلاقا بعد الثورة ان يقوم بممارسات النظام القديم القمعية ضدهم او ضد غيرهم حتى لو كان مدعوما بكل الاجهزة الامنية في العالم وليس في مصر وحدها.

انسحاب الاخوان الان سيجعلهم يكسبون الشارع بعد ان ارتكبوا اخطاء قاتلة في الفترة الانتقالية سمحت للمجلس العسكري باستدراجهم الى الموقف الحالي، وعليهم ان يتخذوا قرارهم بسرعة.

الموقف الحالي يذكرنا بالانتخابات البرلمانية في عام 2010 التي اصر الاخوان على خوضها ثم انسحبوا بعد الجولة الاولى التي لم يحصلوا فيها على مقعد واحد. ولكن جولة انتخابات الرئاسة القادمة هي الثانية والتي سيفوز بها شفيق حتما.

وهذه مقالة كتبتها في ايامها في مدونة اخرى. وسنجد ان نفس الموقف يتكرر بحذافيره ولكن النتيجة يمكن الا تتكرر لو انسحب الاخوان الان. الوقت ضيق ومالم نسمع غدا صباحا عن الانسحاب من جولة الاعادة فلن يخسر الاخوان انتخابات الرئاسة فحسب بل الانتخابات البرلمانية القادمة ايضا.

رابط المقالة  




الخميس، يونيو 14، 2012

ارفعوا قبعاتكم لتحية المجلس العسكري




الحكم الذي اصدرته منذ نحو ساعة المحكمة الدستورية العليا في مصر بعدم دستورية قانون العزل الذي كان يهدف الى اخراج المرشح احمد شفيق من سباق الرئاسة قبل يومين من اجراء الانتخابات وعدم دستورية عضوية ثلث اعضاء مجلسي الشعب والشورى – اقول ان الحكم يعيد مصر الى ثوابتها التي كانت تقف عليها يوم 11 فبراير 2011 قبل تنحي او تنحية المخلوع.

وتأكيدا لما ستكون عليه الاوضاع في العهد الجديد القديم اصدر وزير العدل قرارا بمنح حق الضبطية القضائية للشرطة العسكرية والمخابرات العسكرية وهو ما يسمح لهذه القوات باعتقال المدنيين.

اليوم هو يوم عادي جدا و يمكن ان نعتبره مثلا يوم 24 يناير 2011 على اعتبار انه لم تكن هناك ثورة ولا يحزنون. غير اننا يتعين علينا في هذه الحالة ان ننسى نحو عام ونصف حملت لنا الكثير من المآسي والاحزان التي كانت كافية لتبديد أي امل في مصر جديدة بلا قمع وبلا فساد وبلا عفن وبلا اعتقالات وبلا تعذيب.

بقى ان نحيي المجلس العسكري ونرفع له قبعاتنا على سبيل الاحترام والاجلال فقد قام بعمل معجز حقيقة حيث لف بنا كل اراضي المعمورة على مدى عام ونصف ونحن نلهث وراء صورة سراب رفعها امامنا ليعود بنا من حيث بدأنا تماما. والمثل الشعبي الذي يقول "يوديك البحر وير جع بك عطشانا" ينطبق على المجلس. وربما يقول التاريخ ان المجلس فشل فشلا ذريعا في ادارة المرحلة الانتقالية ولكن التاريخ سيتوقف طويلا امام تلاعب المجلس بشعب بأكمله على مدى عام ونصف والعودة به الى نفس النقطة التي انطلق منها.

سيرة المجلس معنا تذكرني بحادث ماساوي من الحوادث المتكررة في عهد مبارك وقع منذ  ثلاثة اعوام او نحوها، فقد توقف قارب من قوارب الهجرة غير الشرعية كان محملا بالمصريين المساكين الساعين الى الهجرة الى الغرب على جزيرة صغيرة بعد ان انطلق من الاسكندرية باربع وعشرين ساعة. وأمر الركاب بان يهبطوا على الجزيرة "الايطالية" ولما لمس منهم المسؤولون عن القارب تباطؤا عالجوهم بالكرابيك حتى هبط الجميع وانطلق القارب. وخاض المساكين في الماء حتى وصلوا الى الشاطيء ودهشوا ان اول من التقوا به يتحدث العربية وسألوه عن هذا المكان الذي هبطوا فيه فكان احد مناطق الاسكندرية.

دعونا، مثل اولئك المساكين الذين غرر بهم، نعبر تلك المخاضة الصغيرة قانعين من الغنيمة بالاياب.

أين (تلبد) هذا المساء؟





المشير طنطاوي رجل مؤمن بالثورة ومجلسه العسكري لا يقل عنه ايمانا بها. وكل يوم يفاجئنا الرجل بقرار تنتابنا من اثره صدمة قوية ولكننا لا نلبث ان نتبين صواب القرار وعقلانيته وانه في النهاية يصب في مصلحة نهر الثورة المتدفق الرقراق، فتزداد قناعتنا يوما بعد يوم بمدى تفاني الرجل في خدمة الثورة حتى اننا بتنا لا نشك في ان الرئيس مبارك اوصاه بالثورة خيرا.

واخر الابداعات التي خرج علينا بها المجلس العسكري في مجال خدمته للثورة هو مصادقة وزير العدل (الذي اسمع اسمه للمرة الأولى) على قانون يمنح حق الضبطية القضائية للشرطة العسكرية والمخابرات العسكرية. انا لن اتحدث عن القانون الذي صدر في ظروف غريبة ومريبة وربما يشي بان وراء الاكمة ما ورائها، ولكن على أي حال فنحن لسنا طرفا في خطط المجلس العسكري فقد بلغ من بعد النظر وحسن النية ونفاذ البصيرة في ادارة شؤون الامة منذ القينا بالثورة على كاهله، ما يجعلنا نطمئن الى ان القرار في النهاية لن يخدم سوى الثورة واذا كان أي منا لديه شكوك فليصبر قليلا.
البوكس التقليدي راحت عليه

انا لست معنيا بالقرار وان كنت ارى انه يتماشى تماما مع خطة المجلس السديدة في حماية الثورة وكبح جماح خصومها، ولكني معني بتداعياته على المواطنين. القرار ببساطة يعني ان نحو ربع سكان المحروسة (وهم من اعداء الثورة الالداء) يمكن ان يكونوا معرضين للاعتقال بسبب او بدون سبب وفي اي وقت. وبدلا من ان يسأل المرء نفسه السؤال المعتاد : اين تذهب هذا المساء؟ سيكون سؤاله : اين تلبد هذه الليلة؟. هل يعيد الينا القانون ذكريات زوار الفجر وصور المطاردات الامنية من زمن سحيق يبدو اننا نسيناه او نحاول ان نتناساه؟. لا احد يدري.

ولكن من المؤكد انه ككل شيء في مصر سيكون هناك بعض المحظوظين وبعض التعساء من جراء تنفيذ هذا القانون. اما المحظوظون فهم اولئك الذين تتعدد لديهم الاماكن التي يمكن ان يلبدوا فيها مثل الرجل المتزوج مثلا من اربع نساء يعشن في احياء مختلفة، حيث يقضي لياليه متنقلا بينهن بحكم الضرورة الامنية وليست الشرعية. وربما يكون الشخص محظوظا اكثر لو كانت زيجة من هاته او زيجتين تمت في الجانب العرفي بحيث لا يعرفها احد سوى القلة.

واذا كان اسم الشخص مدرجا في قوائم المطلوبين امنيا قبل الثورة فقد احترقت ملفات مباحث امن الدولة وتاهت العناوين وربما لا تستطيع الاجهزة الامنية (التي ستبدي كلها تعاونا بناء في هذه الحالة) بعد عناء الا الوصول الى عنوان واحد له. ولكن في العادة الامر لا يخلو من المفاجئات فقد تكون نفس الملفات موجودة في اماكن اخرى او الاسماء تم وضعها على اسطوانة صغيرة يسهل الرجوع اليها.

في الريف في العادة تكون الاعتقالات اصعب لان المطارد يمكن ان ينطلق في الحقول ولكن للاسف فموسم الاذرة (وهو المحصول الذي يوفر فرصة الاختفاء المثالي قد انتهي). غير ان الريف يظل اكثر رحابة من المدينة بما فيها من اكتظاظ واليات متابعة واجهزة مراقبة وما اليه.
لحماية الشعب وايضا اعتقاله عند اللزوم

المفارقة الكوميدية الموجعة في الموضوع هو ان ذلك يحدث بعد ثورة كان احد اهدافها القضاء على هذا الجانب المظلم من الحياة المصرية..جانب الاعتقالات والسجون وما اليها من مظاهر الدولة البوليسية الفجة.

غير ان هناك تغييرا لا يمكن ان ينكره الا جاحد. فبدلا من ان تعتقل على يد ضابط شرطة وامين شرطة وجندي امن مركزي ربما لفتوا انتباه الشارع كله، سيعتقلك ضابط من الجيش وصف ضابط او صول وعسكري مجند يرتدون البيريه الاحمر وتبدو زيارتهم لك كما لو كانت مرور من اقارب على قريب لهم. وبدلا من ان توضع في البوكس ستوضع في سيارة جيب صغيرة، وبدلا من ان تدخل القسم ستدخل السجن الحربي وقد تكون محظوظا وتقيم في الجناح الذي اقامت فيه شخصية تاريخية ممن كانوا من نزلاء هذا السجن العتيد. وبدلا من ان تمثل امام قاض مدني فقد تمثل امام قاض عسكري يؤمن بضرورة استئصال اعداء الثورة كما اوصاه المشير. وربما تكون من الكبار الذين لا يكتفى بارسال سيارة جيب صغيرة اليهم بل رتل من المصفحات وهو ما سيرفع اسهمك في المنطقة بصورة تمكنك من خوض الانتخابات البرلمانية في المرة القادمة. اما اذا كنت شخصية هامة جدا فقد تحلق طائرة هليكوبتر فوق منزلك الى ان تحتل موقعك في المصفحة. ولكنك في كل الاحوال ستشعر ان هناك فرقا بين اعتقال الشرطة واعتقال الشرطة العسكرية بدءا من وضع الاساور في يديك الى ان يملوا استضافتك فيلقوا بك على احدى بواباتهم.

انها تجربة ولا شك جديدة ومثيرة نتمنى ان تتعاون جميع الاطراف لكي تتم بنجاح ونترك نتائجها للاجيال القادمة، التي تشير الاوضاع، الى انها قد لا تعيش ظروفا افضل منا بكثير.