الصفحات

الخميس، مايو 24، 2012


يوم الحبر السري 






مر اليوم الاول من اول انتخابات رئاسية مصرية بعد الثورة دون مشاكل باستثناء بعض المشادات امام اللجان وبعض المخالفات الصغيرة ولكن الحمد لله لم تنشب معارك كبيرة او يصاب احد اصابات خطيرة او يقتل ونتمنى ان يمر اليوم الثاني ايضا على هذا النحو.

ما حدث مع احمد شفيق من مهاجمة الجماهير له اثناء توجهه للادلاء بصوته والشتائم والسباب الذي وجه اليه هو شيء ما كان يجب ان يحدث لان الرد على امثال شفيق من الفلول يكون ببساطة بتجاهله وعدم انتخابه. وما كان يجب اصلا ان يرشح نفسه لهذا المنصب بل كان يجب ان يبتعد تماما عن الاضواء. من ناحية اخرى من الصعب ان تنسي الناس ان شفيق كان رئيس وزراء موقعة الجمل وان مبارك اختاره في اصعب لحظاته لانقاذ نظامه من الغرق وانه ذكر ان المخلوع يمثل بالنسبه له مثلا اعلى. وعلى الرغم من كل ذلك فان ما حدث معه مرفوض وغير مقبول.

أما صدور بيان من وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية بان الاعتداء على شفيق مدبر وسببه ارتفاع مؤشرات التصويت لصالحه فهو امر غير مفهوم. ولو كان ما تعرض له شفيق اليوم قد تعرض له مرشح آخر فهل كانت وكالة الانباء الرسمية ستورد مثل ذلك التعليق على الخبر؟.
ومما يوضح الامور اكثر ان بيان الو كالة الرسمية اضاف "الفريق شفيق بخير ومثل هذه التصرفات الشاذة والفوضوية لن تثنيه عن المضي قدما في طريقه".
البيان بصراحة لا يحتاج الى تأكيد في ان شفيق هو مرشح السلطة الأبرز.

اما الموضوع الطريف اليوم فهو موضوع الحبر فقد شاع منذ امس ان الاقلام الموجودة في اللجان بها حبر صيني يزول بعد دقائق او ساعات من استخدامه وان السلطات ستعيد تعليم الاوراق مرة اخرى بحبر اخر لصالح شفيق. بل نقلت الانباء الينا ان سيدة راحت توزع الاقلام على الناخبات وتدعوهن لاستخدامها وعدم استخدام الاقلام الموجودة في اللجان.

وموضع الحبر رغم انه يبدو مثل نكتة الا انه يكشف عن ان المصريين لا يثقون بالسلطة اطلاقا، رغم اننا لا يمكن ان ننكر ان السلطات ادارت انتخابات مجلس الشعب بحيدة وشفافية تامة، من جانبها على الاقل. غير ان مبدأ عدم الثقة يعود الى ان مبارك واعوانه على مدى 30 عاما لم يتركوا سبيلا لتزوير ارادة الناس الا وسلكوه ولا وسيلة الا وجربوها.
وما ينسحب على مقولة مثل مقولة الحبر يمكن ان ينسحب ايضا على النتيجة. ونجاح شخص مثل شفيق او عمرو موسى يمكن ان يضع الناس امام علامات استفهام كبرى، وان كان دخول احدهما انتخابات الاعادة كفيل بارباك الامور واثارة التحفز وسيطرة نظريات المؤامرة لدى الناس.
الانتخابات فيما يتعلق بنتيجتها تبدو غامضة تماما وقد تكون النتيجة مفاجئة وغير متوقعة لان كل الاستطلاعات التي تمت حتى الان لا يمكن الاعتماد عليها ولا الثقة فيها. ومصر ليس بها مؤسسات كبرى لاجراء الاستطلاعات مثل جالوب او مؤسسة زغبي الدولية، كما انها ليست معتادة على فكرة اجراء الاستطلاعات السياسية. بل ان الاستطلاعات التي اجريت من قبل مجلس الوزراء فيما مضى كانت تتعلق بمستوى مشاهدة البرامج التلفزيونية مثلا او اداء الحزب الوطني. ومن الصعب ايضا الاعتماد على استطلاعات الانترنت حيث ان الذين يصوتون فيها شريحة لا تعد ممثلة بأي حال لكل فئات الشعب وكذلك ايضا تصويت المصريين في الخارج لا يعد مقياسا لنتائج التصويت في الداخل. الاغرب من ذلك ان احد لم يجر استطلاعا لاراء الناخبين أثناء خروجهم من لجان التصويت ولو بصورة عشوائية في لجنة واحدة في كل محافظة.
ومن المتوقع بناء على ذلك ان تكون النتيجة مفاجئة لكثيرين على الاقل، ان لم يكن للكل. 

السبت، مايو 19، 2012

سيناريوهات الكارثة المرتقبة





تخيل انك استيقظت يوم الخامس من يونيو على صوت مذيعة في التلفزيون المصري وهي تقرأ الخبر الاول في نشرة الثامنة صباحا بأن الرئيس احمد شفيق كلف المشير حسين طنطاوي بتشكيل الحكومة.

من المؤكد ان ثلث المصريين سيصابون اما بسكتة قلبية او جلطة اما الثلث الاخر فقد يقرر ان يضرب رأسه في اقرب جدار كوسيلة للخلاص وخمسة في المئة اغلبهم من الفلول والحمقى والمتخلفين وذوي العاهات سيعبرون عن ابتهاجهم اما البقية فقد يهبطون الى الشوارع في محاولة لمنع الكارثة.


ولكن هذا سيناريو سيء او ربما به اجزاء كثيرة مفقودة. والجزء المفقود يتعلق برد فعل الشارع عند اجتياز احمد شفيق او عمرو موسى الجولة الاولى وتأهل أي منهما لخوض الجولة الثانية. دعنا نفترض سيناريو اخر اكثر بشاعة وهو ان تكون الاعادة بين موسى وشفيق. يعني بالمعنى الصريح أما جهنم او جهنم الاخرى ولا خيار آخر هناك.

علينا ان نضع انفسنا ولو قليلا مكان اهالي شهداء ومصابي الثورة. كيف ستكون فجيعتهم في هذه اللحظات؟ هل يعقل ان تفقد اسرتك احد هؤلاء الشبان الانقياء وتعامل الامر باستهزاء وكأن شيئا لم يكن؟. الكارثة ان مصر فيها الكثير من الاميين والجهلاء والاغبياء والانتهازيين وبالتالي فنجاح أي من الفلول ليس مستبعدا. ولكن على الناس ان تعتبر الانتخابات مزورة بمجرد اجتياز أي منهما للجولة الاولى ويجب ان تتوقف او توقف فورا ولا يتم المضي فيها لان ترشحهم اساسا ما كان يجب ان يكون لولا انعدام الحياء والخجل.

التعويل على امية الناس وجهود الفلول والاجهزة الامنية وضعف الوعي السياسي ليس مقبولا ولن يتم قبوله بأي حال من الاحول. الثورة لم يساهم فيها كل المصريين ولكنها اصبحت ملكا للشعب كله والذين ساهموا فيها وضحوا من اجلها هم الاولى بقيادة هذا الشعب وليس خصومها الالداء. ما معنى ان يرشح احد اعداء الثورة لقيادة البلاد بعد الثورة؟ هل عدمنا الشرفاء في هذا البلد؟. ما معنى ان يستمر نظام مبارك سواء كان في السلطة او في المركز الطبي؟ ما معنى ان يحكم مبارك موضوعا ويغيب شكلا؟ هذا جنون ويجب الا يقبل اطلاقا.

لقد صرح شفيق بانه مستعد ان يعيد الامن الى الشارع خلال 24 ساعة مما يعني ان كل ما يحدث من انفلات امني مدبر ومقصود وخاضع للسيطرة وقابل للتغيير في لحظة. وسوف تكون الشرطة سعيدة للغاية ان تعود للعمل تحت مظلة النظام السابق.  

واضاف شفيق لا فض فوه ان الجيش سيحمي الشرعية في حالة احتجاج الناس على انتخاب سعادته. أي انه رئيس بالعافية وبالقوة ورغم انف الشعب...رئيس سيفرض من قبل رفقة السلاح. هل هذا هو الرئيس الذي كنا نتوقعه او نطمح اليه بعد الثورة؟. هل ضحى المصريون بالالاف من فلذات اكبادهم بين شهيد ومفقود وجريح وتعطيل الانتاج واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي من العملة الصعبة لكي يترأس مصر شفيق او موسى. أين كان شفيق اثناء موقعة الجمل واين المعارضة الخطيرة التي ابداها موسى للنظام؟. لاشك ان شفيق كان يتفرج على التلفزيون ويدعو ان ينجح الغزاة في السيطرة على ميدان التحرير وينفض مولد الثورة. أما موسى فكان يقبل بأي فتات يلقي به النظام اليه.

ما تسير اليه مصر هو كارثة حقيقة لو تم انتخاب شفيق او موسى وهو امر يجب ان يتصدى له الناس بشدة وبقوة وبكل ما أوتوا ولتعتبر هذه هي الثورة الحقيقة التي تعد ثورة 25 يناير 2011 مجرد ارهاص بها ومقدمة لها. ان ابسط الامور وايسرها واسلمها هو ان يمتنع أي شخص عن انتخابهما.

لو نجح أي منهما سيتم اعادة ترميم نظام مبارك خلال اشهر ويعود الحزب الوطني بكل وقاحته ويتم العفو عن اللصوص والمجرمين الذين اذلوا الشعب على مدى ثلاثة عقود. ولن يتبقى لدينا سوى البكاء على الشهداء والجرحى الذين راحوا في ثورة اضعناها بايدينا.  

الخميس، مايو 17، 2012





David Thomson



A decade of slavery and a tax avoidance into the bargain


On 16th May I learned from a well-placed source in a major anti-corruption watchdog that the Middle-East Thomsonreuters Office in downtown Cairo has been under investigation for tax avoidance. The issue poses a serious moral as well as business dilemma for the media giant that bills itself as the world's leading source of intelligent information for businesses and professionals.

The Irony of the situation is that the Company and Thomson family sponsor charity institutions such as Thomson-Reuters Foundation and its affiliate TrustLaw, and contribute heavily to charity works in Canada and elsewhere. Could it be wise then to cheat the Egyptians- of whom 40 percent live under poverty line- out of their money and use it to train young journalists or help a psychiatric center in Toronto?. The wealth of Mr Thomson and family, $23bn, is almost double Egypt's foreign currency reserves. It may be ironic still to have a look at the CSR views of the Company http://thomsonreuters.com/about/corporate_responsibility/.


Reuters used tens of editors in its offices in Cairo for more than ten years in circumstances tantamount to slavery. These people who worked as translators from English to Arabic in the only Arabic Service of the news agency, previously owned by the British, were deprived of any known rights. No social insurance, no healthcare, not even recognition that they work for the place. They were denied even replies to their emails sent to the administration. Furthermore, they only received a small fraction of their contracted colleagues’ salaries, a closed circle of relatives and acquaintances.  

They worked for eight hours a day non-stop except for a tea break for five days a week. At the end of the month they have to queue in front of an employee (contracted by the company to be trusted with the money) to receive envelopes with their monthly payment in a manner reminiscent of daily labor who throng the popular cafés in the outskirts of Cairo.

Whenever some editor shows any sign of discontent he or she was sent packing at once. The Service has always been headed by the most corrupt persons who were selected in the light of certain criteria and consequently turned it into a kind of family business where their friends, relatives, and cronies can get in, out and in again at any time and with the best privileges available.

Unfortunately no one dared object because he knows the consequences would be very bad. People were turned out just for showing any sign of discontent at the prevalent corruption or trying to assert their rights.  Of this huge pool some people were opted to be given contracts and good salaries, not based on efficiency but on good relationships with the corrupt senior editors.

We are all familiar with the story of Arif Al-Ali the UAE naval officer who was accused last year in the United States of enslaving his Filipino maid Elizabeth Cabitla Ballesteros and the ensuing campaign of the US press which caused the poor guy to stand accused of human trafficking. But the practice of Reuters was never described as that in Cairo simply because the legislations and laws are routinely manipulated by lawyers on behalf of employers. The Labour Law enacted by the the former President Hosny Mubarak strongly favors businessmen who formed the mainstay of his rule. Things are likely to take a long time to change in the direction of a fair balance of employee-employer interests.     

It may sound funny to compare a Filipino maid in the States with Egyptian journalists in Cairo, but the problem is that Ballestros in the States is in a better position than a journalist in Cairo when it comes to litigation against a US based company in Egypt.

Reuters, like other corrupt businesses in the circle of Mubarak and family, found it convenient to shed some of its essential responsibilities not only toward the editors, but also toward the State and society in flagrant violation of the law. Reuters should have deducted a certain percentage of the salaries of its employees as an income tax to be relayed to the tax authorities. But instead, it simply used to give them small untaxed salaries disregarding State coffers share because the guys have no formal existence or documents.   

The investigation into tax avoidance is not in itself enough. There must be a full investigation into the full details of enslaving people by a major Western multinational corporation. Media Advocacy and Human Rights Organizations have to be outspoken on such cases on a par with the attention they devote to journalists persecuted or imprisoned. 

It’s almost incredible to me that my case against Reuters, credited to be the one that transformed the Cairo Office, was the first to be brought against the Company. It is one of the most bizarre stories in the labor world.

I was forced to submit my resignation in 22 February 2010 after 6 years and 11 months - despite the absence of a contract - simply because I demanded an end to corruption and corrupt practices. I asked the Company twice to conduct an investigation into the circumstances of my forced resignation, but all was in vain. 

When I began to sue the Company everything was suddenly transformed, which means simply that Thomsonreuters was heavily dependent on the generosity - or rather the corruption - of their hosts on one side and the subdued reaction of their victims on the other.

However, more than ten years of exploitation and tax avoidance can hardly be forgiven.








بورخيس


خورخي لويس بورخيس  
الملكان ومتاهاتهما


(هذه هى القصة التى يرويها صاحب الفضيلة  "ألابى" من على المنبر فى "ابن حاقان البخارى ميتا فى متاهته").


سجل المؤرخون الثقات (ولكن الله وحده اعلم) انه فى سالف العصر والأوان كان هناك ملكا على جزر بابل جمع مهندسيه وسحرته وعهد اليهم ببناء متاهة معقدة الى درجة لاتجعل رجلا عاقلا يجرؤ على ولوجها،  ومخادعة الى الحد الذى يجعل من يدلف اليها يضل طريقه فيها. كانت مثل تلك المهمة تجديفا لأن الاذهال والمعجزات امر يختص به الله وحده وليس الانسان. ومع مرور الوقت قدم الى بلاطه ملك العرب فسمح له ملك بابل (راغبا فى السخرية من سذاجة ضيفه) ان يلج المتاهة حيث تجول فى مذلة وحيرة حتى دخول الليل. عندئذ ابتهل الملك الثانى الى الله ان يساعده وبعدها على الفور عثر على الباب. ولم يدع الملك شفتيه تتلفظان بأى شكوى، ولكنه حكى لملك بابل انه هو ايضا لديه متاهة وانه، ان شاء الله، سوف يسعده ان يريها لمضيفه يوما ما.  ثم عاد الملك الى جزيرة العرب فجمع قواده وجيوشه واجتاح ممالك بابل وسار الحظ فى ركابه فخرب قلاعها ومحق اهلها واخذ الملك نفسه اسيرا فشد وثاقه الى جمل مسرع واتى به الى الصحراء. سار الركب ثلاثة ايام ثم قال الآسر :  "ياملك الزمان وتاج القرن، فى بابل استدرجتنى الى متاهة من النحاس مزحومة بسلالم وابواب وجدران عديدة مشوشة والآن وقع امر الله بأن اريك متاهتى التى لا سلالم لها لتصعدها ولا ابواب لتفتحها عنوة ولا قاعات لا نهاية لها تنهك المرء ولا جدران تسد طريقه".
ثم فك وثاق الملك الاول وتركه وسط الصحراء ليموت من الظمأ والجوع.
سبحان الحى الذى لا يموت.  

الأربعاء، مايو 16، 2012


بعيدا عن السياسة 

هذه بعض قصص قصيرة نشر بعضها في صحف او مجلات من زمن ولم ينشر البعض الاخر. وجدتها في بعض الاسطوانات القديمة عندي وهي مكتوبة ببرنامج قديم كان مع اول ويندوز تقريبا. وسوف اضع بعضا منها هنا كلما وجدت وقتا لذلك. فربما كانت افضل من القراءة عن الاوضاع في مصر.



يوجينيو مونتال






الرجل ذو البيجاما
يوجينيو مونتال*


كنت أسير فى الرواق جيئة وذهابا بالخف والبيجاما وأخطو من آن لآخر فوق كومة من البياضات القذرة. كان فندقا من الدرجة الاولى به مصعدان ومصعد للبضائع كانت كلها تقريبا معطلة على الدوام. غير انه لم يكن هناك غرفة للملاءات وأكياس الوسائد والمناشف التى لاتستعمل مؤقتا وكان على الخادمات ان يكومنها حيث استطعن، اى فى كل الاركان الغريبة. وفى وقت متأخر من الليل أعتدت ان ازور هذه الاركان وبسبب ذلك لم يكن الخادمات يحببنى ابدا. غير اننى بأعطائهن البقشيش حصلت على موافقتهن الضمنية ان اتجول حيث أشاء. كنا بعد منتصف الليل وسمعت التليفون يرن برقة. هل يمكن ان تكون غرفتى؟. دلفت خلسة تجاهها ولكنى لاحظت ان التليفون كان يرن فى غرفة مجاورة لغرفتى - غرفة رقم 22. وبينما كنت عائدا سمعت صوت إمرأة على التليفون تقول: "لاتأت بعد يا أتيليو. هناك رجل يرتدى بيجاما ويسير فى الرواق وقد يراك".
 ومن الطرف الآخر للخط سمعت ثرثرة غير مميزة. وردت المرأة: "أوه - أنا لا أعرف من هو - انه تعيس مسكين يتسكع دوما هنا. ..أرجوك لاتأتى. على اى حال سوف أبلغك".
ووضعت السماعة بضربة شديدة وسمعت خطواتها فى الغرفة. تسللت بسرعة عائدا الى الطرف الأقصى للرواق حيث توجد أريكة وكومة أخرى من البياضات وجدار. ولكنى استطعت ان اسمع باب غرفة 22 يفتح واستنتجت ان المرأة كانت تراقبنى من خلال شق الباب. لم استطع ان امكث حيث كنت طويلا، لذا رجعت ببطء.
وفى خلال عشر ثوان كان على ان امر بغرفتها ورحت أفكر فى البدائل العديدة: (1) ان اعود الى غرفتى وأغلقها على نفسى (2) ان افعل نفس الشىء مع الاختلاف بمعنى ان ابلغ السيدة اننى سمعت كل شىء واننى انوى ان اسدى اليها معروفا وآوى الى غرفتى (3) ان أسألها اذا كانت شغوفة الى هذا الحد بان يأتى اليها أتيليو او اننى كنت استخدم فقط كذريعة لتجنب مصارعة الثيران الليلية البغيضة (4) ان اتجاهل المحادثة التليفونية وأستمر فى تجوالى (5) ان أسألها اذا كانت تهتم بأستبدال أتيليو بى فى آخر الامر من أجل الغرض المشار اليه فى البديل 3 (6) ان اطلب منها تفسيرا لمسمى "التعيس المسكين" الذى اختارت ان تسمينى به (7)...كانت هناك صعوبة فى صياغة الخيار السابع ولكن فى غضون ذلك كنت بالفعل أمام فرجة الباب الذى أطلت منه عينان سوداوان وجاكت نوم قرمزى على تنورة حريرية وشعر قصير مجعد. برهة قصيرة وأغلقت فرجة الباب مرة اخرى بحدة. كان قلبى يدق بسرعة وانا ادخل غرفتى وسمعت التليفون يرن مرة اخرى فى الغرفة المجاورة. كانت المرأة تقول شيئا ما بصوت خافت لم اتبينه.  ومثل ذئب انطلقت عائدا الى الرواق وحاولت ان اتبين ماكانت تقوله. "انه امر مستحيل يا أتيليو..أقول انه مستحيل...". ثم طقطقة التليفون يتبعها صوت خطواتها مقتربة من الباب. واندفعت نحو الكومة الثانية من البياضات القذرة وأنا اقلب فى ذهنى البدائل 2 و3 و5. انفتح الباب مرة اخرى فتحة ضيقة وكان من المستحيل على الآن ان اقف ساكنا. قلت لنفسى اننى تعيس مسكين ولكن كيف عرفت هى ذلك؟. وماذا لو لم اكن قد انقذتها من أتيليو أو انقذت أتيليو منها بسيرى جيئة وذهابا فى الرواق؟. أنا لم اولد لأكون حكما فى اى شىء وابعدها ان اكون حكما فى حياة الآخرين. عدت الى غرفتى وانا اركل كيس وسادة بخفى. هذه المرة انفتح الباب فتحة اوسع وبرزت الرأس المجعدة أكثر قليلا. كنت على بعد ياردة منها عندما انخلع خفى وانتبهت لنفسى. جأرت بصوت يمكن سماعه فى الرواق: "لقد انتهيت من التجول جيئة وذهابا ياسيدتى ولكن كيف عرفت اننى تعيس مسكين؟".
قالت بصوت نزق: "كلنا تعساء مساكين".
ثم صفقت الباب وكان التليفون يرن مرة اخرى.

--------------------------------------
* يوجينيو مونتال Eugenio Montale  (1896 - 1981) اكثر الشعراء الايطاليين اثرا فى القرن العشرين، يماثل تأثيره فى الشعر الايطالى تأثير ت. س. أليوت فى الشعر الانجليزى. ترجم الى الايطالية العديد من الكتاب الكبار مثل شكسبير وكورنى وهاوثورن وميلفيل. حصل على جائزة نوبل في الاداب عام 1975.

الأربعاء، مايو 09، 2012

الدخول والخروج من الماراثون المجنون






   
انتخابات الرئاسة لدينا مسلية جدا بصورة تجعلني اجزم اننا لم نتعود بعد على فكرة ان يكون هناك اكثر من شخص مرشح لنفس المنصب..اي منصب، ولاسيما عندما يكون منصبا خطيرا وحساسا مثل الرئاسة. وكانت الامور سهلة للغاية في الايام الخوالي حيث كان يعرض علينا نائب الرئيس – بعد ترجل الفرعون عن العرش بالموت دائما – ونخرج نحن في يوم استفتاء هاديء وجميل لنقول رأينا في الرجل. وسواء كان رأينا ايجابيا او سلبيا لم يكن احد يعرف ولم يكن احد يهتم ولم يكن ذلك يغير من الامر شيئا. كان الفرعون يصعد الى العرش وسط تصفيقنا ويتم تتويجه.  

اما الانتخابات التعددية الاولى او بمعنى اصح  التي تعتمد على اكثر من مرشح لمنصب الرئاسة والتي اجريت للمرة الاولى في عام 2005 فقد شهدت لاول مرة الفرعون الجالس على العرش تهبط من عليه ليقوم بحملة انتخابية مدعوما بحزبه القوي ضد مرشحين اخرين. ولم يلبث الفرعون ان نكل بعد الانتخابات باثنين من ابرز منافسيه بينما تاه الاخرون في زحام الحياة ولم يعد احد يسمع عنهم. وكان من بينهم الشيخ الصباحي رئيس حزب الامة الذي قال انه لو نجح لاهدى المنصب لمبارك لانه هو الانسب؟!!

اما الانتخابات الحالية فقد شهدت عدة مفاجآت كان من ابرزها تراجع الاخوان عن وعدهم بعدم تقديم مرشح منهم وكذلك ترشيح عمر سليمان في اخر لحظة وهو الامر الذي دفع البعض الى التهديد بقتله كما اثار غضب الاخوان الشديد عليه وحفزهم الى تقديم قانون العزل السياسي الذي كانوا قد تناسوه تقريبا في غمرة الدفء الذي ساد علاقتهم بالمجلس العسكري. وانسحب سليمان لخطأ اداري – او هكذا قيل - وقدم الاخوان محمد مرسي كاحتياطي للشاطر الذي بدا ان هناك موانع قانونية لترشيحه. ورفض صلاح ابو اسماعيل لانه والدته – حسب ما قيل – تحمل الجنسية الامريكية. وجرى استبعاد شفيق في ضوء قانون العزل ثم عاد الى السباق مرة اخرى واليوم سمعنا انه خرج من السباق بحكم لمحكمة القضاء الاداري وقد يعود الى الماراثون الرئاسي ربما بحكم اخر.


ومن الواضح ان مسألة الدخول والخروج لسباق الرئاسة سيظل مستمرا حتى اخر لحظة. ولا احد يعرف ما الذي سينتهي اليه الامر في نهايق المطاف. ونحن لا ندري حقيقة من الذي سيصل الى خط النهاية في هذا السباق المجنون. والملاحظ ان الجميع ينفقون على الدعاية انفاقا هائلا سواء كانوا داخل الماراثون او خارجه. وقبل خروجه من السباق غطى اصلاح ابو اسماعيل جدران مصر كلها تقريبا وزجاج سياراتها بملصقاته. والان تجد ملصقات محمد مرسي تقريبا في كل متر في شوارع البلد مدعوما بثراء ورأس مال الإخوان.

لقد ظهرت شائعات بان الدكتور عبدالمنعم ابو الفتوح يحمل الجنسية القطرية كما قيل ان عمرو موسى له شقيق اسرائيلي. طبعا كل منهما نفى هذا الشائعات بشدة، ولكن لا يجب ان ننسى ان موضوع والدة الشيخ صلاح ابو اسماعيل كان في البداية ايضا شائعة. ومع اقتراب الانتخابات قد تبدأ عملية غربلة قوية للمرشحين فهذا لديه جواز سفر ماليزي وذاك والدته من اصل كيني وثالث لديه رخصة قيادة فرنسية ورابع اتضح انه متزوج من خادمته الفلبينية. وقد نصل في نهاية السباق ولم يبق احد ممن تقدموا من البداية.

ما الذي يمكن ان يحدث في تلك الساعة؟. لا احد يعرف ولكن المؤكد ان اللواء ممدوح شاهين الفقيه الدستوري للمجلس العسكري سيجد للامر مخرجا.


----------
كلمات دلالية - مصر- انتخابات - رئاسة - سباق - مرشحون - احمد شفيق - ممدوح شاهين

الثلاثاء، مايو 08، 2012

مورستان العباسية




يقال ان كلمة مورستان جاءت من كلمة بيمارستان. والكلمة الاخيرة هي كلمة فارسية تعني مستشفى. ويعتبر البيمارستان، الذي كان الاطباء المسلمون اول من فرق بينه وبين دور العجزة والمصحات التي يعزل فيها المجانين، هو الاساس الحقيقي للمستشفيات المعاصرة. غير ان هذه المستشفيات عندما تدهورت احوالها واهملت وهجرها المرضى لم تعد تستخدم الا لعزل المجانين وصارت كلمة مارستان او مورستان تعني مأوى المجانين.

ويبدو ان مصر كلها تحولت الى مورستان كبير. فهناك اشخاص ذهبوا للاعتصام في العباسية دون ان يكون هناك اقتناع لدى الاخرين بقضيتهم ومبررات اعتصامهم. ورأوا ان هذا الاعتصام ليس شيئا طيبا وان تفريقه واجب حتى لو تم استخدام البلطجية والمأجورين واللجوء الى العنف والاسلحة. وبين الدفاع عن حق المعتصمين في الاعتصام السلمي ورغبة الاخرين في ازاحتهم تسقط الجثث ويصاب الضحايا ولا تجد مديرا لهذا المورستان الكبير الذي تضغط اسواره على اعصابنا وعقولنا دون ان نستطيع له دفعا.

والبيمارستان المصري المعاصر الذي نعيش فيه يختلف عن البيمارستانات السابقة ففي بيمارستانات العصور الوسطى كان الخليفة او الوالي يجري راتبا للاطباء ويتكفل بإعاشة المرضى وتكلفة علاجهم أي انه كان يتولي الانفاق على نزلاء البيمارستان. اما نزلاء العباسية فهناك جانب يتم الانفاق عليه من قبل المجلس العسكري والفلول ومن والاهم وسار على نهجهم وهم كثر،  والجانب المعادي لا احد يعرف على وجه التحقيق ظروف تمويله ولا انفاقه، وانما الذي نعرفه عنهم انهم الضحايا المستضعفين الذين غرر بهم البعض ولم يرحمهم البعض الاخر.

والمعركة بي الطرفين ستظل مستمرة ولا احد يريد ان يغادر ارضية البيمارستان لان مغادرتها تعتبر تسليما بان عقله قد عاد اليه وانه يمكن ان يعامل على انه شخص عاقل يفترض فيه النهوض بمسئولياته والقيام بواجباته وهو ما ترفضه العقلية البيمارستانية تماما.

في امريكا يمكن ان يوقظوا الرئيس الامريكي ووزير الخارجية ووزير الدفاع لان مواطنا امريكيا اختطف في بيرو، اما في مصر فقد كان نحو 1400 مواطن مصري يصارعون الموت على متن عبارة السلام 98 في عرض البحر في فبراير 2006 ولم يجرؤ احد على ايقاظ مبارك من نومه الملائكي. ولذلك لا اعتبر ان قتل تسعة مصريين في العباسية واصابة بضع مئات يمثل حادثة خطيرة كما يصور البعض بل هي – في ضوء ما هو معهود – تكاد تكون نوع من الرياضة والتدريب للبلطجية، ربما استعدادا لمهام اكبر واخطر في المستقبل. 

الاثنين، مايو 07، 2012

النابغة الكتياني وسفينة مصر






سعد زغلول رحمه الله قال "مفيش فايدة". ورغم ان البعض ينفي عنه هذا القول ويقول البعض الاخر انه لا يشير الى أي سياق سياسي، الا انني تأكدت مؤخرا انه قالها وقالها على الوضع السياسي تحديدا، وحتى لو لم يكن قالها فقد قالها. كل شيء يشير الى انه "مفيش فايدة" أي لا جدوى ولا امل هناك بالمرة.

مجموعة من الناس- سنفترص انهم لا علاقة لهم بالثورة ولكنهم من مواطني المحروسة – تجمعوا في العباسية لتنظيم اعتصام. هجم عليهم بلطجية العسكر فأعملوا فيهم سنجهم وسيوفهم ورشاشاتهم حتى قتلوا منهم تسعة اوربما اكثر واصابوا نحو مئتين. كانت هذه بمثابة الطلعة الجوية الاولى تميهدا للهجوم البري الذي قامت به الشرطة العسكرية لفض الاعتصام بالقوة وتطهير منطقة العباسية من جنود الروم الذين استباحوها في غفلة من امير المؤمنين طنطاوي ورفاقه الاشاوس، الذين انحسرت كل مهامهم في المحروسة على طولها وعرضها وتعدد مشاكلها، في الزود عن حياض العباسية.  

اثناء عملية التطهير تم اعتقال كثيرين من المعتصمين - لم يستثنوا الصحفيين الذين تواجدوا في المكان كجزء من مهام عملهم وليس للفرجة او التشجيع -  وسيق الجميع الى السجون حيث بدأت حفلات تعذيب وصفها صحفيون من البديل.  ومن اوصافها اعتقد انها تفوق في سفالتها ما حدث في ايام مبارك. ابسط شيء كنا نتوقعه من الثورة التي لم تحقق عدالة اجتماعية ولا أتت باموال المصريين في الخارج ولا ادانت الذين جرفوا مصر على مدى ثلاثة عقود – ان يتوقف التعذيب. وعدم توقفه معناه انه لا ثورة ولا يحزنون ولا أمل ولا عمر ولا نيلة.  

بعد فاصل قليل خرجت علينا وسائل الاعلام تبلغنا بان الفيلد مارشال طنطاوي زار افراد القوات المسلحة المصابين في مستشفى كوبري القبة. وهو امر عادي لولا ان السادة افراد القوات المسلحة الذين كان سعادته يزورهم ويجلس بجانبهم كانت لهم لحى طويلة وهو امر غير معهود في افراد القوات المسلحة المصرية، مما جعل الناس تقع في حيرة من امرها. وسيظل الناس في حيرة وعجز عن تفسير ما رأوه الى ان يتفضل عليهم المشير بتوضيح ما استغلق على افهامهم المحدودة، مثلما فسر قضية البنت التي سحلت في التحرير لكارتر بان الفيديو ملفق.

حدثت مشادة مع السعودية فذهبت الهيئة التشريعية بقضها وقضيضها وجناحيها مع بعض الشخصيات العامة لاصلاح ذات البين ولكن كبير الوفد الدكتور الكتاتني جاء ليبلغنا بانه لم يتطرق الى موضوع احمد الجيزاوي المعتقل المصري في السعودية الذي كان السبب وراء اندلاع الازمة، وحول الرحلة من رحلة لاصلاح ذات البين الى اعتذار واسف هو ووفده وكأن شيئا لم يحدث بعد الثورة. الكتاتني في اعتذارياته التي فاقت اعتذاريات النابغة الذبياني نسى انه يمثل شعبا وراح يتحدث وكأنه موفد مبارك لجلالة الملك. وجاء سعادته ليبلغنا بانه لن يتدخل في قضية الجيزاوي وانه يثق في القضاء السعودي. ولكن ما رأي سعادته في ان القضاء السعودي لا يوفر ضمانات حماية كافية لمن يمثل امامه وان الجمعية السعودية لحقوق الانسان ما هي الا جهاز حكومي، وانها رغم ذلك لا تعمل بحرية كاملة.

نحن نجل الشعب السعودي ونحترمه ونعتبر علاقتنا به علاقة ازلية ومهما حدث من شد وجذب فهي ثابتة وراسخة في رسوخ الجبال، ولا نقبل كذلك باهانة الحكام السعوديين ولا غيرهم من الحكام العرب. ولكن النابغة الكتياني حول المسألة الى اعتذار من (خلفاء) مبارك الى جلالة الملك، أي ان الشعبين المصري والسعودي كانا غائبين تماما عن القضية كلها والدليل على ذلك تجاهل الجيزاوي، وكأن مصر لم يحدث فيها تغيير، بل ربما كانت الامور ستتم بصورة افضل في عهد مبارك. فبدلا من الوفد الطويل العريض وخطبه الممجوجة كان مبارك سيحل الامر بمكالمة هاتفية مع جلالة الملك وينتهي الامر.

ان حملة الاعتذارات كلها تجاهلت شيئا هاما وهي ان النظم قابلة للتغيير في أي وقت وان الشعوب هي الباقية والعلاقة بين النظم يمكن ان تتبدل في أي لحظة ولكن العلاقة بين الشعوب هي الدائمة. لقد تبدلت في بحر عام واحد اربعة انظمة عربية والبقية تأتي، ولكن علاقات الشعوب ظلت كما هي بلا تبدل ولا تحول. غير ان وفدنا الكبير ربما ينطبق عليه ما قاله شوقي عند عودة عرابي الى مصر من المنفي في عام 1901 مع تباين الحالتين:

صـَغـار في الذهـاب وفي الإياب *** أهــذا كـــل شــأنك يـا (كتاتني)؟
عفـا عــنك الأبـاعد والأداني *** فمـن يعـفو عن الوطـن المصـاب؟
وما سألوا بـَنيكَ ولا بـَنينا *** ولا التفتوا إلى القوم الغـِضاب
فـَعـِش في مصرَ موفورَ المعالي *** رفيعَ الذكـْرِ مـُقتـَبـِل الشباب
أفرقٌ بـَينَ (رياض) ومـِصـْـر *** وفي كِلْتـَيـْهـِما (بيض) الثياب؟
  
الصراع بين الحكومة والمجلس يقدم فاصلا اخر من الكوميديا السوداء حول مستقبل مصر. المجلس يحاول اقالة حكومة الجنزوري وعلق جلساته كنوع من الاحتجاج ولكن الجنزوري –وهو رجل من بقايا نظام مبارك البائد – لوح لهم بالعصا عندما ايقن ان تقديم الجزر لم يعد مجديا وهددهم بحل البرلمان. وغضب الكتاتني واثار القضية واغرب ما في الامر انه استشهد بسامي عنان. ومن فاصل كوميدي الى فاصل كوميدي اكثر سوادا تمضي مصر.

مصر في ايامنا السوداء هذه اشبه بسفينة توقفت محركاتها وهي في عرض البحر تتقاذفها الرياح. وقد تدفعها رحمة ربك الى بر الامان لترسو ويترجل ركابها في سلام او تصطدم بجبل جليدي هائم في المياه. 

الأحد، مايو 06، 2012

أفراح العباسية



  

فرق هائل بين الجنود الذين كانوا يعبرون عن فرحتهم بانتصار اكتوبر وكسر الكبرياء الاسرائيلي وتحرير جزء من ارض سيناء في عام 1973 والجنود الذين راحوا يرقصون أول امس احتفالا بنجاح فض الاعتصام وتحرير منطقة العباسية من أيدي المعتصمين. الفارق بين الصورتين يروي حكاية تحولات كبيرة في حياة المصريين شعبا وجيشا على مدى ما يقارب 40 عاما.

ومثلت معاهدة السلام قيدا على الجيش المصري في تعداد القوات والانتشار في سيناء التي كانت ميدان اخر معاركه الكبرى ضد العدو الاسرائيلي. ومنذ تلك الحرب لم يقم الجيش بمهام عسكرية كبرى الا خارج الاراضي المصرية، في مساندة القوات الامريكية في تحرير الكويت في عام 1991 والقيام ببعض مهام حفظ السلام في البوسنة وفي دارفور بالسودان.

ومع سيطرة ثقافة السلام والاحساس بالاطمئنان المؤقت للجبهة الشمالية اتجه الجيش الى المشاريع الاقتصادية وبدأ ينمي امبراطورية ضخمة من الأعمال يقال انها تصل الى ما يتراوح بين 30 الى 40 في المئة من اقتصاد البلاد. ولعل ذلك كان واضحا عندما منحت القوات المسلحة خزينة الدولة مليار دولار في العام الماضي.

غير ان الثورة تبعها حالة من التنقيب في اشياء كثيرة كانت اشبه بالمحرمات في مصر من قبل ومنها التساؤل حول دور المؤسسة العسكرية في البلاد واقتصادها وميزانيتها ودورها في الثورة، وتزامن مع ذلك بروز بعض حالات السخط المكتوم داخل صفوف الجيش نفسه والتي تبدت في حركة بعض الضباط الذين انحازوا الى الثوار في الميادين غير عابئين بالعواقب التي يمكن ان تصل الى حد عزلهم من وظائفهم وتقديمهم الى محاكمات عسكرية.

لقد أدت الثورة الى حالة من الفضول وحب التلصص على المؤسسة العسكرية وتمحيص اشياء كان التطرق اليها من قبل يعد امرا صعبا للغاية. ويمكننا ان نقول ان الثورة احدثت تغيرا نوعيا كبيرا في العلاقات المجتمعية بين الجيش والشعب وحتى داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وربما كانت تلك إحدى حسنات الثورة القليلة.

والواقع انه حدث نوع من التدفق المعلوماتي حول المؤسسة العسكرية بعد الثورة وتناول كثيرون الحديث عنها بصراحة وبدون هوادة. وما يحدث في مصر من تناول المؤسسة العسكرية بالنقاش هو امر حدث ويحدث في اسرائيل منذ فترة طويلة وهو ما يرصده كتاب Israel and its Army: From Cohesion to Confusion للباحث الاسرائيلي ستيوارت كوهين والصادر في عام 2008 عن دار نشر روتليدج ببريطانيا. ويدرس الكتاب التحولات الجارية في العلاقات المدنية-العسكرية والعلاقات المجتمعية العسكرية داخل اسرائيل. ويتطرق الكاتب في بحثه الى كل ما يخص الجيش الاسرائيلي وعلاقته بالمجتمع من سياسات التجنيد الى المثلية الجنسية وتجنيد المتشددين ومحاولات التهرب من الخدمة والميزانية. ورغم ان كاتب هذه السطور ترجم هذا الكتاب منذ عدة سنوات لدار نشر كبرى في القاهرة، الا انني علمت مؤخرا ان هناك اتجاه لعدم نشر الكتاب، ولم يعلن عن سبب محدد.

 

وللاسف الشديد كان الجيش المصري في عهد مبارك يستخدم في مهام لخدمة المصالح الاقتصادية للنخبة الحاكمة وايضا في خدمة اهدافها السياسية ومعاقبة خصومها، وهو أمر كان يثير غضب الناس ذوي العلاقة بهذه التحركات. وسوف اذكر بعض الامثلة التي تحضرني في هذا الصدد: في الثالث من ديسمبر عام 2007 قامت قوات من الجيش المصري باحتلال جزيرة القرصاية في وسط النيل في الجيزة ونصبوا فيها الخيام ورفعوا عليها الاعلام. وقيل في ذلك ان الرئاسة هي التي ارسلت الجنود في محاولة لارهاب الاشخاص المقيمين عليها لمغادرتها. وذكر في اسباب ذلك الكثير من المبررات منها ان مجموعة من المستثمرين تستعد لاقامة مشاريع سياحية ضخمة على الجزيرة بدعم اولاد مبارك. ولكي نعرف مدى التحول الذي حدث بعد الثورة نقول ان الصحف بما فيها المستقلة لم تذكر الجيش باسمه انذاك بل قالت انها "جهة سيادية".

 

عقب صدور القرار الجمهوري رقم (66) لسنة 2009 والخاص بضم مساحة 16409 فدان من الاراضي الموجودة على طريق مصر الاسماعيلية الصحراوي الى مدينة العبور، ارسلت بعض وحدات الجيش لحراسة الاراضي في هذه المناطق ومنع ادخال مواد البناء إليها بحجة منع البناء العشوائي. واغلب هذه الاراضي مباعة لمواطنين عاديين من قبل حائزيها الاصليين. وقيل في تفسير ذلك انه كانت هناك محاولة لانتزاع هذه الاراضي من حائزيها تحت ذريعة عدم صحة ملكيتها وانه كانت هناك مشاريع لبعض الشخصيات النافذة في النظام ومنها البيت الرئاسي بشأن هذه الاراضي، وان صدور القرار الرئاسي كان مقصودا منه التمهيد لانتزاعها. ولكن الجنود على أي حال انسحبوا من اماكنهم بعد الثورة.

 

اما الامر الذي يشبه الظاهرة ولا يعد حادثا منفصلا مثل الحادثين المذكورين اعلاه بل جرى التوسع فيه حتى بعد الثورة فهو استخدام الجيش في اصدار احكام من محاكم عسكرية ضد مدنيين مناوئين للسلطة. كان ذلك امرا عاديا في عهد مبارك ولكنه لم ينته بعد الثورة بل زاد اعداد الاشخاص الذين يقدمون للمحاكم العسكرية من المدنيين وهي محاكم استثنائية، على الرغم من الدعوات المتزايدة بعدم تقديم المدنيين الى محاكم عسكرية. 


والمحاكم العسكرية ليست هي الخطأ الوحيد للمجلس العسكري في الفترة الانتقالية بل ان الامور تشير الى ان المجلس يكرر نفس الاخطاء احيانا بحذافيرها ولاسيما في الرد على المظاهرات والاعتصامات. واعتصام العباسية رغم عدم عقلانيته ولا منطقيته، الا ان الرد على خطأ لا يكون بخطأ افدح. وسحل المعتصمين واطلاق البلطجية عليهم حتى لو كانوا يعتصمون في المكان الخطأ والتوقيت الخطأ هو سلوك غير منطقي هو الاخر. والجنود الذين كانوا يرقصون لا ينظرون الى الأمر على انه خلاف وصراع بين الجيش والمدنيين قابل للتفاوض والحل، بل ينظرون الى فض الاعتصام على انه نجاح لهم في المهمة التي كلفوا بها.

الجيش المصري بعد الثورة بحاجة الى اتباع شفافية مطلقة في كل شيء ولاسيما في الجوانب المالية لانه يستحيل الفصل بين الجانب العسكري والمدني في الانفاق في المجتمع. ومن الامور الطبيعية جدا ان تجد الدول تقلص انفاقها العسكري في حالة الازمات المالية ولعل ابرز مثال على ذلك امريكا التي تخوض حربين في اسيا وتهدد بخوض ثالثة في نفس القارة.


الجمعة، مايو 04، 2012

جي دي موباسان والثورة المصرية







الكاتب الفرنسي جي دي موباسان له قصة قصيرة مشهورة جدا اسمها "العقد" تذكرنا باحوال الثورة المصرية. وتروي القصة حكاية فتاة جميلة من اسرة من صغار الموظفين تتزوج من موظف صغير ايضا ولكنها لا تشعر ابدا بالرضا عن حياتها وتعتقد ان جمالها هذا يستحق اكثر من مجرد هذه الزيجة وهذه الحياة. ويسعى زوجها قدر طاقته المحدودة الى اسعادها ويستطيع ان يحصل لها على دعوة لحضور حفل راقص في وزارة المعارف الفرنسية حيث يعمل. ويدبران ثمن الفستان وتستعير هي عقدا من الماس من صديقة لها وتعيش ليلة كالحلم حيث تجد نفسها محط انظار الرجال واعجابهم، يسعى الجميع الى مراقصتها والتودد اليها، وتحظى باهتمام الوزير نفسه.

وتعود الى البيت نشوى بحلمها الجميل ولكن قبل ان تخلع ملابسها تكتشف انها فقدت العقد. وتنقلب حياة الاسرة من حال الى حال وبعد ان يقنطا تماما من العثور عليه يشتريان بديلا للعقد لرده ويستدينان مبلغا طائلا يستمرا  في سداده وسداد فوائده على مدى عشر سنوات تقوم هي خلالها بأعمال المنزل وشراء الخضروات عوضا عن الخدم ويقوم زوجها بعمل اخر بعد انتهاء عمله في الوزارة وتعيش حياة اقرب الى حياة الفقراء الكادحين فتتبدل ملامحها ويزوي جمالها الاخاذ وتتبدى حتى في ملابسها مظاهر الحياة الخشنة.

ويوما ما، بعد ان تنتهي من سداد كل الديون، تلتقي صدفة بصديقتها التي اعارتها العقد وتدهش صديقتها لمرآها والخشونة التي رانت على ملامحها. ولا تجد هي بأسا من ان تروي لها حكاية عقد الماس وكفاح السنوات الطوال ولكنها تعلم من صديقتها ان العقد المفقود لم يكن من الماس بل من الزجاج البراق وان ثمنه زهيد للغاية.

المصريون يشبهون هذه السيدة المسكينة فقد عاشوا ليلة 11 فبراير من عام 2011 كتلك الليلة الراقصة حيث هتفوا وغنوا ورقصوا حتى الصباح واسرفوا على انفسهم في المتعة واللهو. ولكن عندما عادوا الى منازلهم اكتشفوا ان العقد ليس موجودا في جيب أي منهم فقد وضعوه هم بانفسهم في جيب المجلس العسكري.

ولكن المجلس العسكري انكر انه رآه او سمع به او يعرف عنه أي شيء. وهبطوا الى الشوارع يسألون كل عابر سبيل وكل قائد سيارة وكل رجل يجمع القمامة اذا كان قد رأى العقد. ولكنهم كانوا متأكدين ان العقد لدى المجلس وان المجلس لا يؤتمن على الاشياء الثمينة. وبدأوا يتشاجرون شجارا مريرا وهم يبحثون عن العقد ويلقون بالاتهامات على بعضهم البعض بل ويقتتلون حتى نسوا العقد تماما وانصرفوا عنه الى القتال. وهذا هو ما يحدث امس واليوم للاسف في العباسية...قتلى بلا سبب وضحايا بلا قضية وعدم وجود ادني احساس بحرمة الحياة الانسانية وقدسيتها.  

ما يحدث في العباسية يشير الى ان الثورة تتنازعها قوى كثيرة، فريق يحاول دفعها الى الامام وفريق اخر يجرها الى الخلف وفريق ثالث يدفع بها الى دائرة تصفية الحسابات وفريق رابع يحاول استعراض قوته تحسبا لاي طاريء في المستقبل القريب. ومصر بين هذا وذاك حائرة تدفع ثمن ذلك بالدم الطاهر الذي يراق امام اعيننا. وعندما تصل الامور بشعب الى حد القتل حرصا على المصالح المادية ويصل الاستهتار بحياة الناس الى هذه الدرجة لا يكون هناك امل بالمرة في ان تمضي البلاد خطوة الى الامام ولا حتى الرجوع الى النقطة الخلفية التي انطلقت منها قبل الثورة. وهذه هي النتيجة التي يجب ان نعد انفسنا لتقبلها حتى لا تحلق بنا الاوهام عاليا ثم نرتطم بالارض في عنف.  

المصريون مازال لديهم، رغم كل شعارات الثورة، ميلا الى تأليه شخص سواء كان هذا الشخص رجل دين او رجل عسكري او حتى شخص عادي يرفعونه الى مرتبة الالهة. وسواء كان هو مقتنعا بذلك من عدمه الا انه لا يجد غضاضة في استغلال اوهامهم بل والتضحية بهم من اجل اغراض انانية وذاتية لا تمت الى الصالح العام بسبب. وكلما وقعت كارثة قلنا انه كان يمكن تجنبها وكان يمكن تجنب اراقة الدماء ولكننا لا نتعلم ولا نلبث ان نسعى سواء بوعي منا او بدون وعي الى اراقة المزيد من الدماء.

هناك تقارير كثيرة تجمع على ان المجلس العسكري استخدم البلطجية وهو امر ربما يمثل بالنسبة له هروبا من المسؤولية بدلا من استخدام جنود الشرطة العسكرية بالزي الرسمي ولكنه لا ينفي المسؤولية الاخلاقية ولا التاريخية عنه. ورغم ذلك علينا ان نتذكر جيدا ان وزارة الدفاع المصرية ليست سفارة اسرائيل وان محاولة اقتحام وزارة الدفاع ليست من الثورية ولا الوطنية في شيء، بل هي من الأعمال الغبية التي لا معنى لها ولا جدوى منها، وهي اساءة لكل مصري شريف. المجلس العسكري ليس هو الجيش المصري وانما هو في الوقت الحالي مجرد جهة تنفيذية تسيء ادارة البلاد في المرحلة الانتقالية وسط اجواء عاصفة وسيئة ساهم المجلس نفسه وقوى سياسية انتهازية اخرى في صنعها.

المجلس العسكري يشعر في موقعة العباسية وكأنه يقاتل في اخر قلاعه، فهو اشبه بوحش ضار عاث في الغابة فسادا ثم لجأ الى عرينه للاحتماء به عندما اجتمع عليه كل اهل الغابة. ولم يكن غريبا ان يستخدم احد اعضاء المجلس العسكري لفظ العرين في المؤتمر الصحفي امس. ومحاصرته في العرين لن تجدي فتيلا لانه سيخرج ليعمل مخالبه فينا من حين لاخر ثم يركض الى العرين. لقد ضاقت عليه ارض مصر كلها بما رحبت وظل يتقهقر حتى لم يعد له من وقاء سوى اسوار قلعته المحاطة بالجنود والاسلحة. المجلس في وضعه الحالي يذكرنا بمكبث في لحظاته الاخيرة عندما تحركت غابة بريمن الى قصره وتكالبت عليه الجيوش ولسان حاله يقول مثل مكبث  : "قيدوني. شدوني الى سارية كما يشد الدب. لا استطيع الفرار ولا بد من القتال حتى النهاية". غير ان المجلس العسكري لا ينتظر مصير مكبث بل يمكنه في اسوأ الاحوال ان يغلق قلعته على نفسه ويتركنا في الخارج نهبا للبلطجية بعد انتهاء مولد الرئاسة.

مصر دولة فريدة في كل شيء وهي الدولة الوحيدة في العالم تقريبا التي تجد البلطجية فيها يعملون بالسياسة سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة. والبلطجية سيدخلون التاريخ باعتبارهم من القوى الهامة التي اثرت على مجرى الثورة، بل ربما يمكننا ان نقول يوما ان البلطجية هم الذين كتبوا تاريخ الثورة. وربما يدفعهم ذلك الى السعي الى شكل من اشكال التنظيم النقابي لا يلبث ان يتحول الى حزب سياسي. وساعتها لن نندهش ان نجد مصر يوما ما خاضعة لحكم بلطجية فعليين بدلا من البلطجية المستترين الذين يحكمونها الان.



الثلاثاء، مايو 01، 2012

مصر والسعودية في آتون الربيع العربي


  

قضية المحامي والناشط احمد الجيزاوي التي اثيرت مؤخرا بين مصر والسعودية وتسببت في شد وجذب على الجانبين تثبت ان العلاقات بين الدول العربية مهما كان عمقها ومهما تشعبت فروعها ورسخت جذورها، فانها تصبح هشيما تذروه الرياح في لحظة عند بوادر أي ازمة، وهو ما يكشف عن الاختلال وعدم التوازن الكامن في هذه العلاقات.

والازمة الاخيرة في العلاقات المصرية السعودية سببها رد الفعل العاطفي المبالغ فيه من قبل المصريين والغضب السعودي الشديد الذي ادي الى اتخاذ موقف متسرع بسحب السفير وهي امور لا تحدث في العادة في الاعراف الدبلوماسية الا بعد حدوث ازمة حقيقية وكبيرة بين دولتين، لا تكون العلاقة بينهما في مثل درجة عمق وتشعب ورسوخ العلاقات بين مصر والسعودية.

وقضية الجيزاوي هي قضية فردية كان يمكن حلها من خلال القنوات الدبلوماسية لو ابدت الخارجية المصرية قدرا من المرونة والسرعة وابدت السلطات السعودية قدرا من التفهم للاوضاع في مصر. ولكن للاسف هناك سباق بين القنوات الفضائية في البحث عن الاثارة وصب النار على الزيت بأي ثمن ومن أي طريق. وفي مثل تلك الاحوال تبرز اشياء مدسوسة ومريبة مثل التصريح المنسوب لوزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بان السجناء المصريين سيعودون في توابيت وهو بصراحة تصريح لا يمكن ان يصدر من موظف صغير جدا في أي سفارة. وهناك ايضا المزايدات المشبوبة في موسم الانتخابات والبحث عن أي صيد لزيادة الرصيد.  

وقضية ما اذا كان الجيزاوي قد ذهب الى المملكة ومعه مواد مخدرة من عدمه تكثر فيها الاقوال وتتباين فيها الروايات ولكن يجب ان نقر ايضا ان الاعترافات يمكن الحصول عليها في السعودية بسهولة عن طريق التعذيب، ولدينا الكثير من الامثلة على ذلك في مصر في عهد مبارك. ولكن من المؤكد انني لو كنت انا مثلا قد سبق لي ان رفعت دعوى على العاهل السعودي في محاكم القاهرة لما فكرت ان اتوجه الى الاراضي السعودية تحت أي ذريعة مهما كانت الاغراءات.  

ولكي نفهم سر الغضب السعودي الشديد من التجمع امام السفارة ورفع الاحذية ومحاولة اقتحامها، علينا ان نتذكر ان ثوار مصريين اقتحموا السفارة الاسرائيلية في العام الماضي. والتباين في علاقة مصر بالسعودية وعلاقتها باسرائيل سواء على المستوى الحكومي او الشعبي لا يمكن ان يسمح بوضعها في سلة واحدة مع اسرائيل. وفي عام 1991 كان السعوديون يشعرون بالغضب الشديد عندما يطلق صدام حسين صواريخ سكود على تل ابيب والرياض في نفس الليلة. وكان صدام يقصد من ذلك القول بان العاصمتين سواء وهو سبب وجيه لغضب السعوديين. والغريب ان البعض حمل لافتات امام السفارة السعودية كتب عليها "نطالب بطرد السفير السعودي والسفير الاسرائيلي من مصر".

والازمة الاخيرة مع السعودية يفاقم منها احساس المصريين بان السعودية ودول الخليج تدعم نظام مبارك وتسعى الى الضغط على مصر اقتصاديا من اجل العفو عنه، وما نشرته وسائل الاعلام من ان الولايات المتحدة تحرض دول الخليج على عدم تقديم اموال لمصر.

 وأزمة العلاقات المصرية السعودية تذكرني الى حد ما بازمتنا مع الجزائر في عام 2009 والتي كانت في الظاهر مرتبطة بتنافس في كرة القدم تحول الى عنف وحاولت السلطات في الجانبين استخدامه لحشد الرأي العام، لنكتشف بعد فترة ان الخلاف كان في الاساس صراعا بين سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري وعلاء مبارك نجل الرئيس المصري في عالم التجارة والأعمال.

السعودية كانت تشعر بالارتياح اكتر في التعامل مع نظام مبارك الذي كان يشبه الى حد كبير نظم الخليج العائلية كما قبل ان تحتل مصر دورا تابعا وليس محركا في الاحداث في المنطقة.

غير ان السعودية ايضا تعاملت مع النظام الجمهوري في مصر على مدى اكثر من نصف قرن باستثناء التوتر في عهد عبدالناصر اثناء حرب اليمن. ولكن عليها الان ان تتعامل مع متغيرات جديدة في مصر بعد الثورة وتدخل في حساباتها الرأي العام المصري وليس العلاقات الشخصية بالحاكم.

والعلاقات بين مصر والسعودية هي علاقات ازلية لا فكاك منها. والسعودية كانت تتمتع في مصر بثقل كبير يكاد يوازي ان لم يفق التأثير الامريكي في عهد مبارك. وهي من الدول القليلة المرشحة لاستمرار تأثيرها وربما تعاظمه في ضوء التوجهات المتوقعة للنخبة الحاكمة المقبلة في مصر، ولكن مع اختلاف الاليات عما كانت عليه في عهد مبارك.

وتشابك العلاقات والمصالح بين الدولتين لا يسمح بترف حدوث مثل تلك الازمات، وعلى الجانبين ان يعيدا تقييم علاقتهما وتكييفها مع المتغيرات الجديدة على الارض.