الصفحات

السبت، أكتوبر 20، 2012

الرمانـــــــــــــــة




كاواباتا
 





 ياسوناري كاواباتا


تلك الليلة جردت الرياح العاتية شجرة الرمان من اوراقها.
فرشت الاوراق فى دائرة حول القاعدة.
وجفلت "كيميكو" عندما وجدتها عارية فى الصباح وتعجبت من كمال الدائرة فقد كان من المتوقع ان تبعثرها الرياح.
كانت هناك رمانة، رمانة رائعة للغاية خلفتها الرياح فى الشجرة.
ونادت امها: "تعالى وانظرى اليها".
وتطلعت امها الى الشجرة ثم ذهبت الى المطبخ قائلة: "لقد نسيت".
وجعلت الرمانة كيميكو تفكر فى وحدتهما، فقد بدت الرمانة فوق الشرفة هى الاخرى وحيدة ومنسية.
منذ اسبوعين او نحو ذلك قدم ابن اخيها البالغ من العمر سبع سنوات  لزيارتهما ولاحظ الرمان فى الحال وتسلق الشجرة.
وشعرت كيميكو انها فى حضرة الحياة.
ونادته من الشرفة: "هناك رمانة كبيرة فى اعلى الشجرة".
"ولكنى اذا قطفتها لن استطيع النزول".
وكان ذلك صحيحا، ان يهبط المرء ممسكا بيديه الاثنتين رمانة كبيرة ليس بالامر الهين. وابتسمت كيميكو فقد كان ابن اخيها حبيبا اليها.
لقد نسى كل من فى البيت الرمانة حتى مجيئه ثم نسوها مرة اخرى حتى الآن.
ثم اختفت الرمانة بين الاوراق ولكنها الآن تتجلى واضحة قبالة السماء.
كانت هناك قوة فى حبة الفاكهة وفى دائرة الاوراق حول القاعدة.
وذهبت كيميكو واسقطتها بقضيب من الخيزران.
كانت ناضجة الى درجة ان البذور بدت كما لو كانت ستشق جلدتها. والتمعت البذور تحت آشعة الشمس عندما وضعت الرمانة فى الشرفة وبدت الشمس كما لو كانت تنفذ من خلال البذور.
وشعرت كيميكو على نحو ما بالندم.
وعندما كانت مشغولة بالحياكة فى الطابق الثانى حوالى العاشرة صباحا سمعت صوت "كيكتشى". ورغم ان الباب لم يكن موصدا الا انه فيما يبدو قد اتى الى الحديقة وكان هناك الحاحا فى صوته.
ونادتها امها: "كيميكو ..كيميكو، كيكتشى هنا".
وتركت كيميكو الابرة دون ان تنسل الخيط من ثقبها وغرستها فى وسادة الدبابيس.
"كيميكو تردد كثيرا كم تود لو تراك قبل ان تذهب".
كان كيكتشى ذاهبا الى الحرب .  "ولكننا لا نستطيع ان نذهب لرؤيتك دون دعوة وانت لا تأتى رغم طول انتظارنا. انه لشىْء جميل منك  ان تأتى اليوم".
وطلبت منه ان يبقى لتناول الغداء ولكنه كان فى عجلة من امره.
"حسنا، على الاقل خذ رمانة؛ لقد زرعناها بانفسنا".
ونادت على كيميكو ثانية.
وحياها بعينيه، كما لو كانت هذه التحية اكثر مما يستطيع الاتيان به فى انتظارها حتى تهبط. اما هى فتوقفت على الدرج وبدا كما لو كان شىْء دافىء قد غمر عينيه وسقطت الرمانة من يده، ونظرا الى بعضهما البعض وابتسما.
وعندما ادركت انها كانت تبتسم تضرج وجهها بحمرة الخجل.
ونهض كيكتشى من الشرفة.
"اهتمى بنفسك يا كيميكو".
"وانت ايضا".
واستدار بالفعل وكان يودع امها.
ونظرت كيميكو الى بوابة الحديقة بعد ان رحل.
قالت امها: "كان فى عجلة كبيرة، وكم هى رمانة رائعة".
لقد ترك الرمانة فى الشرفة.
من الواضح انه اسقطها عندما غمر ذلك الشىء الدافىء عينيه وكان قد بدأ يشطرها ولكنه لم يكن قد قطعها الى نصفين بصورة كاملة.  كانت ملقاة والبذور الى اعلى.
اخذتها امها الى المطبخ وغسلتها ثم ناولتها لها فتجهمت كيميكو وتراجعت ثم تضرج وجهها بحمرة الخجل ثانية وتناولتها  فى ارتباك.
يبدو ان كيكتشى قد اخذ بعض البذور من طرف الرمانة.
ومع نظر امها اليها، كان سيبدو غريبا ان ترفض كيميكو الاكل من الرمانة فراحت تقضمها بلا اكتراث وامتلأ فمها بالحموضة واستشعرت نوعا من السعادة الحزينة كما لو كانت تتغلغل فى كيانها.
وبلا اكتراث نهضت امها واقفة.
ذهبت الى المرآة وجلست امامها،  "انظرى الى شعرى، لقد ودعت كيكتشى بهذا الشعر الاشعث المنكوش".
واستطاعت كيميكو ان تسمع صوت المشط.
قالت امها بصوت ناعم: "عندما مات ابوك كنت اخاف ان امشط شعرى، وعندما كنت امشط شعرى كنت اسهو عما اقوم به وما ان افيق الى ما افعل حتى يبدو كما لو كان ابوك ينتظرنى لانتهى من زينتى".
وتذكرت كيميكو عادة امها فى التهام ما يتركه ابيها على صحفته.
وشعرت بشىء ما يدغدغ حواسها، سعادة جعلتها تشعر بالرغبة فى البكاء.
من المرجح ان امها اعطتها الرمانة بسبب عزوفها عن رميها ولهذا السبب دون سواه. لقد اصبح عدم رمى الاشياء عادة.
وحدها بسعادتها الخاصة، شعرت كيميكو بالخجل امام امها.
وخطر لها انه كان وداعا افضل مما ادرك كيكتشى وانها يمكنها ان تنتظره الى اى مدى من الزمن حتى يعود.
ونظرت باتجاه امها. كانت الشمس تسقط على الابواب الورقية التى جلست خلفها امام مرآتها.
ولكنها لسبب ما كانت خائفة ان تقضم الرمانة المستقرة على ركبتيها.

ليست هناك تعليقات: