الصفحات

الثلاثاء، أكتوبر 23، 2012

الاخوان وخضرة المحشي




محمد مرسي
ماري انطوانيت



شيمون بيريز










يروي سعد الدين وهبة حادثا طريفا عندما كان يعمل في الصعيد كوكيل نيابة وذهب مع مأمور المركز لحضور جنازة احد أعيان الصعيد. واثناء الجنازة وهم يوارون الميت الثرى وفي لحظات دقيقة للغاية انفجر احد ابنائه باكيا وهو يخاطب ابيه: "ما تزعلشي ياغالي..انت سايب وراك رجالة جزمة الصغير فيهم برقبة الى واقفين دول كلهم". واشار بيده الى كل المشعين. ويقول وهبة انه تمالك نفسه حتى لا ينفجر ضاحكا بينما همس له المأمور : المرحوم ما شاء الله عرف يخلف.

اتذكر هذا الحادث الطريف كل يوم عندما يخرج علينا الاخوان بخطاب غريب ومريب. فمن الحديث الخائب عن توفر المانجو في الاسواق وانخفاض اسعارها الى رسالة مرسي العاطفية الى شيمون بيريز. وانخفاض اسعار المانجو يذكرنا بالحادثة التاريخية الشهيرة التي يقال انها ألصقت بماري انطوانيت ظلما. فالشعب الذي لا يتوفر له لقمة العيش لن يعنيه تكدس المانجو في الاسواق لان هناك الكثير من فئات الشعب المصري لا تعرف تناول الفاكهة على الاطلاق واعتقد إن هذا ليس بالامر الغائب على الاخوان ومن ثم فان انخفاض اسعار المانجو لا تعنيهم في شيء. واذا كان الشيء بالشيء يذكر فاني الفت انتباههم الى انخفاض اسعار البرتقال ايضا والطماطم وخضرة المحشي ومن يدري ما الذي ستحمله الينا الايام من بركاتهم الكثيرة.

الرسالة العاطفية التي ارسلها مرسي الى الرئيس الاسرائيلي لاعتماد سفيره هي ايضا تكشف مدى التخبط الغريب في خطاب الاخوان. وليس من المتوقع بطبيعة الحال إن يكتب مرسي الى بيريز على طريقة الشاب المكلوم ويقول له "انني ارسل لكم بسفير يساوي الحذاء الذي ينتعله حكومتكم وشعبكم". وهناك اعراف دبلوماسية متفق عليها في صياغة هذه الرسائل ولكن اللغة الدبلوماسية يمكن إن تكون باردة وجافة وتفي بالكاد بالغرض ويمكن أن تكون مسرفة في التعبير عن دفء العلاقات وهو ما اختاره مرسي في رسالته. والمفارقة هنا هي أن الرسالة تتناقض مع خطاب الاخوان المعلن عن تحرير القدس ودعم الشعب الفلسطيني واخر الطنطنة الفارغة التي صدعونا بها. اطرف ما في الامر ان الاسرائيليين يرشحون مرسي بفضل خطابه البليغ لجائزة نوبل للسلام.

الاخوان هدموا الانفاق بصورة ربما تفوق ما كان يقوم به مبارك والذين فرحوا بمجيئهم للسلطة في حماس يشعرون الان بخيبة الامل والاحباط. أما قطر كما يقول المحلل الاماراتي سلطان القاسمي فقد خصصت نحو ربع مليار دولار للبينية التحتية في القطاع المحاصر واقامت مكتبا دبلوماسيا لها فيه كما اعلنت عن زيارة مزمعة لاميرها الى القطاع.

ربما كان الاخوان في سنة اولى حضانة بالنسبة لشؤون الحكم ولكنهم لا يتعلمون بسرعة ومصر في وقت لا تحتمل فيه الصواب والخطأ ولا التناقض الفج في التصرفات.

الاثنين، أكتوبر 22، 2012

الهندى الذى اخذ بثأره

 
ملتا


ديمتريو اجويليرا ملتا*

"لقد احببتك كما لم يحب احد احدا.. فهل تعرفين ذلك؟  بسببك انت اصبحت بحارا  وسافرت الى كل الأماكن.. بسببك انت اصبحت تقريبا محتالا وهجرت حتى امى المسكينة : بسببك انت التى خدعتنى وجعلتنى العوبة...ولكنى اخذت بثأرى: عرفت قبل الآوان كل ماسيقع لك.. وهذا هو ماجعلنى اتركك تذهبين مع هذا السكير الذى يطعمك وأولادك باللكمات".

كان الشاطىء مكسوا بالزبد، وخلفه، كان البحر يتلاطم غضبا، والامواج الهائلة تتساقط على الصخور كأسماك متعددة الالوان، وكانت "اندريا" تنصت اليه فى صمت.

"لوكان احد غيرى ...آه... لكان تحدى "اندرياس" الى القتال بالمدى الضخمة وقتله... ولكن لست انا الذى يفعل ذلك. لم يكن مذنبا. الشخص الوحيد الذى يقع عليه اللوم هو انت.. انت التى خدعتنى وانت التى يجب ان تعانى مثلما كنت اعانى...

سقطت عند اقدامهما موجة مثل سمكة "راى" ضخمة وشفافة فقاطعته. كان البحر يقذف بصرخات تصم الآذان. ولكى تسمع "ميليشيادس" كان عليها ان تقترب منه حتى اوشكت ان تلتصق به. علاوة على ذلك فان البرد...

"هل تذكرين كيف وقع ذلك؟. اما انا فأتذكره كما لوكان فقط بالأمس. كنا طفلين ثم كبرنا بجوار بعضنا البعض. وكان على الامور ان تسير فى مجراها الطبيعى فخطبنا لبعضنا وكنا بسبيلنا الى الزواج... وفجأة طلبونى لكى أعمل على قارب "دون جوايامابى" وغادرت لأننى كنت بحاجة الى النقود. حتى انت بكيت لفراقى. وانصرم شهرعلى ماأعتقد. كنت اعمل حول نهر "جواياس" ومعى بعض الاخشاب، سعيدا ان اعود بسرعة...ثم اخبرنى  "بادولاك" أنك قد فررت مع اندرياس ولم يعرف احد عنك شيئا. هل تذكرين؟.

كانت البرودة تشتد والأصيل آخذ فى الظلمة، وكان البحر قد بدأ يهدأ والامواج تخور على الشاطىء فى وهن وظهر فى المدى شراع سفينة صغيرة.

"كنت مبلبلا وغاضبا، وحدثتنى نفسى ان اقتله ولكنى بعد ذلك رأيت ان افضل شىء يمكننى ان افعله هو الثأر فأنا اعرف اندرياس، واعرف ان ما ينتظرك معه ليس سوى الضرب والشقاء. ولذلك كان هو افضل شخص يثأر لى... وماذا بعد ؟. عكفت على عملى بكل الجد والمثابرة. لم ارد ان اعرف اى شىء آخر عنك. زرت العديد من المدن وقابلت الكثير من النساء. ومنذ شهر قلت لنفسى: اذهب لترى تلك الثمرة الناضجة‍‍".

كانت الشمس تختفى خلف اشجار التين الهندى السوداء الضاربة الى الخضرة، وكانت اشعتها الوهمية تتراقص على جسد المرأة الهندية  فتضفى عليها الوانا غريبة. بدت الصخور كما لوكانت تنبض بالحياة  وبأمكانك ان تقول ان البحر كان مرجا يضج بالزهور المتعددة الألوان.

"لقد وجدت انك تغيرت .. هل تعرفين ذلك؟ لقد اصبحت قبيحة واصبحت عجفاء، وتتجولين فى هيئة رثة. لم تعدى تساوين قلامة ظفر. كل مابقى لك هو ان تعانى كلما فكرت فى حالك لوكنت معى وما تعيشين فيه الآن. هل تعرفين ذلك؟ والآن اذهبى لأن زوجك لاشك ينتظر ان تقدمى له عشاءه ..امضى ..تحركى والا عوقبت بالضرب الليلة....

كان شراع السفينة يزداد ضخامة، وبضع بجعات يعبرن السماء فى تهاد. وكان البحر هادئا وساكنا وابتسامة غريبة تغضن شفتى الهندى الذى اخذ بثأره.


------------------------

* ديمتريو اجويليرا ملتا (1909- 1981 ) كاتب روائى وقصصى كما انه اكبر كاتب مسرحى اكوادورى. ولد فى جواياكيل وبدأ حياته كمدرس بالمدارس الثانوية ثم ارتقى حتى وصل الى منصب وكيل وزارة التعليم العام كما عمل استاذا زائرا بكلية سكريبز وجامعة كاليفورنيا. وتقع الكثير من احداث قصصه ورواياته فى المنطقة الصغيرة الواقعة عند مصب نهر جواياس.   



أوراق الخيزران

 
 ياسوناري كاواباتا 

وضعت "أكيكو" الدلو بجانب نباتات الخطمى الوردى ثم انتزعت عدة اوراق من شجرة الخيزران القصيرة المنتصبة تحت شجرة الخوخ واسقطتها فى الماء.
"انها قوارب..هل تحبها؟".
وحدق الصبى فى الدلو ثم نظر الى اكيكو وابتسم.
قالت له امه: "اكيكو صنعت لك قوارب لطيفة لانك ولد طيب للغاية، وسوف تلعب معك اكيكو مادمت ولدا طيبا".
كان الصبى شقيق خطيب اكيكو وخرجت اكيكو الى الحديقة لانها احست ان امه تريد ان تنفرد بأبيها، كان يثير المتاعب وقد اتت به امه معها،  فقد كان اصغر اخوة خطيبها. راح يضرب الأوراق ويحركها بشدة: "انهم يتقاتلون" وكان سعيدا للغاية.
عصرت اكيكو الكيمونو الذى كانت تغسله ثم نشرته على حبل الغسيل ليجف.
وضعت الحرب اوزارها ولكن خطيبها لم يعد بعد.
قال الصبى وهو يخض الماء بعنف اكثر:"قاتلوا..قاتلوا بشدة اكثر".
"انك تنثر كل الماء على نفسك"
"ولكنهم لا يتحركون"
وكان ذلك صحيحا فعندما سحب يده صارت الاوراق ساكنة بلاحراك.
"سوف ناخذهم الى النهر وسوف يجعلهم ذلك يستمرون فى الحركة".
جمع الصبى الاوراق وسكبت اكيكو الماء على نباتات الخطمى الوردى ثم اعات الدلو الى المطبخ.
ووقفت على صخرة ناحية اعلى المجرى واسقطت الاوراق واحدة تلو الاخرى.
وراح الصبى يصفق بابتهاج:"قاربى يفوز..انظرى،انظرى".
وركض باتجاه مجرى النهر حتى لايفقد اثر القارب الذى يسير فى المقدمة.
ورمت هى بالاوراق الاخيرة فىالنهر وانطلقت خلفه.
يجب ان تكون حريصة على استقرار قدمها اليسرى كلها على الأرض، فقد اصيبت بشلل الاطفال وكعبها الايسر لايمس الأرض.  كان ضئيلا وواهنا وقوس القدم عاليا.
لم تكن قادرة على نط الحبل او السير لمسافة، واستسلمت لفكرة عدم الزواج ثم خطبت. وليقينها ان ثبات العزيمة يمكن ان يتغلب على العيوب الجسمية، فقد حاولت بجدية اكثر من ذى قبل ان تسير وكعبها الايسر على الارض.  ورغم ان قدمها تقرحت بسرعة، الا انها مضت فى تصميمها، ثم حلت الهزيمة واضطرت الى الاستسلام.  كانت الندوب التى تركتها القروح مازالت هناك مثل قروح قرصات البرد الشديدة.  
كانت تستخدم كعبها الايسر لاول مرة منذ فترة طويلة لان الصبى الصغير كان شقيق خطيبها.
كان النهر مجرى ضيقا تتدلى فيه الاعشاب التى علق بها قاربان او ثلاثة، وكان الصبى يتقدمها بحوالى عشر خطوات منصرفا الى العناية بالقوارب غير منتبه لاقترابها ولا عابىء للطريقة التى تسير بها.
وجعلها التجويف البادى فى مؤخرة عنقه تفكر فى خطيبها وودت لو ضمت الصبى بين ذراعيها.
خرجت الام وقالت: "وداعا"،  ثم اخذته من يده منصرفة.
وقال هو الآخر بهدوء:"وداعا".
اما ان خطيبها قد مات او ان الخطبة فسخت.
لعله طغيان العاطفة على العقل فى وقت الحرب هو ما جعله فى المقام الاول يرغب فى الزواج من فتاة عرجاء.
لم تدخل المنزل وذهبت بدلا من ذلك لتطالع البيت الذى كان يقام بجانب منزلهم. كان أكبر بيت فى الناحية كلها وكان الجميع يتطلعون اليه. توقفت اعمال البناء فيه اثناء الحرب حتى نمت الاعشاب واستطالت حول الواح الخشب ولكن فجأة كان البناء يمضى على قدم وساق مرة اخرى، وكان هناك شجرتا صنوبر قلقتان على البوابة. بدا البيت لاكيكو جامدا وقاسيا الى حد ما ولكن به عدد هائل من النوافذ وبدت الردهة كما لو كانت مكسوة تماما بالزجاج.
كانت ثمة تكهنات عن الناس الذين سينتقلون اليه ولكن احدا لم يكن يعرف على وجه اليقين.

السبت، أكتوبر 20، 2012

الرمانـــــــــــــــة




كاواباتا
 





 ياسوناري كاواباتا


تلك الليلة جردت الرياح العاتية شجرة الرمان من اوراقها.
فرشت الاوراق فى دائرة حول القاعدة.
وجفلت "كيميكو" عندما وجدتها عارية فى الصباح وتعجبت من كمال الدائرة فقد كان من المتوقع ان تبعثرها الرياح.
كانت هناك رمانة، رمانة رائعة للغاية خلفتها الرياح فى الشجرة.
ونادت امها: "تعالى وانظرى اليها".
وتطلعت امها الى الشجرة ثم ذهبت الى المطبخ قائلة: "لقد نسيت".
وجعلت الرمانة كيميكو تفكر فى وحدتهما، فقد بدت الرمانة فوق الشرفة هى الاخرى وحيدة ومنسية.
منذ اسبوعين او نحو ذلك قدم ابن اخيها البالغ من العمر سبع سنوات  لزيارتهما ولاحظ الرمان فى الحال وتسلق الشجرة.
وشعرت كيميكو انها فى حضرة الحياة.
ونادته من الشرفة: "هناك رمانة كبيرة فى اعلى الشجرة".
"ولكنى اذا قطفتها لن استطيع النزول".
وكان ذلك صحيحا، ان يهبط المرء ممسكا بيديه الاثنتين رمانة كبيرة ليس بالامر الهين. وابتسمت كيميكو فقد كان ابن اخيها حبيبا اليها.
لقد نسى كل من فى البيت الرمانة حتى مجيئه ثم نسوها مرة اخرى حتى الآن.
ثم اختفت الرمانة بين الاوراق ولكنها الآن تتجلى واضحة قبالة السماء.
كانت هناك قوة فى حبة الفاكهة وفى دائرة الاوراق حول القاعدة.
وذهبت كيميكو واسقطتها بقضيب من الخيزران.
كانت ناضجة الى درجة ان البذور بدت كما لو كانت ستشق جلدتها. والتمعت البذور تحت آشعة الشمس عندما وضعت الرمانة فى الشرفة وبدت الشمس كما لو كانت تنفذ من خلال البذور.
وشعرت كيميكو على نحو ما بالندم.
وعندما كانت مشغولة بالحياكة فى الطابق الثانى حوالى العاشرة صباحا سمعت صوت "كيكتشى". ورغم ان الباب لم يكن موصدا الا انه فيما يبدو قد اتى الى الحديقة وكان هناك الحاحا فى صوته.
ونادتها امها: "كيميكو ..كيميكو، كيكتشى هنا".
وتركت كيميكو الابرة دون ان تنسل الخيط من ثقبها وغرستها فى وسادة الدبابيس.
"كيميكو تردد كثيرا كم تود لو تراك قبل ان تذهب".
كان كيكتشى ذاهبا الى الحرب .  "ولكننا لا نستطيع ان نذهب لرؤيتك دون دعوة وانت لا تأتى رغم طول انتظارنا. انه لشىْء جميل منك  ان تأتى اليوم".
وطلبت منه ان يبقى لتناول الغداء ولكنه كان فى عجلة من امره.
"حسنا، على الاقل خذ رمانة؛ لقد زرعناها بانفسنا".
ونادت على كيميكو ثانية.
وحياها بعينيه، كما لو كانت هذه التحية اكثر مما يستطيع الاتيان به فى انتظارها حتى تهبط. اما هى فتوقفت على الدرج وبدا كما لو كان شىْء دافىء قد غمر عينيه وسقطت الرمانة من يده، ونظرا الى بعضهما البعض وابتسما.
وعندما ادركت انها كانت تبتسم تضرج وجهها بحمرة الخجل.
ونهض كيكتشى من الشرفة.
"اهتمى بنفسك يا كيميكو".
"وانت ايضا".
واستدار بالفعل وكان يودع امها.
ونظرت كيميكو الى بوابة الحديقة بعد ان رحل.
قالت امها: "كان فى عجلة كبيرة، وكم هى رمانة رائعة".
لقد ترك الرمانة فى الشرفة.
من الواضح انه اسقطها عندما غمر ذلك الشىء الدافىء عينيه وكان قد بدأ يشطرها ولكنه لم يكن قد قطعها الى نصفين بصورة كاملة.  كانت ملقاة والبذور الى اعلى.
اخذتها امها الى المطبخ وغسلتها ثم ناولتها لها فتجهمت كيميكو وتراجعت ثم تضرج وجهها بحمرة الخجل ثانية وتناولتها  فى ارتباك.
يبدو ان كيكتشى قد اخذ بعض البذور من طرف الرمانة.
ومع نظر امها اليها، كان سيبدو غريبا ان ترفض كيميكو الاكل من الرمانة فراحت تقضمها بلا اكتراث وامتلأ فمها بالحموضة واستشعرت نوعا من السعادة الحزينة كما لو كانت تتغلغل فى كيانها.
وبلا اكتراث نهضت امها واقفة.
ذهبت الى المرآة وجلست امامها،  "انظرى الى شعرى، لقد ودعت كيكتشى بهذا الشعر الاشعث المنكوش".
واستطاعت كيميكو ان تسمع صوت المشط.
قالت امها بصوت ناعم: "عندما مات ابوك كنت اخاف ان امشط شعرى، وعندما كنت امشط شعرى كنت اسهو عما اقوم به وما ان افيق الى ما افعل حتى يبدو كما لو كان ابوك ينتظرنى لانتهى من زينتى".
وتذكرت كيميكو عادة امها فى التهام ما يتركه ابيها على صحفته.
وشعرت بشىء ما يدغدغ حواسها، سعادة جعلتها تشعر بالرغبة فى البكاء.
من المرجح ان امها اعطتها الرمانة بسبب عزوفها عن رميها ولهذا السبب دون سواه. لقد اصبح عدم رمى الاشياء عادة.
وحدها بسعادتها الخاصة، شعرت كيميكو بالخجل امام امها.
وخطر لها انه كان وداعا افضل مما ادرك كيكتشى وانها يمكنها ان تنتظره الى اى مدى من الزمن حتى يعود.
ونظرت باتجاه امها. كانت الشمس تسقط على الابواب الورقية التى جلست خلفها امام مرآتها.
ولكنها لسبب ما كانت خائفة ان تقضم الرمانة المستقرة على ركبتيها.

القاهرة تحت رحمة المواشي





رأيت صورا قديمة ربما في مطلع القرن العشرين للقاهرة والابل تختال في سيرها الوئيد وكذلك الحمير وعربات الحنطور قرب كوبري قصر النيل. ربما لم يكن استخدام السيارات قد انتشر كما هو الان وكانت الابل والحمير هي وسيلة المواصلات الوحيدة او الاكثر شيوعا انذاك. ولكن الغريب ان عربات الكارو مثلا لم تنقرض من القاهرة بل تجدها في كثير من الاحياء حتى ما نسميه منها بالاحياء الراقية، يجرها حمار هزيل او بغل ضامر ويمكن ان تعطل المرور او تعوقه في بعض الاحيان. 

ولان القاهرة واهلها يعيشون خارج الزمن فان نمط الحياة لا يتغير فيها الا الى الاسوأ تقريبا. ومازالت عربات الكارو ترتع فيها ليلا ونهارا ويتعمد ركابها السير في شمال الطريق حتى في الطرق السريعة غير عابئين بالسيارات ولا بالمارة. واذا كانت القاهرة فيها النذر اليسير من احترام قواعد المرور فقد زال ذلك تماما مع الثورة ومع اكتمال حصول المصريين على حريتهم المنشودة وكأن الفوضى هي أهم نتاج للثورة. ولعل اكثر ما يعبر عن اقصى درجات الحرية ان تجد عربة كارو تسير عكس اتجاه الطريق وصاحبها يلهب ظهر الحمار او البغل وهو يحرضه على المضي عكس الاتجاه. 



وقبل عيد الفطر تتحول القاهرة الى مجموعة من الحظائر. ويمكنك ان تتخيل بشاعة ما يحدث اذا كان لديك في البيت الذي تقيم فيه محل جزارة او امامك مكان خال يصلح لانشاء حظيرة مؤقتة بقطع من الخشب. ان رائحة الروث المتصاعدة تزكم انوف المارة العابرين فما بالك بالبشر الذين يعيشون في هذه العمارة او المنطقة وتظل رائحة الروث في انوفهم على مدى عشرة ايام او اكثر وتأثير ذلك على صدر الاطفال الصغار. 

ربما لو تحدث احدا عن الامر لاتهم بانه يعطل شعائر الله فقد شاع لدينا نوع من الجهل وخلط الامور قلص كثيرا من قدرتنا على التمييز. ولكن هل من التدين السوي ان تتحول القاهرة الى مجموعة من الزرائب او لنقل انها اصبحت كلها زريبة كبيرة. الا توجد طريقة متحضرة يمكن للناس ان يتجنبوا بها ايذاء الاخرين برائحة الروث والقرف طوال الايام السابقة للعيد. لا يخلو حي في القاهرة من هذه الحظائر سواء كانت للخراف او الابقار والجاموس. 

لا اعتقد انه توجد مدينة في العالم تسمح بأيواء المواشي لايام او اسابيع في اماكن مخصصة لمعيشة البشر الا القاهرة. وزوال الفروق بين مكان معيشة البشر والمواشي ليس امرا مبشرا على الاطلاق ولا يوحي اطلاقا اننا نحترم ادمية البشر ولا حتى حيوانية الحيوانات.   

الأحد، أكتوبر 14، 2012

فصل الختام في موقعة النائب العام

 


الحل التوافقي الذي تم التوصل اليه اليوم بان يرفع مجلس القضاء الاعلى الى مرسي مذكرة يطالب فيها ببقاء النائب العام في موقعه على ان يقوم مرسي بوقف اجراءات تعيين عبدالمجيد محمود سفيرا  لمصر في الفاتيكان هي مسرحية مخزية ومحزنة في ان وتشير الى مدى التخبط الشديد الذي تسير فيه مصر بعد ما يقارب عامين على الثورة.

لقد تحولت المسألة من محاولة التخلص من موظف حكومي كبير عليه علامات استفهام كثيرة من العهد الاسود لمبارك الى صراع وتحدي بين القضاء والرئاسة وهو امر للاسف يمكن ان يضعف الرئاسة ويجعل قرارات الرئيس موضع شك كبير ربما في قضايا اهم واكثر ارتباطا بمصير البلاد والعباد. وكما قلت امس يمكن ان يكون للتراجع عن القرار اثار سلبية وقد يصبح سابقة في قرارات اخرى مماثلة.

القضاء في عهد مبارك كان صامتا وهادئا ومستأنسا الا من بعض انتفاضات تيار الاستقلال التي كانت تقابل بشدة وتعسف من النظام واجهزته الامنية. والواقع ان القضاة لم يلعبوا أي دور في الثورة باعتبارهم من الفئات التي تحظى بامتيازات كبيرة. واقالة النائب العام هو مطلب شعبي منذ اندلاع الثورة ولكن العسكر حافظوا عليه في موقعه مثلما سعوا الى عدم المساس بكل اركان النظام الذي كانوا جزءا منه واضطروا الى الانقلاب عليه بدافع الحفاظ على الذات. والرجل تاريخه في العمل مع نظام مبارك لم يكن ابدا فوق مستوى الشبهات.

من الواضح طبعا ان الحكم الصادر ببراءة المتهمين في موقعة الجمل كان مجرد ذريعة للتخلص من محمود في اطار التخلص من رؤوس الفساد في عهد مبارك ولكن مرسي اخطأ بتسرعه في اتخاذ القرار واخطأ اكثر واكثر بتراجعه عنه.

ومنصب النائب العام اخطر بكثير مما نتخيل في الدول المتقدمة ويمكنه استدعاء الرئيس ورئيس الوزراء اذا ما قدم بلاغ ضد أي منهما وثبت له صحته. واجرى النائب العام الاسرائيلي مناحيم مازوز تحقيقات كثيرة مع ايهود اولمرت اثناء توليه رئاسة الوزراء كما اجرى المحقق المستقل كينيث ستار الذي عينه النائب العام الامريكي تحقيقات مع كلينتون في قضية لوينسكي المتدربة بالبيت الابيض انذاك. ولكن في مصر كان النائب العام يغض الطرف عن الفساد – ليس في الاسرة المالكة وفي دوائر السلطة العليا فحسب بل ايضا لدى المقربين من النظام حتى الدرجة الثالثة. والمفارقة ان المنصب قد يكون محصنا ضد الاقالة ولكن صاحبه لم يسع الى تحصينه ضد اتهامات الفساد والتواطؤ، ومن هنا فان المطالب الشعبية التي انطلقت للمطالبة باقالته لم تكن عبثا. 

اسوأ ما في الامر ان الكثير من المصريين لا يتصرفون الا من منطلق الحقد والكراهية حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة. متى كان عبدالمجيد محمود شخصية ثورية ليحشتد خلفه كل من هب ودب من الناقمين على الإخوان والفلول واشباههم؟. هل نحن حقا نريد تطهير مصر من الفساد؟. وهل نحن نسعى فعلا لاعادة البناء أم للصراع غير المجدي على السلطة؟. هل فكرنا في حجم بلاغات الفساد التي حفظها النائب العام طوال شغله لهذا المنصب؟. 



السبت، أكتوبر 13، 2012

نصوص نثرية من هينى

 
هذان النصان المترجمان عن الانجليزية للشاعر الايرلندي شيماس هيني نشرا بجريدة الحياة اللندنية بعد ايام من فوزه بجائزة نوبل في الادب في عام 1995.



هيني   
كتب شيماس هينى العديد من المقالات التى نشرها بعدة صحف بريطانية وايرلندية كما القى عددا من المحاضرات، وبعض هذه الكتابات يدور حول الشعر والادب والحياة ويكشف عن قدرة بارعة عن التنظير الادبى خاصة فيما يتعلق بالشعرالايرلندى والانجليزى، والبعض الآخر يدور حول طفولته وحياته. وقد جمعت بعض هذه المقالات والمحاضرات فى كتاب Preoccupations : Selected Prose, 1968 - 1978 الذى صدر فى عام 1980 عن دار نشر Faber & Faber. والنص الاول "اومفالوس" هو أول مقالة من ثلاث تحمل عنوان "موسبوم" وقد نشرت بأماكن مختلفة قبل ان يجمعها الكتاب. وقد قرئت "اومفالوس" فى راديو هيئة الاذاعة البريطانية فى عام 1978. أما النص الثانى فهو تعليق هينى على كتاب "قصائد مختارة" الذى نشر فى عام 1973 عن الشاعر الروسى ماندلستام اوسيب. وقد نشر النص بصحيفة "هايبرنيا"  الايرلندية عام 1974.








اومفالوس

اود ان ابدأ بالكلمة اليونانية اومفالوس omphalos التى تعنى السرة ومن ثم فهى الصخرة التى تحدد منتصف العالم، وأكررها اومفالوس اومفالوس اومفالوس، حتى تصبح موسيقاها الكليلة والمتدرجة فى انخفاضها هى  موسيقى شخص ما يضخ المياة  من المضخة خارج بابنا الخلفى. انها مقاطعة ديرى فى بداية الاربعينيات وقاذفات القنابل الامريكية تأن فى اتجاه المطار الحربى فى تومبريدج والجنود الامريكيون يجرون مناورة فى الحقول على طول الطريق، ولكن كل هذا الحدث التاريخى الكبير لايزعج ايقاعات الرحبة. فهناك تقف المضخة، تمثال نحيف من الحديد لها خطم وقبعة وتكسوها يد جارفة، مدهونة باللون الاخضر الثقيل، ومقامة على وطيدة من الخرسانة، تحدد منتصف عالم آخر. تسحب منها المياة خمسة عائلات والنساء تأتى وتذهب؛ تأتى تصلصل بين الدلاء الفارغة المطلية بالميناء وتمضى بهدوء، مثقلة بالمياة الصامتة. وتئوب اليها الخيول فى أمسيات الربيع الأولى المطولة وفى جرعة واحدة تفرغ دلوا ثم الثانى والرجل يضخ ويضخ والمكبس يرتفع وينخفض اومفالوس اومفالوس اومفالوس.

لا ادرى كم كان عمرى عندما ضعت فى خطوط البازلياء فى حقل خلف المنزل، ولكنه حادث يشبه الحلم بالنسبة لى وقد سمعت عنه مرارا لدرجة انه ربما كان مجرد خيال. ولكنى الى يومنا هذا تخيلته  طويلا ومرارا حتى اننى اصبحت اعرف كم كان يشبه:  نسيج أخضر،  غشاء من الضوء المعروق، وخليط من القضبان والقرنات، القصلات والحوالق، مفعمة بالرائحة الملطفة للارض والاوراق، وجار تضيئه الشمس. وانا جالس كما لوكنت استيقظت لتوى من نوم شتوى ورويدا وريدا اصبحت اعى اصوات تقترب منى، وتنادى اسمى، وبدون سبب ما، على الاطلاق، اجهشت بالبكاء.

كل الاطفال يتوقون الى ان يربضوا فى اوكارهم السرية وكنت احب تشعيبة شجرة زان على رأس جادتنا، والاجمة الكثيفة لسياج البقس أمام المنزل، وكومة القش الناعمة المتهاوية فى الركن الخلفى لزريبة الابقار. ولكنى كنت اقضى الوقت على وجه الخصوص فى حلق شجرة صفصاف عجوز فى طرف حوش المزرعة. كانت شجرة مجوفة ذات جذور ممتدة ومتعجرة ولحاء ناعم متهالك وتجويف لبى. كان فمها مثل فتحة ضخمة وصلبة فى طوق حصان وعندما تحشر نفسك فيها تكون فى قلب حياة مختلفة تنظر فى الخارج الى الرحبة المألوفة كما لوكانت تختفى خلف ستار من الغرابة. وفوق رأسك اينعت الشجرة الحية وتنفست وانت تضع كتفك على الجذع المهتز قليلا، واذا وضعت جبهتك فى اللب الخشن تشعر بقمة شجرة الصفصاف اللدن والهامس تتحرك فى السماء أعلاك. وفى ذلك الشق المحكم تشعر بأحتضان الضوء والاغصان وتكون اطلسا صغيرا تحملها جميعا على كتفك.

وكبر العالم وازدادت موسبوم* Mossbawm، المكان الاول، اتساعا، فكان هناك ماأسميناه ساندى لوننج، وهى ممشاة بين الاسيجة القديمة تقود من الطريق، اولا بين الحقول ثم خلال سبخة صغيرة، الى حوش مزرعة بعيدة. كان هناك عالم حريرى، فواح بشذى الاريج ولمسافة بضع مئات من الياردات تكون فى أمان كاف. وكان جانبا الممر حافتين من الارض متوجتين بالرتم والسرخس، يطرزهما الطحلب وأزهار آذان الدب. وخلف  الرتم، فى الحشائش الوافرة كانت المواشى تقضم بأطمئنان. ومن آن لآخر كانت الارانب تكسر هدوء السطح وتنطلق من أمامك فى فورة من الرمال الجافة. كانت هناك طيور الصعو والحسون ولكن رويدا رويدا كانت هذه الحقول المزدهرة والمحددة تتراجع امام الارض السبخة الوعرة، وتقف اشجار البتولا حتى قصبات سيقانها الشاحبة فى المستنقعات، ويسمك السرخس اعلاك. ويجعلك صوت جر القدمين فى ورقات الشجر القديمة عصبيا وتتحدى نفسك دائما فى العبور بجحرعناق الارض وهو جرح من السخساخ فى حفرة تغشاها النباتات الكثيفة حيث دلف الحيوان العجوز الى الارض. وحول حفرة عناق الارض، يربض حقل من القوى الخطيرة. كانت هذه مملكة العفاريت وقد سمعنا عن رجل سرى يجوب حواف السبخة هنا، وتحدثنا عن الغول الذى يسقسق فى الطحلب والآخر الذى يأخذ الناس ويحتفظ بهم، وهى مخلوقات لم يصنفها اى عالم من علماء الحياة الطبيعية، ولكنها رغم ذلك حقيقية. وماهو الغول الذى يسقسق فى الطحلب، على اى حال، ان لم يكن الصوت الناعم والمؤذى الذى تولده الكلمة نفسها، صفارة من الحروف المهموسة تستدرجك الى الخروج الى بحيرات السبخة  المغطاة بالحشائش البريئة، والرمال السواخة والمستنقعات؟. كانت كل هذه الاشياء هناك تنتشر على مئزر من الارض مكسو بالبتولا وتمتد نحو شواطىء لو بيج.

كانت هذه هى ارض الطحلب المحظورة . يعيش فى قلبها اسرتان  ورجل معتزل كراهب يدعى توم تيبنج لم نره ابدا، ولكن فى الصباح، فى طريقنا الى المدرسة كنا نرى دخانه يرتفع من بين لفيف من الاشجار وننطق اسمه فيما بيننا حتى صار مرادفا للرجل السرى بفدفدته غير المتوقعة فى السياج وخطواته التى تخوض فى الحشائش الطويلة.

والى يومنا هذا فان الزوايا الخضراء والمنداة، والارض القفر التى تغمرها المياة، والاعماق كثيرة السمار؛ اى مكان به دعوة الارض المائية وخضرة التندرا، حتى عندما المحه من سيارة أو قطار، فانه يستحوذ على نفسى فى التو بفتنته وجاذبيته العميقة ويبدو الامر كما لوكنت مخطوبا اليه. واعتقد ان خطبتى قد حدثت ذات مساء صيفى، من ثلاثين عاما مضت، عندما تجردت من ملابسى ومعى ولد آخر أمام اديم الريف الابيض وسبحنا فى حفرة بها طحلب وخطونا فوق الطين الذى يشبه الكبد فى سمكه، وحركنا الوحل الدخانى من القاع وخرجنا ملطخين بالطين والاعشاب ولوننا اسود. ارتدينا ملابسنا ثانية وقفلنا عائدين الى منازلنا بالملابس مبللة تفوح منها رائحة الارض  والبركة الساكنة، ولكننا كنا كمن لقن سر من الاسرار.

خلف ارض الطحلب تمتد الآفاق الضيقة للو بيج، وفى منتصف لو بيج تقع جزيرة الكنيسة، برج يرتفع بين اشجار السرو، وهى بمثابة مكة المحلية. ويقولون ان القديس باتريك قد صام وصلى هناك منذ الف وخمسمائة عام. كانت المقبرة القديمة مغطاة بنبات لحية التيس والبقدونس فى ارتفاع الكتف تتدلى فوقها  اشجار السرو الضخمة التى لم يعبث بها احد. وبصورة ما كانت اشجار السرو تأتى بى الى اجينكورت وكريسى حيث كانت تصنع اقواس رماة النبال الانجليز، كما اعرف، من السرو ايضا. وكل ما كنت استطيع ان احصل عليه لصناعة اقواسى كانت الاغصان الصغيرة المستدقة من شجر الدردار او الصفصاف التى انتزعها من سياج على طول  مخازن القش والغلال. ورغم ذلك، فان قطع فرع من ذلك الحوش الصامت فى جزيرة الكنيسة كان انتهاكا بالغ الخيانة لدرجة يصعب تأملها.

واذا كانت لو بيج تعين احد تخوم الخيال فى ارض البحث عن بيض الطيور وأعشاشها، فان سليف جالون كان يحدد تخما آخر. وسليف جالون هو جبل صغير يقع فى الاتجاه المقابل، ويأخذ العين فوق ارض الرعى والارض المحروثة وغابات مايولا البعيدة، هناك فوق جروف هيل وبارك باك وكاسلداوسون. كان هذا الجانب من الريف هو الجانب الجماعى المأهول بالناس ، ارض اكوام بسيس الحشيش الكبيرة، ومخازن القمح، والاسيجة، والبوابات، وعلب اللبن فى نهايات الجادات، ولوحات المزايدة على اعمدة البوابات. وتنبح الكلاب من مزرعة الى مزرعة وتتثاءب الحظائر الى جانب الطريق منتفخة بالعلف. وخلفها وعبرها تمتد خطوط السكك الحديدية والضوضاء التى تعلق فوقها دائما هى الضوضاء الثقيلة لتحويل القطارات من خط الى آخر فى محطة كاسلداوسون.

وعندما يعود ذلك الى يغمرنى احساس بالهواء، بالارتفاع والضوء. الضوء يتراقص منسحبا من الاماكن الضحلة لنهر مايولا متحولا فى تيارات دائرية على الدوامة شاحبة الاخضرار. والضوء يتغير على الجبل نفسه الذى يقف كبارومتر للحالات النفسية، الآن ازرق وأغبش، آن آخر اخضر وقريب. الضوء فوق برج الكنيسة، بعيدا فى ماجريفلت. الضوء يستحيل زبدا بين نبات الكشتبان على جروف هيل. وارتفاع الهواء أيضا يطن بموسيقى قوية. ويحمل المساء الصيفى النغمة الحارة والحزينة لغناء ترنيمة من ردهة بين الحقول، وازهار الزعرور البرى والاطباق الناعمة البيضاء لازهار البيلسان تتدلى كئيبة فى الاسيجة، أو قرقعة طبول اكاديمية اورانج من اوجريم هيل التى توقظ القلب وتنبهه مثل ارنب برى.

ولكن اذا كان هذا هو الريف الجماعى، فانه كان ايضا مملكة الانقسام. مثل لبد قدم الارنب التى تتلوى عبر المراعى وتشق الانفاق فى النبات الناعم تحت اعواد القمح الآخذة فى النضج، فان خطوط العداء والانتماء الطائفى كانت تتبع تخوم الارض. وفى اسماء حقوله وبلداته، وفى خليط اشتقاقاتها الاسكتلندية والايرلندية والانجليزية، كان هذا الجانب من الريف يفوح برائحة تواريخ ملاكه. بروج ولونج ريجز وبيلز هيل وبراينز فيلد وذى راوند ميدو وذى ديمين. كان كل اسم هو نوع من الحب يبذل لكل فدان ونطق الاسماء على هذا النحو يبعد الاماكن ويحولها الى ما أسماه وردزورث ذات مرة مظهر الذهن، وهى ترسخ عميقة مثل مخطوطة لاتمحى مكتوبة فى الجهاز العصبى.

دائما ما اتذكر المتعة التى استشعرها من حفر الارض السوداء فى حديقتنا والعثور، على بعد قدم من السطح، على طبقة شاحبة من الرمل. اتذكر أيضا الرجال يأتون ويغيبون عمود المضخة فى الارض ويحفرون خلال طبقة الرمل عميقا حتى يصلوا الى الثروات البرونزية للحصى والتى تأخذ فى التوحل بمياة الربيع. ان هذه المضخة تحدد هبوطا اصيلا الى الارض والرمل والحصى والمياة؛ انها تمحور الخيال وتمكنه، وتجعل من قاعدته قاعدة لاومفالوس نفسها. لذا ارى انه من المناسب تماما وجود خرافة قديمة تعزز ذلك التوق الى الجانب المختفى تحت الارض من الاشياء. انها خرافة مرتبطة بأسم هينى. وفى عصور الغال، كانت الاسرة مشغولة بالشئون الكنسية فى اسقفية ديرى، ولها بعض انواع الحقوق فى القيام على موقع رهبانى فى باناجير فى شمال المقاطعة. وهناك قديس اسمه مرداخ اوهينى مرتبط بالكنيسة القديمة فى باناجير وهناك ايضا اعتقاد ان الرمل المأخوذ من الارض فى باناجير له خواص مفيدة وحتى سحرية، اذا رفعه من موقعه احد افراد اسرة هينى. الق رمل رفعه احد افراد اسرة هينى خلف رجل ذاهب الى المحكمة وسوف يكسب قضيته. القه خلف فريقك وهم ذاهبون الى الملعب وسوف يفوزون بالمباراة.         
__________________________
* اسم المزرعة التى ولد بها الشاعر ومازال ثلاثة من اخوته يعملون بها.



 

الايمان والامل والشعر
ماندلستام اوسيب*


لقد اصبحت مقولة "الفن من اجل الفن"  Art for art's sake موضع سخرية بسبب الفكرة القاصرة عما يمكن ان يحيط به الفن وغالبا مايروج لها على سبيل التشهير أناس متزمتون يكرهون الفنون على اى حال. الفن له قوة دينية ملزمة بالنسبة للفنان واللغة هى ايمان الشاعر وايمان اباءه ولكى يمضى فى طريقه ويعمل عمله المناسب فى زمن عنوصى agnostic، عليه ان يصل بهذا الايمان الى نقطة الصلف والمباهاة بالنصر. وقد يكون الشعر حقيقة قضية خاسرة مثل اليعقوبية - كما لاحظ شاعر اسكتلندى شاب مؤخرا - ولكن كل شاعر يجب ان يرفع صوته مثل بيرق المطالب بحقه. وسواء سقط العالم فى ايدى قوات الامن او المضاربين فى الاسواق المتخمين، فعليه ان ينتظم فى كتيبة كلماته ويبدأ المقاومة.
أوسيب

كل هذا يؤكده مثال ماندلستام اوسيب لازاروس الشعر الروسى الحديث، فقد ظهر آخر كتاب منشور لماندلستام فى عام 1928 وفى عام 1938 وافته المنية اثناء نقله الى احد معسكرات الاعتقال التابعة لستالين وهو فى السابعة والاربعين من عمره. ومنذ ذلك الوقت ولمدة عقدين بعد اختفاءه محى اسمه تقريب بصورة كلية من السجلات الادبية الروسية وصودرت كتبه واصبح "عدما" كما  قبرت القصائد التى كتبها فى العشر سنوات الاخيرة من حياته فى ثلاث كتب مدرسية للتمارين حملتها زوجته معها خلال سنوات الحرب والاضطهاد كما تحمل ثرى جد من الاجداد. ولكن اليوم اذا نشرت طبعة من اعماله فى روسيا فسوف تباع فى دقائق. وقد كان ايمان ماندلستام، على مايبدو، له مايبرره:

                   الناس تحتاج الشعر الذى سيكون سرهم
                   ليجعلهم متيقظين الى الابد                
                   ويغمرهم فى الموجة ذات الشعر الابيض
                   لتنفسه.

وقد خدم ماندلستام الناس بخدمة شعرهم وكتب قصائده الاولى بالاشتراك مع جماعة الاكيميين Acmeist وهى مجموعة تلتقى افكارها مع افكار الشعراء الخياليين Imagists والذين ظهروا معا تقريبا فى نفس الوقت.  وهذه القصائد الاولى متأنقة وشكلية تتنفس هواء التراث الاوربى كله وتزفر نفسها مرة اخرى الى ذلك الهواء كحرافة روسية. الا ان المرء يستطيع ان يرى الرباط العضوى بين تلك السطور الباراناسية التى كتبت فى عام 1915:
                  
                   هذا اليوم يتثاءب مثل وقفة فى بيت الشعر: هدأة
                   تبدأ فى الصباح، صعبة، ومستمرة:
                   الثيران التى ترعى، والاعياء الذهبى غير قادر
                   على استدعاء ثروات نغمة كاملة واحدة من الغاب.

والثقة العارية لهذه الابيات التى كتبت فى النفى بعد ذلك بعشرين عاما:

وفى قصيدة اخرى الى تلك الارض الروسية السوداء  يلتمس منها ان تكون "الحديث الاسود للصمت الذى يعمل". وكما يقول كلارينس براون فان ماندلستام كان شاعرا سمعيا aural : "سمع ابياته ودونها بعد ان انتزعها من الصمت، مما لم يستطع فى البداية، ان يسمعه". كل شىء - الارض الروسية والتراث الادبى الاوربى وارهاب ستالين - كان عليها ان تتماسك فى فعل الصوت الشعرى. "وهكذا فان اوفيد بحبه المتضاءل/ نسج روما بالثلج فى ابياته" - كان صوت الشعر امرا مطلقا بالنسبة له.

ويعفو ماندلستام على الخيار "الييتسى" (نسبة الى وليم بتلر ييتس) بين الكمال فى الحياة او الكمال فى العمل. فى عام 1971 دخل تاريخ شهداء الادب الروسى عندما نشرت مذكرات زوجته  أمل ضد الأمل فى الغرب. وتبدأ هذه القصة بالقبض على ماندلستام بسبب قصيدة كتبها ضد ستالين. والقصيدة لم تنشر ولكن همسات احد الوشاة كانت كافية لتقود الى ثلاث سنوات من النفى فى فورونيج (1934- 1937) واعتقاله الثانى وموته بالسكتة القلبية بعد ذلك مباشرة.

ولكن اذا كانت ناداجا ماندلستام هى احدى عرائس الشعر العظيمة والمثابرة فى عصرنا التى تنفخ الروح فى القصائد وتحملها من الصمت الى العالم، فان كلارينس براون هو احد افضل المدافعين التى يمكن ان يجده اى شاعر. ويغطى كتابه حياة مانلستام الباكرة وابداعه حتى نهاية العشرينيات. وهذا العمل هو ثمار الغوص لمدة عشرين عاما على وجه التقريب فى شعر ماندلستام والبحث فى حياته. وككاتب سيرة وناقد يعمل كلارينس براون بحساسية مزدوجة : فهو يدخل الى الشخص موضوع بحثه ليفهمه، ويتعاطف معه ويحرك مشاعر القارىء، ولكنه ايضا يقف فى الخارج ليرى الشاعر فى السياق وليختبر القصائد على محك اذنه الشعرية للغاية وادراكه العام المصقول. وخطو الكتاب بطىء ولكنه ليس متمهل وطابعه هو طابع الاهتمام والمشاركة الحميمة. انه هوراشيو بالنسبة لهاملت ماندلستام  فى قبضة الموت العاصرة وأفضل تحية يمكن ان اقدمها للكتاب هى ان اقول انه يرتفع الى قامة اهداءه وهو مهدى الى ناداجا ماندلستام.

كذلك فان كلارينس براون يكتب ايضا عن القصائد بفهم ثاقب جميل لتقنياتها ونسيجها اللغوى وبأمتنان  واضح ومتعة لوجودها فى حد ذاته. لقد لعنت جهلى باللغة الروسية وانا اتابع تعليقاته وكذلك وانا اقرأ ترجمات الشعر التى اشترك هو ودبليو. س. ميروين فى اخراجها. وتحتوى القصائد المختارة على أعمال من كل فترات حياة وانتاج ماندلستام ، ابتداء من الشعر الأكيمى لقصيدة  الحجر Stone الى القصائد الاخيرة فى المنفى، دموع من النار والثلج. وللقصائد مسحة من الشعر الامريكى المعاصر ترين عليها ولدى انطباع ان ايقاعات ميروين ترقق الاصوات المنحوتة للغة الروسية - ومن المحتم على اى حال ان تصبح المقطوعات المقفاة شعرا حرا عندما تكون موزونة - ولكنها رغم ذلك تحتفظ بثراء وتفرد خيال ماندلستام وارهاصاته وتقريبا احتفاءه بالقدر والبعث:
                  
                             أكوام من الرؤس البشرية تتجول فى المدى.
                             وانا اتضاءل بينهم حتى اتلاشى. لا أحد يرانى. ولكن فى الكتب
                             التى تعيش طويلا، وفى العاب الأطفال سوف انهض
                             من بين الموتى لأقول ان الشمس مشرقة.

 
اننا انفسنا نحيا فى اوقات حرجة، حيث ان فكرة الشعر كفن فى خطر من ان يطغى عليها البحث عن الشعر كرسم بيانى للمواقف السياسية. فبعض النقاد لديهم الحرفية الشديدة كثيرة التأنق كمسئولين فى وزارة الحقيقة. ان حياة ماندلستام وعمله مثاليين ويستحقان التحية: اذا كان على الشاعر ان يحول مقاومته الى الهجوم، فعليه ان يذهب الى الموت وان يكون مستعدا، فى حياته وفى عمله، للعواقب. 




فرانز كافكا والقضاء المصري

 
فرانز كافكا


اعتدنا في العالم العربي الذي يحكمه التخلف والجهل ان ننظر الى الحاكم مهما كان وضعه سواء في جمهورية او مملكة او امارة او مشيخة او حتى مشخخة الى انه ظل الله على الارض وهي الفكرة التي كانت سائدة في القرون الوسطى في اوروبا ثم انقرضت مع الحركة الطبيعية للنهضة وصولا الى الثورة الفرنسية. ولكن لان عالمنا العربي مبتور الصلة بالعالم ويعيش في كوكب اخر فما زالت الفكرة مهيمنة على عقول ابنائه حتى يومنا هذا. وهذه الفكرة اللعينة هي التي جعلت رجل مثل مبارك يحكم مصر على مدى 30 عاما احالها خلالها الى انقاض. غير ان الشيء الجديد هي ان نعلم ان النائب العام المصري عبدالمجيد محمود هو الاخر ظل من ظلال الله على الارض حيث لا يجوز لسلطة في العالم ان تزيحه من منصبه الا الله.

ومحاولة تخلص مرسي من النائب العام بتعيينه سفيرا لمصر في الفاتيكان ورفض الاخير والضجة التي يثيرها القضاة حول استقلال القضاء هي امور تشير الى ان مصر الثورة لن تتغير كثيرا عن مصر في عهد مبارك ومن غير المرجح ان تمضي بعيدا باتجاه الاحلام التي حركت الشباب للاطاحة بمبارك توقا الى ميلاد مصر جديدة.

المجتمع المصري مجتمع رث ومهلهل ومتآكل، غارق في الظلم والفساد وانعدام العدل حتى اذنيه، أي انه من فئة من المجتمعات لا يعد فيها القضاء نزيها وعادلا عدالة مطلقة او اقرب اليها، بل هو في الغالب اداة من ادوات الحاكم ومطية له. واستقلال القضاء المصري هي اسطورة روج لها النظام البائد لانها تخدم مصالحه واقر القضاة بوجودها غير المتحقق سعيا لبعض المكاسب الزهيدة. ولنتحدث بصراحة فنحن لا يمكن اطلاقا ان نقارن القضاء الانجليزي او الامريكي او الاسرائيلي في استقلاليته ونزاهته بالقضاء المصري، وربما يكون ابسط الاسباب وراء ذلك انهم لا يختصون ابناء القضاة في هذه الدول بامتيازات دون غيرهم.

عبدالمجيد محمود

والواقع اني من خلال ترددي على المحاكم في امور هينة جدا وفي بعض القضايا التي تخصني شعرت شعورا يقينيا ان العدالة لا يمكن ابدا ان تتحقق في هذه الاركان المظلمة والزوايا المعتمة. ولا يمكنك ان تلقي باللوم في ذلك على القضاة وحدهم بل المكان ونظام العمل وكل شيء لا يوفر لك اطلاقا أي ثقة في امكانية تحقيق العدالة وتخرج من المحكمة وانت لديك احساس ان هناك الكثير من الظلم الذي يتعرض له الناس.

ومالم تكن محاميا متمرسا في مثل تلك الاماكن واساليب التعامل وانماط السلوك السائدة فيها فسوف تشعر في الحال انك اشبه ببطل رواية المحاكمة لفرانز كافكا. انه نفس الجو ونفس الاماكن ونفس اليروقراطية ونفس الاحساس بالضياع والارتباك. كافكا كتب روايته في عامي 1914 و1915 ولكن من يدري ان الرواية بكل تفاصيلها تعكس اوضاع القضاء المصري في القرن الحادي والعشرين مثلما تعد انتقادا للبيروقراطية النمسوية المجرية في وقت كتابتها.


ان متاهة المحاكم في الرواية والشخصيات التي تصل الى حد التصوير الكاريكاتوري هو انتقاد للدولة الحديثة بادارتها ووكالاتها ومصالحها كما انه ايضا يعكس فقر المسؤولين الذين يلجأون الى الرشوى وهو امر واضح في مصر.


القضاء المصري في ازمة النائب العام يدعي استقلالا لم يظهر ابدا أي حرص عليه كما كان الحال طوال عهد مبارك بل وايضا في عهد المجلس العسكري عندما افرج القضاة عن الغربيين المتهمين في قضة التمويل الاجنبي لتحملهم طائرة امريكية من ارض مصر في منتصف الليل.

لو كان القضاء المصري قد تمت هيكلته واسلوب عمله بطريقة مختلفة لما كنا شهدنا احكام البراءة العديدة لقتلة الثوار واخرهم السادة الاساوش ابطال معركة الجمل. كل شيء يشير الى ان المحاكم الثورية كانت هي الحل. لقد خدعنا عندما قيل لنا اننا لن نتمكن من استرداد اموالنا المنهوبة في الخارج (التي زينوا لنا انها بمئات المليارات من العملة الصعبة) مالم يتم كل شيء وفقا للاجراءات المدنية العادية وفي النهاية لم نحصل على شيء لا العدالة ولا الاموال.

ومن المفهوم طبعا ان تحرك مرسي مع النائب العام يأتي في اطار عملية التطهير والتخلص من اشخاص لا يستطيع احد ان يجادل في انهم شاركوا في تخريب مصر ان لم يكن بالعمل النشط فعلى الأقل بالتستر على المخربين ومجاملة النظام السياسي على حساب الشعب.

ويفترض ان النائب العام يدافع عن مصالح الشعب ازاء كل من يعتدي على تلك المصالح ولكن هذه ابدا لم تكن حالة عبدالمجيد محمود بل كانت مهمته الاهتمام بمصالح النظام قبل كل شيء، فكان يتجاهل القضايا او يحركها وفقا لهوى النظام. جزء هائل من فساد مبارك واعوانه مر من تحت انف هذا الرجل ولكنه كان يتجاهله.  

واعتقد ان الصورة التي ستحسم بها القضية ستؤثر على مستقبل مرسي في الحكم وشرعيته الشعبية على المدى القريب.



الثلاثاء، أكتوبر 09، 2012

من يوميات مواطن محروق




محمد البوعزيزي


قررت ان اضرم النار في نفسي امام مجلس الشعب سعيا لاثارة ثورة يمكن ان تطيح بنظام مبارك. صحيح ان كثيرين فعلوها قبلي ولم يؤد ذلك الى الثورة المنشودة. ولكني كنت واثقا اني بمجرد ان اضرم النار في نفسي سيكون ذلك بداية ثورة لا تبقي ولاتذر.. ثورة حتى النصر تطيح بنظام مبارك كله في ايام وربما في ساعات. واذا سألتني من اين جاءك اليقين لن استطيع ان اقدم جوابا شافيا ولكنه بصراحة هو الاحساس الداخلي وربما الحدس.

اخترت يوم 25 يناير حيث ستكون الشرطة مشغولة في قمع المظاهرة التي قال الشباب على الانترنت انهم يعتزمون القيام بها ذلك اليوم وقدرت انها ككل المظاهرات التي نظمت على مدى سنوات وكان لي شرف حضور بعضها، ستقتصر على بضع عشرات يقفون على سلم نقابة الصحفيين ويهتفون ضد النظام من حناجر قوية ثم لا يلبثوا ان يتوجهوا الى منازلهم قانعين بانهم قاموا بواجبهم الوطني. ولما كان اليوم هو عيد الشرطة فان تواجدهم سيكون خفيفا في منطقة مجلس الشعب بما يتيح لي تنفيذ مخططي باحكام.

كانت زوجتي اول من علم بالمشروع فسألتني ولماذا؟ جلست نحو ساعة اعدد لها المظالم من فصلي من الشركة بسبب رفضي الفساد الى رفض وزير التعليم نقل سارة من مدرستها الى مدرسة شقيقتها  وفي النهاية قالت عندك حق. ولكنها كانت ما زالت غاضبة، ليس لانني قررت ان اضرم النار في نفسي بل لانني لم اشركها في الامر منذ البداية. قلت لها غاضبا "هذه ليست ثلاجة سنغيرها او ستائر جديدة سنشتريها..انه مصير امة ومستقبل شعب..وهو امر غير خاضع للنقاش". صمتت على مضض ولكنها اوصتني ان اخذ معي الكثير من البنزين..كمية كافية.
- مش عاوزين نتشحطط وراك في المستشفيات.
- ما تخافيش مش ها تتشحططي.
- طبعا انا ها اقولهم ان انت عملت كده بسبب رفضهم نقل سارة..على الاقل يوافقوا على نقلها وتبقي انت مارحتش هدر.

سمعت يارا بالموضوع فاسرعت تنقل الخبر لسارة. وسألتها سارة:
- هو فين مجلس الشعب دا؟
- دا بعيد عن هنا.
- يعني في بنها؟
- لا مش في بنها..بعيد عند المترو.
- المترو الى سلالمه بتطلع لوحدها.
- ما اعرفشي.

ودخلت سارة الى الغرفة لتتأملني وربما تتخيل كيف سأبدو لها عندما اكون محروقا.
ولكنها قالت لي محذرة :
- اوعي تبوسني وانت بتتحرق علشان ما تحرقنيش.
- ما تخافيش مش ها ابوسك.
ولكنها قالت في انفعال موجهة السؤال الى يارا وامها:
- ازاي بابا ها ينام جنبي بعد ما يتحرق وها يوسخ السرير.
ولكن يارا قالت لها ياغبية بابا لما يتحرق مش ها ييجي هنا تاني دا ها يطلع السماء على طول.

وشعرت سارة بالارتياح للاجابة.

جاءت حماتي ليلا عندما علمت بالخبر. لم تبذل جهدا لاثنائي عن عزمي اما لانها تعرف ان كلامها لن يلق مني اذانا صاغية او لانها لم تكن تهتم كثيرا. ولكنها جاءت بالاساس لترتب امور الاولاد بعد رحيلي الوشيك. وقالت بعد ان جلست وهي تنظر الى بامتعاض:
-  على أي حال انا بنتي اصيلة ومش ها تفكر في الجواز قبل الاربعين.

قلت لها ضاحكا : ما تخليهم خمسين او ستين ياحماتي..حبكت الاربعين يعني.

قالت غاضبة:
- لا ناقص بنتي تترمل في عز شبابها وتقعد لابسة عليك الاسود بقية حياتها..هي كانت شافت يوم عدل معاك تحكي عليه.
شعرت زوجتى بالقلق وقالت لها هامسة:
- مافيش داعي ياماما للكلام دا في ساعات الوداع.

علم الجيران فزاروني بالليل واحتشدوا في الصالة هم واولادهم وزوجاتهم وقالوا انهم سيأتون معي ليشدوا ازري ويشجعوني في اللحظات الاخيرة ولكني كنت اعرف انهم سيأتون للفرجة.

وانصرفوا ولكن رئيس اتحاد الملاك تلكأ على الباب وهمس لي :
- ارجو ان تبلغني اذا كان عليك أي ديون لاقوم بسدادها عنك؟. انت اخي وسيسألونك هناك عن ديونك.
قلت له بهدوء انني دفعت مبلغ اصلاح الاسانسير والشهر القادم من اشتراكي في اتحاد الملاك وحصتي في اصلاح موتور المياه.
وانتفض الرجل واقسم برأس ابيه انه لايقصد ذلك ابدا وانما اراد ان يعرف ان كان على ديون لاشخاص اخرين فطمأنته.

زارني اخي بالليل واتفقنا على تفاصيل الخرجة والاتوبيسات التي ستنقل المشيعين الى القرية وقال انه سيرتب كل شيء على افضل وجه يرضيني ويريحني في العالم الثاني. ومددت له يدي بمظروف به بعض النقود ولكنه اقسم ان تكون كل ترتيبات الخرجة هدية منه لبطل عظيم مثلي يضحي بنفسه من اجل مصر والححت عليه فاصر اكثر. ولم ينهض اخي بل ظل يتقلب في مقعده قليلا فقلت له - مالك؟
فقال مبتسما:
- لا ما فيش حاجة؟
- اتكلم..قول الى انت عاوز تقوله كله..الوقت مش محتاج كسوف.
- يعني انا كنت باقول يعني على المكتبة..سارة ويارا صغيرين ومش ها يعرفوا قيمتها..كنت يعني باقول ايه رأيك لو خدتها عندي لحد ما يكبروا وبعدين اجيبها لهم.
- طبعا يا اخي ممكن تنقلها في أي وقت.
وابدت زوجتي حماسا شديدا فهي تعتبر ان الكتب مصيبة. تزحم البيت بدون جدوى. وكثيرا ما اشارت على بنقلها الى اي مكان اخر "لحد ما ناخد شقة كبيرة ويبقي لك فيها مكتب ومكتبة و...".
قالت بحماس لاخي.
- على فكرة ممكن تجيب عربية وتاخدهم دلوقتي وانا ها اساعدك وارتبهم لك في كراتين.
ولكن اخي اقسم الا يمد يده الى كتاب الا بعد الخرجة.

بقيت امامي بضعة ايام على الموعد فقلت لماذا لا اجرب ان اتصل بالمسؤولين لدينا لابلغهم بالامر.

طلبت وزيرة الاسرة والسكان مشيرة خطاب:
- انا نويت ان اذهب الى مجلس الشعب واحرق نفسي.
لم تسألني عن السبب بل سألت : كم عدد افراد الاسرة؟.
- اربعة.
- وهل تعتزم الاسرة ان تحرق نفسها معك ام انت وحدك؟
- قلت لا..انا وحدي.
قالت في خيبة امل:
- لن يؤثر هذا في الزيادة السكانية. على أي حال ارجو ان تقدم الاسرة شهادة الوفاة بعد وفاتك.
- لماذا؟
- حتى نقيدك ضمن الزيادة السكانية السلبية.

خطر لي ان اتصل بوزير الضمان الاجتماعي وكان اول سؤالي القاه علي:
- هل تحصل على أي مخصصات تموينية من الوزارة؟
واجبته بالنفي ولكنه بدا غير مصدق.
- اذا كنت تحصل على أي مخصصات تموينية واستمرت الاسرة في صرفها بعد رحيلك فانك تعرضهم للمساءلة القانونية وربما السجن ايضا.
اكدت له مرة اخرى ان الاسرة لاتحصل على أي مخصصات من أي جهة.
- على أي حال انا نصحتك. لا تعرض اسرتك لمتاعب قد يكونوا في غني عنها.

اتصلت بعدها بوزير الصحة ورويت لي الحكاية كلها فقال ان المستشفيات مكتظة ولن يكون لي الاولوية على أي شخص اخر في الحصول على سرير في أي مستشفى تابعة للوزارة لانني انا الذي احرقت نفسي عمدا وانه سوف ينبه على كل المستشفيات بذلك.

بعد عناء تمكنت من الاتصال بوزيرة العمل التي اشتهر عنها تقبيلها ليد سوزان مبارك فقالت ان الوزارة ليست مسئولة عن أي عامل ينتحر خارج موقع العمل كما انني لست مصنفا لا بين العمالة الماهرة ولا غير الماهرة.

قلت لها ان قانون العمل المتداعي لديكم هو السبب في فصلي فردت انها لا تضع القوانين ويمكنني ان الجأ الى الدكتور سرور في هذا الشأن.   

اتصلت بالدكتور سرور فتجاهل كلامي عن القوانين وسألني هل سبق لي الترشح قبل ذلك لمجلس الشعب او كنت عضوا سابقا فنفيت اي علاقة لي بالسياسة. فقال لي ان القوانين يتم تمريرها بتصويت الاغلبية عليها وبصورة ديمقراطية "لا تخر المية" وان كل مواطن حر في حياته وان الدستور يكفل لي اقصى صور التعبير عن حريتي بما فيها الانتحار ثم اغلق السماعة في وجهي.

اتصلت بحبيب العادلي وزير الداخلية. كان مشغولا على ما يبدو مع كبار الضباط في التخطيط لقمع مظاهرات 25 يناير الوشيكة. انتزع نفسه لحظات على ما يبدو من الاجتماع الهام ليصب فوق رأسي قاموس البذاءة ثم حذرني من عمل اي تجمهر في الشارع او تعطيل المرور وانه في هذه الحالة سيقبض على ويودعني السجن حتى لو كنت جثة هامدة.

اتصلت بوزير المالية فسألني اذا ما كنت انا ممولا فلما نفيت قال هل لديك اي ملف ضريبي لم يتم اغلاقه. فنفيت ايضا سألني مرة اخرى هل قدمت اوراق الضريبة العقارية فقلت انني ليس عندي ما يستحق ان اقدم عنه اقرار ضريبة عقارية. فقال "يمكنك ان تفعل ما تريد..ولكني احذرك..اي ضرائب عليك سيتحملها الورثة".

اتصلت بشيخ الازهر وسألته عن موقفي الديني فطمأنني الى انني سأذهب الى جهنم وبئس المصير لأنني سأقتل نفسا "بريئة" بغير وجه حق.
- ولكن ياسيدي انا اضحي بنفسي من اجل الاخرين..الا يعد هذا ايثارا..اذا نشبت ثورة اطاحت بمبارك ورفعت الظلم عن الملايين..الا يغفر لي ذلك؟..انني بذلك...

وانقطع الخط فجأة. عاودت الاتصال مرات ولكنه ظل مشغولا لمدة ساعتين كاملتين.

اتصلت بالمشير طنطاوي وزير الدفاع وابلغته بما عزمت عليه فكان اول اسئلته - هل انهيت خدمتك العسكرية؟.  
- نعم.
- وهل سلمت كل مهماتك؟
- نعم؟
- كيف كانت شهادة انهاء الخدمة لديك؟
- قدوة حسنة.
- هذا جيد..طالما انهيت خدمتك العسكرية يمكنك ان تفعل ما تريد بنفسك. حق الوطن هو اهم شيء يجب ان تستوفيه.
- ولكن أين حقي انا ياسيدي من الوطن؟.
ابدى تململا قليلا ثم قال:
- الوطن يعطي لكل مواطن حقوقه طالما قام المواطن بواجبه.

لم أشأ ان ادخل معه في جدل بيزنطي.

- ولكني اريد ان اعرف ياسيدي..اذا المنية انشبت اظفارها..اين اجدك انت والجيش؟
لم يبد انه فهم  قصدي.
- اقصد اذا ثار الشعب لاضرامي النار في نفسي..فما هو موقف الجيش؟.
- انت مجنون..مع السلامة.
- ولكن ياسيدي..انا ذاهب لاحراق نفسي وما ستقوله لن يعرفه أحد.
ابدى ترددا وشعرت انه يفكر في وضع السماعة ولكنه قال في شبه همس:
- ماذا تريد؟
قلت له بنفس طريقته الهامسة:
- اريد ان اعرف..اذا ثار الشعب بعد ان احرق نفسي فما هو موقف الجيش؟.
- من قال لك ان الشعب سيثور؟
- سنفترض مجرد افتراض انه ثار..ما موقف الجيش؟
- لست انا الذي يحدد موقف الجيش.
- اذن فهو الرئيس مبارك؟.
- ولا الرئيس مبارك.
- اذن فهو قائد الاركان؟
- لا ولا قائد الاركان.
- قائد المنطقة المركزية؟
- ولا قائد المنطقة المركزية.
- اذن من يا سيدي؟
- الثورة هي التي تحدد موقف الجيش..اذا كانت الثورة قوية لا يمكن لاحد ان يقف في طريقها ولا حتى اعتى الجيوش..مع السلامة.
واغلق السماعة على عجل.

بقي عندي بعض الوقت فقلت اتصل بالرئيس مبارك. وعانيت الامرين الى ان وصلت اليه. وقال لي الرجل الجالس على السويتش في الرئاسة ان امامي دقيقتان تحسبان من بدء فتح الخط مع سيادة الرئيس.

جاءني صوت الرئيس على الهاتف هادئا مطمئنا وبدأ حديثه مثل موظف علاقات عامة اجاد التدرب في عمله. قال انه سعيد باتصال المواطنين به وتلبية مطالبهم وانه يشعر بنبض الشارع وكلام كثير من ذلك الذي كان يقوله الصحفيون الافاقون الذين يلعنونه الان في الصحف الحكومية وغيرها.

بدأت احكي له الحكاية فاعرب عن دهشته:
- ألم تجد سوى هذه الوسيلة للانتحار؟.
- نعم لم اجد سواها.
- ولكن هناك وسائل اخرى لحل مشكلتك.

شعرت للحظة ان الرئيس بدأ يضعف وانه على وشك ان يشرع في تقديم تنازلات. لاشك لدي انه يرتعد الان ولكنه يحاول ان يبدو متماسكا. الم تطح ثورة فجرها البوعزيزي عندما اضرم النار في نفسه بديكتاتور مثله في تونس؟. قررت ان ازيد الضغوط عليه وارفع سقف مطالبي.
واتاني صوته على الهاتف وهو يلح:
- ولكني اقول ان هناك وسائل اخرى لحل مشكلتك غير احراق نفسك امام مجلس الشعب.
- لا ياسيدي انا قررت ذلك ولن اتراجع عنه مهما كانت الظروف.

تخيلته واقفا في مكتبه يرتعد من فرط الخوف. التليفون في يده يهتز ويبدأ في الانهيار فيرتمي على اقرب مقعد. كان يفكر في دعوتي الى القصر لكي يحل كل مشاكلي حتى لا افجر الثورة التي ستطيح به وهو امر هين بلاشك بالنسبة له. مبلغ صغير لن يبلغ أي نسبة في المئة من تلك الاموال التي هبشها على مدار 30 عاما من اموال المواطنين. زين العابدين مكث في السلطة 23 عاما وعرف ان لديه في باريس فقط خمسة مليارات يورو غير العقارات والاموال الاخرى. ثم ان زوجته اخذت طنا ونصف من الذهب وهي تغادر تونس. فما بالك بمن مكث على الكرسي 30 عاما.  

وجاءني صوته متوسلا يدعوني الى زيارته في القصر. عرفت انه سيعطيني ذهبا فالاموال التي لديه لاشك كلها تنام في بنوك سويسرا ودول اخرى. والاقرب هو الذهب الذي يعد بالنسبة لهؤلاء الحكام بمثابة الفكة او مصروف الجيب. ودخلت القصر ويبدو انه نبه على الحراسة الا تعترض طريقي. كان ينتظرني على باب مبنى صغير في القصر في ترينج رياضي واخذني الى الداخل وهبط بي الى طابق سفلي وفتح بابا سريا يبدو مثل الجدار ولو لم يكن لديك معرفة مسبقة به لما خطر لك ابدا انه باب. ودفع بي الى الداخل ثم وقف على الباب.
- خذ ما شئت من الذهب.
وعلى سبيل الاحتياط قلت احذره وانا ادلف الي الغرفة:
- سيدي الرئيس..احذرك من اي خدعة..الشعب سيأتي كله لو تأخرت في العودة اليهم لوقت معين.

وجاءني صوته من على الباب الذي اسند يده اليه ووجهه يبدو عليه الارهاق.
- اتنيل على عينك وخد الى عاوز تاخده بسرعة. انا مش قادر اقف.

وجدت امامي عددا كبيرا من الحقائب التي كانت معبأة وجاهزة. كنت ارتدي الجاكت الاخضر الذي يوجد به جيوب من الداخل والخارج. ورحت افتح الحقائب بلهفة واغرف منها الذهب واضعه في جيوبي. لم افتح سوى حقيبة واحدة ولكن جيوبي لم تمتلأ فقد كان فيها مشغولات كبيرة الحجم لا تسعها جيوبي. وبدأت ابحث عن قطع صغيرة الحجم وثقلية. وفي لحظة كان واقفا الى جانبي. انتزع تمثالا صغيرا من الذهب من يدي قائلا في سخط:
- هذا تاريخ..اتركه.
لم أسأله اذا كان التاريخ حلال له وحرام على بل انصرفت الى الحقيبة الثانية لاكمل بقية جيوبي وازيد في حشوها. وعندما شعرت انني انوء بثقلها خرجت من باب القصر دون ان يودعني. والقيت بنفسي في اول  سيارة اجرة توقفت متوجها الى البيت.

وانتبهت على صوته على الهاتف مرة اخرى ولكن به نبرة سخرية هذه المرة.

- اقول لك ان هناك وسائل اخرى يمكن ان تحل بها كل مشاكلك.
كان صوتي اكثر اصرارا.
- لن أغير موقفي.
تجاوز حوارنا الدقائق الثلاث ولم ينقطع الخط. كنت اعرف انني بمجرد أن ابدأ الحوار معه فلن يستطيع عامل السويتش قطع الخط عليه وهو يتحدث.
- ولكن هناك طرق اخرى...
قلت في اصرار اكبر.
- لا
- الا تحب ركوب العبارات؟.
- لا
- ولا القطارات؟.
- لا
- ولا الطائرات
- لا
- هذه طرق افضل.
- لا
- اذن فليس امامك سوى الذهاب الى مجلس الشعب.
وقبل ان ارد عليه كان صوت السماعة يصطك بأذني.