الصفحات

السبت، يونيو 09، 2012

المجلس العسكري والمنطق الكتاكيتي


نابليون بونابرت


في الريف المصري عادة ما تترك الكتاكيت لتلهو في باحة المنزل طوال النهار وتلتقط الحبوب واي طعام على الارض. فإذا ارادت السيدة الريفية البسيطة ان تخرج من المنزل اثناء النهار تعمد الى وضعهم في العشة حتى لا يتعرضوا لاذى على يد العرس (جمع عرسة) والغربان. وترفع السيدة طرف ثوبها وتبدأ في تحريكه بطريقة معينة بحيث تدفعهم الى طريق العشة او القفص وكلما اقترب باب القفص زادت درجة الحصار على الكتاكيت بحيث لا يجدون مفرا من الدخول. وزيادة في الاحتياط وحتى لا يلفتوا بصياحهم الاعداء المتربصين تضع السيدة قطعة من القماش حول القفص فتعتقد الكتاكيت ان الليل قد حل وتخلد الى النوم.
شاه ايران

للاسف الشديد عاملنا المجلس العسكري منذ عام ونصف بنفس منطق هذه السيدة التي تريد ان تؤوي الكتاكيت وان كانت دوافع السيدة اكثر نبلا وشرفا من مقاصد المجلس الموقر. على مدى عام ونصف ارانا المجلس العسكري الاهوال بصورة تجعل المرء العاقل يتساءل: هل هولاء النفر المكون من 19 شخصا هم اكثر ابناء المحروسة ذكاء وعبقرية بحيث يضحكون على شعب مكون من نحو 90 مليون بينهم بعض الاشخاص الذين وهبهم الله قدرا من الفهم والمعرفة؟ ام انه منطق المماليك الذي لا يعمل حسابا للشعب باعتبارهم عبيد لا قيمة لهم؟.
مجلس العباقرة

منذ عام ونصف والمجلس العسكري يدفعنا كما تدفع السيدة الكتاكيت الى باب القفص. ولكن المجلس العسكري – وهو شيء يجب ان يذكر له – ادرك من خبراته في تربية الدواجن في مزارعه الكثيرة ومن تعامله معنا اننا ربما نتفوق – باعتبارنا من اشباه البشر – على الكتاكيت في الذكاء ولو قليلا، فعمد الى وضع قفصين امامنا. اما الرحلة من باحة الدار الى القفصين التي تخللتها كوارث لا حصر لها اودت بحياة الكثير من الكتاكيت فهي مصيبة ولا تشير ابدا الى ان هذا المجلس ينتمي الى مصر ولا يحب مصر ولا يحب ابنائها بل ربما كان المماليك اكثر رحمة منه بالشعب المصري. والغريب ان القفصين اللذين وضعهما المجلس امامنا ليسا من ذلك النوع الذي تضعه السيادة لحماية الكتاكيت بل هو مجرد اطار قفص وما ان يدلف منه كتكوت بشري حتى يختفي تماما.

المجلس العسكري يخيرنا اما قفص النظام القديم او قفص الاخوان ولا اقفاص هناك اخرى بالمرة وعلى الكتاكيت ان تختار. نفس اسلوب مبارك الذي كان يقول اما قفصي او قفص الاخوان. هنا ايضا قفص النظام وقفص الاخوان. ولكن مبارك كان يحدث العالم الخارجي لتخويفه من الاخوان. اما المجلس فيحدث الجميع نحن والعالم الخارجي اوروبا وامريكا والعالم اجمع بشفافية مطلقة باننا يمكننا ان نختار أي قفص نريده. هل رأيتم حرية اكثر من هذه؟. ولكن الم يكن هناك فرصة ان نضع قفصا ثالثا فربما كانت هناك بعض الكتاكيت التي لا يروقها لا هذا القفص ولا ذاك. المجلس العسكري قال لنا ان الاقفاص كلها شحنت الى جهة غير معلومة ولا مفر من الاختيار بين هذين القفصين.

المجلس العسكري هو نتاج الثقافة العامة المصرية التي تنظر الى المكسب القريب والسريع والمصالح الآنية وبنى كل تخطيطه منذ تفجر الثورة على هذا الاساس. المجلس العسكري لا يشغله كثيرا موقعه في التاريخ ولا الجغرافيا ولا يعبأ بصورته امام الاجيال.

واذا كان المجلس العسكري وضعنا امام القفصين وقال لنا انه لا مندوحة من الاختيار بين احدهما فليس علينا سوى ان نبحث عن القفص الذي لا يحبذه المجلس العسكري وندلف اليه بصمت لكي نرد له الصاع على الاقل بصاع.

انا لست من محبذي الاخوان ولكن المثل الشعبي المصري البسيط "ايه الى رماك على المر" ربما كان هو المثل الصحيح في هذه الحالة. ما معني ان تأتي ثورة بنفس النظام؟. الثورة الفرنسية لم تأت بنسل لويس السادس عشر ليحكموا فرنسا والثورة الايرانية لم تعيد اولاد الشاه فكيف بنا نحن نعيد النظام الذي اطحنا به الى السلطة بعد عام ونصف فقط؟. انه الجنون بعينه. هل هناك اعتراف اكثر من هذا بان الثورة كانت خطأ وخطيئة، وهو أمر غير صحيح بالمرة. للاسف الثورة التي تأخرت كثيرا كثيرا تعيد انتاج نفس النظام بنفس الآليات وهي مصيبة المصائب.



الجمعة، يونيو 08، 2012

المستشار الزند وريب فان وينكل



الزند
الخصيري







ريب فان وينكل هو شخصية شهيرة في قصة تحمل نفس الاسم للكاتب الأمريكي واشنطن إيرفنج. ووينكل هو مواطن امريكي من اصل بريطاني هولندي يعش في قرية  جميلة اسفل جبال "كاتسكيل" في ولاية نيويورك. وهو رجل كسول ولكنه محبوب من القرية كلها ويعشق التجوال في البراري. وذات يوم وهو يتجول في البراري ومعه كلبه وسلاحه يلتقي باشخاص ينادونه باسمه فيجلس ليشرب معهم وفي الحال تأخذه سنة من النوم. وعندما يستيقظ يجد نفسه في ظروف غريبة فقد اصبح سلاحه قطعة من الصدأ كما طالت لحيته ولا يجد كلبه الذي اتي معه الى البراري. ويعود الى القرية حيث يكتشف وفاة زوجته كما يكتشف مصرع  اصدقائه في الحرب. ويدخل في متاعب عندما يعلن ولائه للملك هنري الثالث غير مدرك ان الثورة الامريكية قد قامت وان صورة جورج واشنطن في نزل القرية حلت محل صورة الملك هنري. ويدرك انه غاب عن القرية نحو عشرين عاما وبعد ان يحكي حكايته لجيرانه من المستوطنين الهولنديين يتمنى الجميع لو كانوا قد عاشوا تجربته وناموا نوما هنيئا مثله خلال الايام الصعبة للثورة.         

تذكرت القصة عندما قرأت تفاصيل المؤتمر الصحفي للمستشار احمد لزند الذي اعلن ان القضاء استيقظ وسيطالب بحقه بعد اكثر من 30 عاما من النوم الهنيء في احضان نظام مبارك. والفارق الوحيد طبعا بين تجربة ريب فان وينكل والقضاء هو ان وينكل نام 20 عاما فقط ولكنهما يتشابها في ان الاثنين استيقظا بعد الثورة. وينكل بعد الثورة الامريكية والقضاء المصري بعد ثورة 25 يناير 2011 في مصر.

ومسألة ابعاد القضاة عن الحياة السياسية على النحو الذي كان سائدا في عهد مبارك هو امر ولا شك ضار بالبلاد فالقضاة هم ضمير الامة وسدنة التشريع وميزان العدالة في المجتمع واذا اختل هذا الميزان اختل المجتمع كله.

غير ان المستشار الزند هو وزملائه القضاة هم الذين تنازلوا عن حقهم طواعية لنظام مبارك وتركوا له امر العبث بالقضاء وتوجيهه وتركوا للسلطة التنفيذية ان تتغول على السلطة التشريعية. وكلنا يذكر الهجوم الذي قامت الشرطة على نادي القضاء في الفجر في ابريل 2006 وسحل القاضي محمود عبداللطيف حمزة وشقيقه وكيل النيابة وما حدث من تعرض القضاة لمعاملة مهينة جدا وهي معاملة لا تليق اطلاقا بسمعة ولا صورة القضاء. ثم ان مبارك استاثر بفريق من القضاة ودأب على استخدامهم كأدوات ضد زملائهم وضد سلطة القضاء حتى جرد القضاء من كل شيء.

والمستشار الزند يذكر ولا شك عندما ذكر قاض شريف هو المستشار محمود الخضيري ان مجلس الشعب منبطح في اغسطس 2007 وهي حقيقة يعلم الجميع صحتها ولا يمكن ان يجادل فيها احد. ما الذي حدث؟ لقد اتهمه الدكتور فتحي سرور حمورابي مصر في عهد المخلوع بانه "يشتغل بالسياسة". ووسط عاصفة الهجوم على الرجل وعدم وجود أي مساندة اضطر الى الاعتذار عن شيء ما كان ينبغي ابدا ان يعتذر عنه.  وكان يتعين على القضاة ان ينهضوا كلهم في صوت واحد بدلا من ان يتركوا الرجل وحيدا امام هجوم سرور واذناب السلطة ويعلنوا باعلى اصواتهم ان الاشتغال بالسياسية هو من صميم عملهم. ان فكرة ان القضاة لا يجب ان يعملوا بالسياسة هي فكرة لم نسمع بها الا في مصر وفي عهد المخلوع.

لماذا صمت القضاء طوال عصر مبارك وتنازل عن الثلث الخاص به وقبل حتى بما هو اقل من العشر او عشر العشر؟ ولماذا استيقظ الان فقط واكتشف ان له الثلث في تحديد هوية مصر وتدبير امورها؟. وهل معنى ذلك انه كانت هناك حوافز تدفع القضاء لكي يستغنى عن الثلث الخاص به لمبارك وان هذه الحوافز مهددة بالفقدان مما يجعل هذا الثلث يذهب هباء دون مقابل ويجعل المطالبة به الان ضرورة؟.

اننا ياسيدي على استعداد ان نعطي للقضاء النصف وليس الثلث فحسب على ان يضطلع بدوره الصحيح والسليم وهو ما يستوجب ان يتنازل القضاة عن المغريات الصغيرة التي تعد غير مستحقة بالمرة ولا تحدث في أي بلد متحضر مثل تعيين ابناء القضاة في السلك القضائي وعدم مسايرة السلطة التنفيذية على حساب الشعب كله كما كان عليه الحال في عهد مبارك.

الخميس، يونيو 07، 2012

الأصوات المعتقلة





الأصوات المعتقلة





الملفات السرية تكشف التاريخ المأساوي للأدب السوفييتي في القرن العشرين





آنا اخماتوفا






 باسترناك



في عام 1930 أعلن الحزب الشيوعى ضرورة التزام الكتاب بالمذهب الرسمي للدولة وهو الواقعية الاشتراكية وفرض الحظر على التجريب مما أدى إلى هجرة الكثير من الكتاب والنقاد إلى الغرب وانضواء البعض الآخر تحت لواء اتحاد الكتاب السوفييتى الذي انشىء عام 1934 برئاسة مكسيم جوركى الذي كان بمثابة الرقيب الأول على الكتاب. وظلت الكثير من الأعمال الأدبية ممنوعة في الاتحاد السوفييتى باعتبارها مضادة للثورة. وبلغت الرقابة درجة من التشدد والاضطهاد بحيث لم تقتصر على منع النشر أو الاعتقال أو الطرد من الاتحاد السوفييتى بل وصلت في بعض الأحيان إلى حد إطلاق النار والتصفية الجسدية. ولعل من ابرز الذين عانوا من الرقابة الشاعرة أنا اخماتوفا (1899-1966) وماريانا تسيفيتاييفا (1892 - 1941) التي غادرت روسيا عام 1922 لمعارضتها للثورة ثم عادت إليها وراء زوجها عام 1931 ليقتل هو ثم تعيش وحيدة وفقيرة وتضيق بها الحياة لتنتحر في عام 1941بعد أن فشلت في العثور على أي مورد رزق لتعيش منه. كذلك قتل ماندلستام اوسيب في معسكر العمل (وهم الاسم السوفييتي المهذب للسجن أو الإصلاحية) كما اضطر بوريس باسترناك إلى رفض جائزة نوبل عام 1958 تحت الضغوط السياسية للحزب وفى عام 1974 اجبر سولجينتسين على الانضمام إلى الكتاب السوفييت الذين يعيشون في الخارج كما لحق به جوزيف برودسكى عام 1977. وقصص الكتاب الروس الذين عانوا على يد ستالين هي قصص معروفة ولكن هناك الكثير من الجوانب الخفية والمخيفة التي يتكفل الكتاب الذي وضعه احد الكتاب الروس وصدرت ترجمته منذ سنوات عن دار نشر Free Press في نيويورك، بإماطة اللثام عنها. والكتاب هو "الأصوات المعتقلة" Arrested Voices بقلم فيتالى شينتالنسكى Vitaly Shintalinsky وترجمه إلى الإنجليزية جون كروفوت ويقع في 322 صفحة.     
  
اوسيب

تسفيتاييفا وزوجها سيرجي إيفرون
والأصوات المعتقلة هو تقرير مثير للاهتمام إن لم يكن باعثا على الشعور بالألم والغضب منتقى من ملفات الاستخبارات السياسية السوفيتية المعروفة باسم  كى. جى. بى.كما اعتاد العالم أن يعرفها، وفيه تفاصيل لمصير الكتاب الموهوبين الذين انتهت مسيرتهم الأدبية بل وحياتهم نهاية فاجعة ومفاجئة خلال السنوات التي حكم فيها ستالين الاتحاد السوفييتى. وعند قراءة القصة كما يبسطها فيتالى شنتالينسكى الذي كان يرأس لجنة روسيا الخاصة بتقصي مصير الكتاب ضحايا القمع السوفييتى أبان صدور الكتاب، يتملك القارىء في البداية شعور بالرثاء والشفقة ثم الرعب وفى النهاية السخط من أن مثل تلك الأفعال الطائشة يمكن أن تحدث. وقد لقي الملايين من الروس التعساء حتفهم في معسكرات ستالين ولكن رواية الاستجوابات الفعلية والاتهامات الملفقة ضد بضعة آلاف من الأشخاص المبدعين، كما تكشفه التقارير السرية في ارشيفات كى. جى. بى.  وسلفتها في الخدمة الشرطة السرية السوفيتية ان.كي.في.دي.، تساعد على استجلاء الرعب الكامل للنظام السوفييتى حيا ومجسدا أمام أعيننا. ويقول لنا شنتالينسكى انه لم يتعرض للاعتقال أبدا فلم يكن منشقا ولم يودع في السجن أو مستشفى الأمراض العقلية ولم يرسل إلى معسكرات العمل أو يطرد من الاتحاد السوفييتى ولكن النظام اثر على حياته ومسيرته إلى الدرجة التي تكفى ليكون على وعى بمظالمه وجوره.


البداية مع البيروستريكا
في يناير 1988 عندما كانت سياسة البيروستريكا في أوجها كتب شنتالينسكى التماسا إلى  اتحاد الكتاب، فرع موسكو الذي يحمل عضويته لكي يسمح له بالإطلاع على الملفات السرية لوالى ألفى كاتب قبض عليهم خلال السنوات التي تلت 1917 ولقي منهم حوالي ألف وخمسمائة حتفهم أما في المستشفيات أو معسكرات العمل.
برودسكي

ويلاحظ شنتالينسكى ان هذه الأرقام ليست كاملة وينقل عن الشاعرة الروسية أنا أخماتوفا قولها: "أود لو اذكرهم جميعا أسما أسما ولكن القائمة أخذت ولا يمكن العثور عليها في أي مكان... ". أما ظروف وتواريخ موت الكتاب فقد جرى تزييفها كما توجد فجوات كبيرة في سيرتهم الرسمية كذلك فان المعلومات الخاصة بهم في الموسوعات وكتب النصوص غير صحيحة.
وأثار اهتمام شنتالينسكى إلى حد كبير حقيق ان ارشيفات الكتاب ومسوداتهم وكل أوراقهم كانت تصادر عندما يقبض عليهم ويكون مصيرها الملفات السرية الحكومية. ويقول شنتالينسكى: "إذا لم يكن بوسعنا ان نحيى الموتى فإن بامكاننا بل من واجبنا ان نكفر عن هذا النهب لتراث الأمة الثقافي". وطلب شنتالينسكى من اتحاد الكتاب ان يشكل لجنة خاصة ينتخب أعضاؤها انتخابا ديمقراطيا. غير انه استغرق شهورا من الإجهاد المضني والصبر والدوران حول مكاتب البيروقراطية السوفيتية حتى استطاع في النهاية ان يصل إلى معقل كى.جى.بى. وسجنها المعروف باسم لوبيانكا في وسط موسكو حيث يحتفظ بالملفات السرية.
بابل
ورحب الكولونيل اناتولى كرايوشكين من كى.جى.بى. بشنتالينسكى في مكتب صغير في الطابق الثاني من المبنى الذي كان مجرد ذكره يبعث على الرعب قائلا: "أنت الكاتب الوحيد، على ما يبدو، الذي أتى إلى هنا بمحض إرادته". ومن سجل متضخم وحائل اللون بجانبه، لم يتح الكولونيل لشنتالينسكى أكثر من نظرة عابرة على صورة من ملف الكاتب ايزاك بابل وبرهة قصيرة لقراءة موجز الملف، ولكنه رفض بإصرار ان يسمح للكاتب بفحص الملف الحقيقى.

غير ان شنتالينسكى كان اسعد حظا في مكتب الوكيل العام  الذي كان به نسخ للعديد من الوثائق التي وضعت عليها علامة "سرى" من "ملف التحقيقات رقم 419 الخاص يايزاك بابل". والأكثر إثارة للاهتمام من كل ذلك، التماسات من بابل بخط يده إلى مكتب الوكيل العام كتبها قبل فترة قصيرة من إعدامه.

ستالين

وفى الحال نشر شنتالينسكى هذه المعلومات في مجله أوجونيوك المجلة الأسبوعية الشعبية ذات الانتشار الواسع وبها كل التفاصيل: رقم الملف وأسماء مستجوبي الكاتب المتوحشين والوشايات والتقارير التي كتبها عملاء ومبلغو الشرطة السرية الذين روعي عدم الإشارة لأسمائهم في الملفات. ولم يمض الكثير من الوقت حتى استدعى العقيد كرايوشكين شنتالينسكى مرة أخرى  وسمح له على مضض ان يقرأ الملف الضخم الكامل عن بابل.

والتفاصيل التي تضمنها الملف كما هي واردة في كتاب الأصوات المعتقلة هي تفاصيل مدمرة وبشعة. ففي الساعة الخامسة والنصف من صباح 16 مايو 1939 أتى عملاء ان.كي.في.دي. للقبض على بابل بينما كان ينام في بيته الريفى في "بيريدليكنو"، وهى ضاحية الكتاب خارج موسكو. وراح بابل وزوجته ويداهما ممسكة بأيدي بعضهما ينظران إلى عملاء المخابرات وهم يقومون بجمع تسع اضبارات من المسودات والكراسات والخطابات التي أتت إلى لوبيانكا مع الكاتب. وغمغم بابل: "إنهم لم يتركوني لإنهائها" مشيرا إلى رواية جديدة طويلة كان يكتب فيها. وبعد وضع بابل في السجن، اخذ جهاز المخابرات زوجته إلى المنزل وأخذ خمسة عشر اضبارة أخرى من المسودات وثمانية عشر كراسة واضمامة ورق و517 خطاب وكارت بريدي وبرقية إضافة إلى 245 ورقة مفردة.

العجز عن الكتابة
وفى البداية كانت أول "جريمة" عليه ان يعترف بها هي "عجزه عن الكتابة". ويورد السجل نقلا عن بابل قوله انه خلال السنوات الأخيرة القليلة لم ينشر عملا كبيرا واحدا وان ذلك: "ربما يعد تخريبا وعدم استعداد للكتابة في ظل ظروف الحياة السوفيتية". ولم يكن محققو جهاز المخابرات ليكتفوا بذلك بل كان عليهم ان يمارسوا الضغوط عليه حتى يحصلوا على "اعتراف" كامل يحوى تفاصيل أخرى مثل تجنيد الكاتب الفرنسي الشهير اندريه مالرو لبابل ليتجسس لصالح فرنسا.

ويلاحظ شنتالينسكى ان جهاز ان.كي.في.دي.كان يحصل على ما يريد باستخدام التهديد بالتناوب مع الضرب، وينقل عن خطاب مريع وجد في ملف المخرج المسرحي الشهير فسيفولود مايرخولد الذي كان في الخامسة والستين وكتبه من السجن إلى فياشيسلاف مولوتوف الذي كان آنذاك احد الشخصيات البارزة في هرم الحكم السوفييتى.
مالرو

"لقد طرحت على الأرض على وجهي وضربت على قدمي وظهري بسوط من الجلد. وعندما تمددت ووجهي إلى الأرض اكتشفت إنني أستطيع ان أتلوى وأتضور وأصرخ مثل كلب. ان الشخص الذي يخضع للاستجواب يقول لنفسه: (ان الموت ..الموت يقينا أسهل من ذلك) وبدأت اتهم نفسي بالجرائم على أمل ان يقودني ذلك بسرعة إلى المشنقة".
وبالفعل بعد وقت ليس بالطويل أطلقت النار على مايرخولد.

وفى محاكمة مغلقة في يناير 1940 قبل ان يحكم عليه بالموت أعلن بابل: "أنا بريء تماما  فلم أكن جاسوسا ولم ارتكب أي جريمة ضد الاتحاد السوفييتى. وفى شهادتي أثناء التحقيق شهرت بنفسي. لدى طلب واحد فقط وهو ان يسمح لي باستكمال عملي (الأدبي) الأخير".
جوركي
    
في الواحدة والنصف من صباح يوم 27 يناير 1940 أطلقت النار على بابل، ولكن بعد شهر ونصف أمرت المحكمة العسكرية عدة مكاتب ان تبلغ أرملته انه قد تم "تأهيله وانه قد مات وهو يقضى عقوبته في المعسكرات في يوم 17 مارس 1941م". ولكن ماذا عن الأربعة والعشرين اضبارة من المسودات. لم يظهر لها أي اثر ومن الواضح أنها اختفت إلى الأبد.

ولكن لم تكن كل المسودات التي تدخل لوبيانكا تختفي، فالكاتب ميخائيل بولجاكوف مؤلف رواية "السيد ومارجريتا" الشهيرة (التي ظلت محظورة في الاتحاد السوفيتي لزمن طويل وان كانت على مدى عدة سنوات تعد من بين أكثر الكتب مبيعا في الغرب)، لم يقبض عليه أبدا ولكنه رأى مسوداته، بما فيها يوميات صريحة للغاية سماها "تحت عقب القدم"، تنتزع منه في محاولة لتخويفه وإرهابه. وعلى مدى سنوات حاول بولجاكوف ان يستعيد يومياته وذات يوم وعلى نحو غير متوقع، أعادتها له السلطات. وفى الحال نزع اليوميات وأضرم فيها النيران. ولكننا اليوم نستطيع ان نقرأ هذه اليوميات لان الشرطة السرية احتاطت للأمر بعمل صورة ضوئية منها كما أعدت نسخة منها على الآلة الكاتبة، وهذه النسخة الأخيرة هي التي ظهرت في ارشيف كى.جى.بى. وسلمت إلى شنتالينسكى ولجنته التي أشرفت على طباعتها بعد ذلك بعدة سنوات. وتزخر ملفات كى.جى.بى. بقصص تحرك الأفئدة وتثير الأذهان ومواقف تتبدى فيها الشجاعة الأخلاقية في أعلى صورها من قبل بعض الكتاب في مواجهة التعذيب والموت المحقق، وكذلك حكايات تعسة للخيانة والضعف الاخلاقى عند آخرين. وعلى مدى عقود كان أعضاء اتحاد الكتاب يتجسسون على بعضهم البعض في محاولات لا جدوى منها لإنقاذ أنفسهم. وقصة الخيانة في عالم الأدب الذي يفترض فيه سمو الأذهان والأفكار هي قصة مؤلمة وبشعة.

لأظل للخوف في الصورة الأخيرة
والكتاب يشتمل على صور لبعض الكتاب الذين سمح لشنتالينسكى بالإطلاع عليها وهى مأخوذة أثناء استجوابهم على أيدي الشرطة السرية. وبعضهم مثل مايرخولد تبدو عليهم علامات العقاب والتعذيب الجسدي الذي تعرضوا له.

وكلهم، فيما يبدو أنهم فهموها على انه الصورة الأخيرة التي تؤخذ لهم، يبدون نوعا من القوة الداخلية الملحوظة دون ان تظهر في أعينهم أي ظلال للخوف.
ناديجدا ماندلستام

أما الشاعر الشهير اوسيب ماندلستام فقد أدرك انه محكوم عليه بالإعدام من اللحظة التي كتب فيها إلى مستجوبيه قصيدة من ستة عشر بيتا ظلت حتى ذلك الوقت حبيسة ذاكرته، وهى تمثل هجوما شديدا على ستالين القوى. وقررت المخابرات إرسال الشاعر إلى معسكر عمل لمدة خمس سنوات لكي يتم "عزله" وان لم يكن من الضروري "الحفاظ على حياته" وهو لفظ يشير إلى رغبة السلطات في التخلص منه أو على الأقل عدم الاحتفال بالحفاظ على حياته. وبالنظر إلى حالة ماندلستام الصحية، لم يكن ثمة احتمال لتحمله الحياة طويلا في "كوليما"، وهو واحد من أكثر المعسكرات قسوة ووحشية.

ساعي البريد لا يحمل الخطابات
ومن بين الخطابات الموجودة في ملفه هناك احد خطاباته الأخيرة إلى زوجته "ناديجدا ماندلستام" وهو خطاب يفيض بالحزن والشعر. ومن الواضح طبعا ان السلطات حالت بين وصول الخطاب إلى زوجته كما تنبأ الشاعر:

"(أوسيا) حبيبتي وصديقتي البعيدة، عزيزتي، ليس لدى كلمات اخط بها هذا الخطاب، خطاب ربما لا تقرأينه أبدا. إنني أخطه للعدم.كم كانت حياتنا الطفولية معا بهيجة يا (أوسايشكا). شجاراتنا ومشاحناتنا وألعابنا وحبنا. هل تذكرين كيف كنا نجتر ولائمنا الفقيرة عائدين إلى بيوتنا المتواضعة المتنقلة التي تشبه بيوت المشردين؟ هل تذكرين كم كان مذاق الخبز لذيذا عندما كنا نحصل عليه بما يشبه المعجزة ثم نتقاسمه سويا فيما بيننا؟ هل تذكرين فقرنا البهيج والشعر. إنني أبارك كل يوم وكل ساعة من حياتنا المريرة يا صديقتي ورفيقتي ومرشدي الذي لا أراه. أنا لم يتح لي أبدا الوقت لأقول لك إلى أي مدى احبك. أنا أوسيب  يا"ناديا" ..أين أنت؟".

حتى عندما لا يتم القبض على الكتاب السوفييت المرموقين أو يتم شحنهم إلى المعسكرات أو تطلق عليهم النيران، كانت حياتهم دائما تمضى تحت سيطرة الشرطة السرية كما اكتشف شنتالينسكى عندما قرأ صورة من التقرير الطبي لمكسيم جوركى مستعادة من الأعماق السحيقة لأرشيف لوبيانكا. وقد "اعترف" أطباء جوركى باغتيال المؤلف الشهير، ولكن السجل الذي طال إخفاؤه لزمن طويل يبرئهم تماما من أي جريمة. أما حكاية استغلال السوفييت لكاتبهم المعروف دوليا فهي حكاية تثير الأعصاب وتدعو للخزي والعار.
بولجاكوف


وبينما يتابع شنتالينسكى رسالته بصبر ودأب في إلقاء الضوء على مصير وأعمال الكتاب السوفييت، فانه يواجه باستمرار مضايقات من بقايا البيروقراطية الشمولية التي استمرت سبعين عاما. ويختم شنتالينسكى كتابه بأن يذكرنا بأنه في ظل الحكم السوفييتي كان الكتاب "يعانون من عدد غير محدد من الإجراءات القمعية. وكانت هذه الإجراءات تتجاوز الإعدام والسجن والنفي الداخلي والطرد إلى الخارج، إلى شل حياة وأعمال الكثير من الآخرين. وانتحرت امرأة من جراء ذلك أما الآخرون فيقول عنهم شنتالينسكى:
كانوا يتعرضون للمضايقات ويمنع نشر أعمالهم لسنوات بأكملها، كما كان آخرون يضطرون إلى ان يخنقوا أصواتهم وان يغرقوا أعمالهم الأولى الواعدة في الثناء الواهن للنظام، أي أنهم قتلوا مواهبهم لكي يعيشوا.





الأربعاء، يونيو 06، 2012

إعلان مدفوع لتهئنة شفيق بفوزه بالانتخابات



الرئيس الجديد







رئيس مجلس الادارة







مجلة الإعصار وجميع مطبوعات دار الإعصار للنشر والتوزيع، صحيفة العاصفة الصباحية ومجلة الشباب  البرق الخاطف ومجلة الأطفال الخماسين وكتاب الدار الشهري رعد الكلمات والصحيفة المسائية البركان...

رئيس مجلس الإدارة ورؤساء التحرير ونواب رؤساء التحرير ومساعدو رؤساء التحرير ومديرو التحرير ونواب مديرو التحرير ومساعدو مديرو التحرير ونواب مساعدو رؤساء التحرير ورؤساء الأقسام ونواب رؤساء الأقسام ومساعدو رؤساء الأقسام وعمال الطباعة والمخازن والصيانة والحركة والنقل وأفراد الأمن والسعاة،
يتوجهون بخالص التهنئة
لسيادة الفريق الدكتور الطيار احمد شفيق لفوزه في انتخابات الرئاسة المصرية ونؤكد لسيادته إننا على العهد دوما وسنواصل دعم جهود سيادته من أجل تحقيق بقية أهداف الثورة المصرية وإشاعة الأمن والاستقرار في ربوع الكنانة والحفاظ على مكتسبات الشعب التي تحققت في عهد الزعيم الخالد محمد حسني مبارك الأب الروحي للثورة ومفجر شرارتها الأولى وقائد نهضة البلاد على مدى ثلاثة عقود، راجين من الله أن يجعل من سيادة الفريق خير خلف لخير سلف.
كما يتوجه جميع العاملين بالمجلة والدار بالشكر لأعضاء المجلس العسكري على احتضانهم للثورة ورعايتهم لها منذ انطلاقها وحتى تسليم السلطة وإشرافهم على أكثر الانتخابات البرلمانية والرئاسية نزاهة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط وحرصهم الشديد على سلامة وحياة أبناء هذا الشعب وصبرهم على تطاول بعض السفهاء عليهم لثقتهم بان التاريخ وحده هو الذي سيضعهم في المكانة التي يستحقونها.
آملين أن يعمل الجميع على بناء مصر الحديثة التي يظلها العدل والإخاء والحرية والرفاهية كما حلم بها الرئيس مبارك.
والله الموفق،

22 يونيو 2012

  

ولا عزاء لاسر الشهداء والمصابين





ما زالت تداعيات الحكم الذي صدر يوم السبت على الرئيس مبارك ومعاونيه تثير موجات من الغضب بين الكثير من فئات الشعب. والواقع ان الحكم على مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي بالسجن المؤبد في جرائم قتل المتظاهرين ربما كان هو افضل جوانب الحكم. ومن المتوقع ان تنتهي حياة الاثنين في السجن مما يجعلهما عبرة للاخرين الذين سيتولون هذا المنصب او ذاك في المستقبل.

والمطالبة الشعبية بالاعدام ربما في حالة مبارك بالذات  تبدو مستحقة ولكنها قد لا تكون مطلوبة بل ربما حتى مرفوضة ولا تخدم الصالح العام بالمرة. ولا شك طبعا في مسؤولية مبارك عن قتل المتظاهرين ولكن ربما كان من الافضل لمصر ان يقضي مبارك نحبه في السجن لان اعدامه يمكن ان يصنع منه بطلا وقد يؤدي ذلك الى خلق موجه من التعاطف الاهوج معه ومع اسرته - خاصة اذا اخذنا طبيعة المصريين العاطفية في الاعتبار -  لا نستبعد ان تحمل احد اولاده الى السلطة بعد عقد او عقدين كما حدث مع اسرة على بوتو في باكستان رغم ان جرم بوتو لا يمثل سوى قطرة من بحر من بحر الاجرام الذي عب منه مبارك حتى الثمالة. ولذلك من الاصوب ان يقضي ما تبقى له من سنوات في السجن الى ان تنتهي حياته في صمت ويسقط من الذاكرة. 

اما سقوط الجرائم الاقتصادية بالتقادم فهذا من شأنه ان يسهل احتفاظ المجرمين باموالهم وهو السبب الذي جعل المصريين يقبلون بمحاكمتهم امام القضاء العادي بدلا من محاكمتهم اما محاكم ثورية فقد قيل ساعتها ان المحاكم الثورية لن تنجح في رد الاموال المنهوبة لنا ولكننا وصلنا الى نفس النتيجة بالقضاء العادي. ومن شأن احتفاظ المجرمين بأموالهم وسقوط الاتهامات بالفساد عنهم لانقضاء المدة ان تحبط المستثمرين الجادين عن العمل في مصر. المستثمرون يبحثون عن الاماكن التي تتوافر فيها الشفافية ويلاحق فيها الفساد. واذا كنا نريد فعلا ان ان نخلق بيئة جاذبة للاستثمار يجب ان تحسم كل قضايا الفساد بصورة عادلة.  

اما الجانب الذي يظل لغزا محيرا لا يفهمه الناس ويمثل سبة حقيقية في تاريخ القضاء المصري فهو تبرئة معاوني العادلي الستة وهي سابقة خطيرة لانها ترقى الى ان تكون ترخيصا بالقتل. أي انها رسالة لقتلة المستقبل بان الطريق ممهد امامهم لارتكاب نفس الجرائم والافلات من العقوبة. ان اتخاذ اتلاف الادلة او افسادها كذريعة ليست عذرا كافيا لان القاضي يعلم علما يقينيا بان هؤلاء ليسوا ابرياء بالمرة. والمسألة تتعلق بطريقة عمل القضاء الغبية أكثر تتعلق بفساد القاضي.

واذا جاء شفيق الى السلطة وهو ما يبدو لي واضحا جليا ومتوقعا - ليس بسبب غفلة الناخبين فقط -  بل ايضا لاسباب اخرى كثيرة، واستقرت له الامور – وهو أمر مستبعد – من المرجح الا يتم التقليب في هذه الاوراق مرة اخرى. وسيتعين على اسر الشهداء والمصابين ان يجرجروا احزانهم والامهم وشكاواهم واحساسهم بمرارة الظلم، حتى باب القبر حيث العدالة الالهية.



الثلاثاء، يونيو 05، 2012

لنعتذر للشعب السوري بدلا من تحذيرنا من سقوط النظام



باسل الاسد

مذابح الاسد
حافظ الاسد

نشر سعيد اللاوندي الكاتب بالاهرام مقالة في صفحة قضايا واراء بالعدد الصادر اليوم 4 يونيو حول الوضع في سوريا. والكاتب يحذر من مغبة سقوط سوريا وينسب ذلك الى المؤامرات الغربية وتعاون بعض الدول العربية. والغريب ان الكاتب وضع في المقالة عدة مرات عن عمد كلمة "الشعب السوري" حيث كان يجب ان توضع كلمة "النظام السوري". ومن الواضح انه يقصد بسقوط سوريا سقوط النظام السوري ويرى ان ذلك سيضيع الجولان وسيؤدي الى تقسيم سوريا.

والمأساة الحقيقية لسوريا التي لا ننكر انها ركن هام من الامة العربية ومن التصدي للمؤامرات الغربية والاسرائيلية هي في نظامها البشع الذي لا يريد ان يتخلى عن السلطة حتى يقتل اخر مواطن فيها. أليس من حق الشعب السوري ان يختار من يحكمه وبأي منطق يحق لحافظ الاسد الذي استولى على الحكم عن طريق انقلاب ولم تشهد سوريا في عهده ابدا أي تقدم او ازدهار سوى المذابح وطنطنة الصمود والتصدي والمواجهة المزعومة، ان يورث البلاد لابنه. وكان  الاسد يهدف الى توريث الضيعة لابنه الاكبر باسل فلما لقي باسل حتفه في حادث سيارة لم يجد غضاضة في تأهيل الطبيب بسرعة ليتولى العرش بعده. طبيب العيون الرقيق الذي لا يتحمل النظر في عيون الاطفال لعلاجها فيحرك القتلة لفقأ عيونهم وجز رؤوسهم.   
بشار كما يصوره نشطاء سوريون على فيسبوك

اما قول الكاتب بان امريكا والغرب كانوا يدعمون النظم العفنة في كل البلاد العربية وما زالوا فهو حقيقي ولاشك فيه. وكلنا يتذكر قول السيدة كلينتون في اول ايام المظاهرات في مصر ان "الحكومة المصرية قوية ومسيطرة على الاوضاع". وكلنا يتذكر كذلك كيف ذهبت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية الى سوريا في اعقاب وفاة الاسد الكبير لتقديم واجب العزاء وباركت تعديل الدستور من اجل توريث السلطة للابن وقالت بالحرف الواحد ساعتها "إن لديهم آلية رائعة للغاية لنقل السلطة".
ابناء بشار الاسد كريم وزين وحافظ

وبدلا من ان نصف سقوط النظام السوري البغيض بانه سقوط لسوريا علينا ان نندد بهذا النظام البشع الذي لا يريد ان يترك السلطة الا وقد احال سوريا الى رماد تذروه الريح. أي احقية شرعية او دستورية لابن حافظ الاسد في الاستمرار في الحكم رغم انف الشعب في القرن الحادي والعشرين؟. ومن الذي اعطاه الحق في ابادة الشعب السوري على هذا النحو؟. الا يجدر بنا ان نكف عن الترويج للايديولوجيات الغبية التي تجعلنا نستهين بحياة المئات بل والالاف من البشر من اجل استمرار نظام لم يقدم لقضايا التحرر في العالم العربي سوى الطنطنة الجوفاء؟.

هناك ثقافة عربية راسخة وبغيضة تميل دوما الى التضحية بحياة الافراد مهما كان عددهم من اجل استمرار هذا النظام او ذاك. هذه ثقافة تربى عليها اجيال واجيال من ابناء العرب وهي ثقافة القطيع التي لا يرجى من مروجيها أي نفع. ان على عبدالله صالح كان يجب ان يحاكم على القتلى الذين اودى بحياتهم في اليمن قبل ان يغور في داهية ولكن ذلك لم يحدث لسبب بسيط جدا وهو ان امريكا والدول الغربية لا تريد ان تبدى تنكرا واضحا لاصدقائها الذين خدموها حتى الرمق الاخير. وما كانت امريكا ستتخلى عن دعم مبارك لولا ادركت انه لا امل له في البقاء. وكانت على اتصال بمعمر القذافي حتى الاسابيع الاخيرة تقدم له النصح والمشورة للخروج من المأزق.  
مذبحة الزعيم الخالد حاظ الاسد في حماة في الثمانينيات

ان مجزرة الحولة اخر مجازر الاسد الصغير ضد الشعب السوري تذكرنا بمجازر والده في حماة في الثمانينيات وهي مجازر لا يمكن بأي حال من الاحوال التهوين من شأنها او التسامح فيها. لماذا اعتدنا ان ننظر الى حياة البشر على انها لا قيمة لها؟. ان من حق كل طفل قتل في هذه المجزرة ان ينظر الى نفسه على انه محور العالم كله وان يلقى معاملة انسانية كريمة تليق بطفولته لا ان تخترق رأسه رصاصة او يجز عنقه بسكين من مأجوري الاسد. أليس من حق هؤلاء ان يعيشوا طفولتهم مثل اطفال بشار الاسد؟.

اما الدول العربية التي تدعم الجيش الحر والمعارضة السورية فرغم تناقض موقفها الا اننا لا نملك الا ان نحييها على ذلك. يجب ان يتوقف قتل الناس المجاني والتضحية بهم من اجل شعارات جوفاء وسخيفة ولا معنى لها. ما الذي حققه حافظ الاسد وابنه لسوريا منذ حكما البلاد؟. هل اشاعا الامن والامان في نفوس المواطنين؟ هل حررا القدس او الجولان؟ هل اطلقا رصاصة واحدة على الجولان بعد حرب اكتوبر؟.

ان سوريا لن تسقط وانما الذي سيسقط هو نظام الاسد ليقوم محله نظام يحترم ادمية البشر وحياة الانسان وكرامته. سوريا يمكنها ان تعالج جراحها وتلملم شملها وتتناسى الامها لتقيم دولة ديمقراطية حقيقة بعد رحيل هذا الشيطان الذي تعتبره اسرائيل خير جار كما كانت تعتبر المخلوع لدينا.

وبدلا من التخويف من سقوط ركن ركين من الامة العربية علينا ان نحيي نضال الشعب السوري الذي قدر له ان يتحمل عبئا باهظا للربيع العربي ونعتذر له عن عجزنا وصمتنا وعدم قدرتنا على تقديم أي عون له. أما حالة السيولة في البلاد العربية فستنتهي يوما ما برحيل الطواغيت واستقرار الامور وبناء دول ديمقراطية تحترم كرامة الانسان وحرياته الاساسة كما تنص عليها المواثيق الدولية.

والربيع العربي بالمناسبة ليس اختراعا امريكيا ولا هو دسيسة من دسائس المخابرات المركزية الامريكية. بل ان الشعوب العربية ملت العيش في ظل احتلال داخلي بغيض ابشع من الاحتلال الاجنبي الذي ظلت ترزح تحته عقودا وآن لها ان تتنفس عبير الحرية مثل بقية البشر. ولما كانت هذه امنيات يصعب تحقيقها في ظل نظم ترهلت وتيبست وتآكلت واكل عليها الدهر وشرب، تعين عليها ان تنتزعها بتكلفة باهظة من الدم.

 رابط المقالة:


الاثنين، يونيو 04، 2012

عاش مبارك موحد القبائل المصرية






اذا كان التاريخ المصري يفخر بمينا باعتباره موحد القطرين، فلاشك اننا من المحظوظين جدا اننا عشنا حتى شهدنا عصر الرئيس مبارك الذي لا يقل عظمة عن عصر مينا بل ربما كان يفوقه بكثير. ومينا هو فرعون من الاسرة المصرية الاولى وعاصمتها طيبة (الاقصر حاليا ) واستطاع ان يوحد مملكة الشمال ومملكة الجنوب نحو 3200 قبل الميلاد ويعتبر هو مؤسس الاسرة الفرعونية الاولى.

مينا الذي لم نره ولا عرفناه دخل التاريخ ويظل يحتل مكانته في قلوبنا وفي التاريخ ايضا ولا يذكر بيننا الا مقرونا بالفخر والاحترام. ولكن لانه لا كرامة لنبي في قومه فاننا يعيش بين ظهرانينا الان من هو اعظم من مينا خمسين مرة ولكننا بدلا من ان نجله وننزله المنزلة اللائقة به فقد انقلبنا عليه واودعناه المركز الطبي ثم حكمنا عليه بالمؤبد واودعناه سجن طره واوصدنا قلوبنا دونه وحرضنا التاريخ عليه. ولكن من يدري لعل مينا لم يكن محبوبا في عصره ومن قومه حتى حملته رياح التاريخ الينا لكي نوفيه حقه من الاحترام والتقدير. ولعل مبارك ينتظر هو الاخر حتى يأتي جيل جديد من اولادنا يكون اكثر قدرة على التحليل والقياس والمقارنة فيوفي الرجل حقه ويرد اليه اعتباره.

واذا كان مينا موحد القطرين او المملكتين فان مبارك كانت مهمته اشق واصعب. من يصدق ان مبارك استطاع ان يوحد كل القبائل والعشائر والبطون والافخاذ المصرية كلها على مدى 30 عاما. على مدى 30 عاما كنت تشعر ان هذا شعبا واحد لا فيه شمال ولا جنوب ولا قبلي ولا بحري ولا سلفيين ولا ليبراليين ولا فلول ولا مغول. 

كتب وسيم السيسي من اعوام مقالة في المصري اليوم يقول فيها ان ضفائر الجينات لدى المصريين على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية تتشابه في 97 في المئة من الحالات. وهو ما يشير الى ان هناك تشابه جيني كبير جدا بين افراد الشعب المصري الذي كان يستوعب كل دخيل عليه سواء كانوا من الرومان او العرب او اليونانيين او الاتراك او غيرهم. كان الجميع يذوب في الشعب وتحدث له ليس فحسب حالة من التكيف مع اساليب الحياة المصرية بل ايضا التماهي الجيني.

ولا شك ان أي مدقق في احوال مصر اليوم سيؤمن ايمانا جازما بان انجاز مبارك يفوق ما حققه مينا بكثير. هل هذا شعب واحد فعلا الذي يعيش على ارض مصر اليوم بعد ثورة 25 يناير 2011 ام انها شعوب شتى؟ في الجيش الاسرائيلي عندما يريد مجند جديد حصل على الجنسية حديثا ان "يسوق في التناحة" قليلا فانه يتجاهل اوامر المدرب محتجا بانه لا يعرف العبرية. ولكن المصريين حتى لا يملكون هذه الرفاهية لاننا من اكثر الشعوب استقرارا في ارضها وكان اخر قانون سمح بتجنيس المقيمين على ارض المحروسة قد صدر في عام 1914.

لا يمكن ان تجد على ارض مصر اليوم ثلاثة يتفقون على نفس الرأي. لقد انقسم المجتمع كما لم ينقسم في تاريخه الى قبائل وكل قبيلة يمكن ان تجد حتى داخلها عددا من البطون وداخل البطون افخاذ وداخل الافخاذ عشائر. هل كان المجتمع كله يعيش داخل شرنقة وما ان مزق جدارها ورأى النور حتى انطلق لا يلوي على شيء؟.

والغريب ان القبائل المصرية لا يجمع بينها رابطة الدم كما في القبائل التقليدية بل هي قبائل اما مهنية او قبائل سياسية. وكل فرد يقدم الانتماء والولاء لقبيلته على الانتماء والولاء للوطن. هناك قبيلة العسكر وقبيلة الشرطة وقبيلة القضاة وقبيلة موظفي الضرائب وقبيلة الاخوان وقبيلة السلفيين التي يوجد داخلها بطون وافخاد وعشائر وقبيلة الحزب الفلاني والحزب العلاني.

وتجد كل شخص يدافع عن قبيلته دفاعا مستميتا ولا يمكن بأي حال من الاحول ان ينحي عليها باللائمة حتى لو كان جرمها مشهودا. والغريب ان الفرد يظل منتميا لقبيلته المهنية حتى بعد ان يخرج الى المعاش ويدافع عنها حتى وهو على حافة القبر. هل رأيتم ضابطا من الجيش تقاعد من عقود يوجه أي لوم او تأنيب الى المجلس العسكري؟. مستحيل، بل يظل يكابر ويعاند ويبرر كل افعال المجلس العسكري ويحاول اقناعك بانه لا يمكن ان يخطيء في شيء وكأن قراراته يستحيل ان تشوبها أي شائبة. هل رأيت شخصا من النظام السابق خرج ليميط لنا اللثام عن كل كوارثه ويفضح ما خفي عنا؟. هل رأيت قاض مثلا يتحدث عن ان القضاء يغص بالفساد وان الكثير من احكامه يشوبها العوار والبوار والقصور؟. الافراد في المؤسسات الاخرى كلها سواء كانت مهنية او سياسية يقفون نفس الموقف كل من قبيلته.

واذا كانت كل هذه القبائل لا تخطيء مع انها كلها تقريبا في موضع المسؤولية او في موقع يمكنها من اتخاذ قرارات تمس حياتنا، فما الذي دهانا؟. لماذا تسير حياتنا كل يوم من سيء الى أسوأ. هل الخطأ في الشعب ام في القبلية الشديدة؟. هل تزيد النزعات القبلية في المجتمع او تتلاشى كلما ارتقي؟. مصر حالة فريدة تتحدى القياس المنطقي المألوف لدى المجتمعات الاخرى.

والان يقف المجتمع على حافة منحدر شديد لا يعرف الى اين تسير به الاقدار. وبعد ثورة نادرة راح ضحيتها الكثير من البشر والإمكانيات التي اهدرت نجد المجتمع يرتد مرة اخرى الى النظام السابق او يوشك ان يرتد اليه كما لو كانت الثورة لم تعد تعني بالنسبة له أي شيء.

نتيجة الجولة الاولى من الانتحابات الرئاسية الاولى بعد الثورة وضعت المصريين امام خيار صعب بين شفيق المحسوب قلبا وقالبا على نظام مبارك ومرشح الإخوان. لقد ضاعت الكثير من الفرص التي كان يمكن ان تؤدي الى وضع مختلف وافضل بعد الثورة والان توقف القطار ولم يعد امامنا الا الخرج من هذا الباب او ذاك ولا يوجد باب ثالث.

وثيقة العهد التي تطرحها القوى الثورية ربما توفر مخرجا من المأزق وهي بحاجة الى جهد كبير لتبسيطها وشرحها للمواطنين العاديين الذين يمثلون القوة التصويتية الكبرى التي يمكن ان ترجح كفة مرشح على الاخر. والوثيقة توفر فرصة لابعاد النظام السابق عن الرئاسة وفي نفس الوقت الحد من شره الاخوان للسلطة والاستئثار بادارة امور الدولة وفقا لايديولوجية الجماعة. ولكن قبل كل شيء يجب ان يتم التوقيع عليها وليس مجرد التعهد بالالتزام بها حتى نضمن انه لن يكون هناك سبيلا للنكوص عنها.