الصفحات

الاثنين، يناير 23، 2012







كمالة كشري وكمالة عهد

بأي انجاز للثورة نحتفل؟!!

روى لنا صديق انه في ايام الجامعة نزل احد ابناء قريته ضيفا عليه في المدينة الجامعية. واراد صديقنا ان يستضيف بلدياته على الغداء فأخذه الى وسط البلد ومعهما زميل اخر له. ودخل الثلاثة الى مطعم كشري وأتوا اطباقهم الاولى ولكن بدا ان الجوع لم يبرح المائدة فطلب صديقي كمالة للثلاثة دون ان يتمكن من انهاء طبقه. ولكن بلدياته بدا كما لو كان يطلب المزيد فراح يطلب له كمالة بعد اخرى لينهي كل طبق وينادي على الجرسون ليحمله فارغا ويأتي بآخر محله. وبدأ الجرسون ينظر الى المجموعة في شك ويراقبهم من طرف خفي.

ومع مرور الوقت ونزول الأطباق على نفس المائدة وامام نفس الشخص شعر الجرسون ان هناك شيئا غريبا وان الشبان الثلاثة الجالسين امامه ربما في رهان او شيئ من هذا القبيل وان الامور قد تنتهي بالمماطلة عند الدفع والدخول في متاعب. وبدأ هو وزميله يحومان حول الثلاثة.

وشعر صديقي بالموقف فاخرج من جيبه الجنيهات الخمس التي كانت مئونة ذلك الشهر كاملا في بداية الثمانينيات واشار للجرسون بان يذهب بها الى صاحب المطعم الذي يقوم ايضا بدور الكاشير. وانفرجت حالة التوتر وانصرف الجرسونان الى عملهما وتقديم الكمالات الى بلديات صديقنا الى ما لا نهاية حتى نهض ثلاثتهم من على المائدة.

وعندئذ نادي صاحب المطعم على الجرسون وطلب منه ان يقدم له حساب صديقنا وزميله فقط، ولم يسأله عما تناول بلدياته الذي وقف قريبا منهما وهو يتجشأ ويشعل سيجارة. وظن صديقي بالخطأ ان الرجل نسي ان يضم بلدياته في الحساب او اعتقد انه سيحاسب بنفسه فأشار له وهو يمد النقود لكن الرجل وقف غاضبا في انفعال وهو يقول له : انا مش ها احاسب عليه..مش ها احاسب عليه..الله يكون في عون اهله..الله يكون في عون اهله. واصر الرجل على موقفه واعتبر انه ربما يسهم بذلك في تخفيف العبء عن والدين ابتلاهما الله بهذا الولد النهم او ربما اشفق على صديقي او اراد ان يشكر الله على انه لم يبتليه بمثله.

ذكرني هذا الحادث الذي حكاه لى صديقي من ايام الجامعة بما حدث خلال عام كامل مضي على اندلاع الثورة المصرية والاطاحة الاسمية بنظام مبارك. هل يعتبر هذا العام هو كمالة لعهد المخلوع؟. نظام حسني مبارك للاسف ما زال كما هو لم يسقط منه احد الا بقدر ما تتساقط الاوراق من شجرة قوية هبت عليها نسمة حانية في الربيع.

مازال النظام كله متمترسا كما هو بل انه حتى لم يتوقف عن محاصرة الثورة ومحاولة ضربها في مقتل، يساعده في ذلك تقاعس القائمين على الفترة الانتقالية في اتخاذ اجراء حاسم ضده. في البداية قيل لنا ان المحاكمات العادلة والعادية هي التي ستأتي لنا بالاموال من الخارج وانها عنوان لمصر الجديدة المشرقة فهللنا وكبرنا ولكننا في الواقع كان يتم تخديرنا للحفاظ على النظام بقضه وقضيضه.

ألم تكن المحاكم الثورية هي الافضل وعلى الاقل كانت ستجنبنا اراقة المزيد متن الدماء في احداث كلها بدت غريبة ولا تبدأ التحقيقات فيها وتنتهي الى شيء واضح وملموس ولا نجد فيها مذنبين حتى ان فكرة اللهو الخفي والطرف الثالث الذي اصبحنا نلقي عليه باللوم في كل شيء اصبحت اضحوكة ونوع من الاحاجي الغريبة التي يحار في تفسيرها العقل.

لقد قتل مواطنون كثر واصيب اكثر منذ تفجر الثورة مرورا بماسبيرو وشارع محمد محمود ومجلس الوزراء ولكن لم يقتل فرد من افراد النظام ولا حتى صدر ضد احدهم حكم بالاعدام رغم ان ايديهم جميعا لوثت بدماء الشعب المصري على مدى 30 عاما. واذا ما استمرت المحاكمات على هذا النحو الذي شهدناه في مرافعة محامي مبارك سيشعر الناس بالملل، وربما يلجأون الى تطبيق القانون بأنفسهم مما يفتح الابواب امام الفوضى.

بأي انجاز للثورة سنحتفل يوم 25 يناير؟ هل بقتل المزيد من خيرة شباب مصر في حين يهنأ عجائز النظام بحياتهم سواء في طره او في المركز الطبي بل ويخططون لتخريب مصر. هل يتعين ان يذهب الناس الى المركز الطبي لانتزاع مبارك بالقوة واعدامه على طريقة الدوتشي حتى تبدأ محاكمات جادة لاعوانه. ان الذين هاجموا القصر الجمهوري لن يترددوا في القيام بذلك عندما ينفذ صبرهم، مالم يبدأ مجلس الشعب تحركات جادة لتصحيح هذه الاوضاع.

العام الذي مر هو كمالة عهد مبارك وقد كان بالفعل كله بمذاق الكمالة. والكمالة في عالم الكشري هي طبق اقل حجما وسعرا من الطبق الاصلي يطلبه الزبون اذا شعر ان الطبق الاصلي لم يكف لسد جوعه. وهو في الغالب لا يكون مصدر متعة للجائع مثل الطبق الاصلي لانه يكون على وشك الاكتفاء. وهكذا كان العام بالنسبة لنظام مبارك. صحيح انهم لن يتمتعوا بنفس السلطة والقدرات غير المحدودة التي انفردوا بها على مدى ثلاثين سنة سوداء مرت على مصر، ولكن العام كان ملكهم بلا منازع. فهم الذين كانوا يحركون الاحداث وهم الذين كانوا يوقعون القتلى والمصابين بين ابناء الشعب، وبصفة عامة فقد كانوا هم اصحاب اليد العليا في البلاد.

ولكن المخيف حقا ان هذا قد لا يكون هو طبق الكمالة الوحيد الذي يطلبه النظام. فمن ادرانا الا يطلب النظام طبقا بعد الاخر ليرضي ظمأه وسغبه الذي لا يشبع من دماء الناس ومقدراتهم ومستقبل البلاد. من ادرانا ان نظاما اعتاد على العبث بكل شيء والافلات من الجريمة يمكن ان يتوقف عن جرائمه. لقد حكم مبارك 30 عاما بصورة مباشرة ومازال يحكم حتى الان ولكن عن طريق ابالسته وشياطينه الذين يعيشون بين ظهرانينا واولئك الذين لم تكسر شوكتهم طره ولا يخيفهم المركز الطبي.





ليست هناك تعليقات: