الصفحات

الاثنين، ديسمبر 05، 2011




ولا عزاء للثوار الحقيقيين






انتهت الجولة الاولى من انتخابات درجت الادبيات الشعبية على وصفها بانها اخطر انتخابات برلمانية في تاريخ مصر (رغم ان البرلمان بدون صلاحيات معروفة وقد يقوم المشير الذي يتولى السلطة بلحكم الامر الواقع بحله اذا ما حدث خلاف حول كتابة الدستور). وهي اول انتخابات في الواقع تجعلنا نقر بفضل طيب الذكر الرئيس مبارك علينا فقد كان الرجل يتحمل وحده (او لنقل مع قلة من معاونيه والكثير من البلطجية) عبء التصويت عنا ولنا والخروج لنا بالنتيجة دون أن يحملنا أي عناء او مشقة. وطوال عهده العطر كنا مثل المريض الذي يتحفز لدخول غرفة العمليات ولكنه يفاجيء بالطبيب يقوله له : يمكنك ان تذهب الى المنزل الان وتنام فقد اجرينا لك العملية ونجحت وصحتك على خير مايرام. وليس هناك بطبيعة الحال مجال لدهشة المريض ولا حتى للتساؤل كيف ومتى اجريت العملية؟.

لاول مرة تركنا مبارك لنواجه انفسنا في امتحان عسير فكنا مثل فراخ الطير الصغيرة التي ما زال يغطيها الزغب عندما تخرج مع امها متهللة وميممة صوب البحر لتخوض تجربتها الاولى في السباحة. لم يكن مبارك معنا ليطمئنا بروح الاب الودود باننا سننجح جميعا سواء اصبنا او اخطأنا وان وجوده بيننا كفيل وحده بان يصحح حتى احلامنا وطموحاتنا ويحقق رغباتنا ويحول مخاوفنا الى آمال وتطلعات.

 
لم يكن مبارك وصحبه هناك ولكننا مضينا في طريقنا تجذبنا مياه البحر وصفحتها المضيئة مطمئنين الى جناجي الام اللذين كانا يدفعانا ونحن نتعثر بين قطع الاحجار ونسقط في الحفر الصغيرة ولكن كنا ننهض واثقين اننا نسير في اتجاه واحد..هو اتجاه المياه الشاسعة.

ولكن المياه مثلما هي اختبار للشجاعة والتجربة فهي ايضا يمكن ان تكون وسيلة للغرق والهلاك. فهل نجحنا نحن في اختبارنا الاول؟.



ناهيك عن ان الانتخابات جاءت متأخرة جدا فهي فضيحة ان يصوت شعب للمرة الاولى في تاريخه في انتخابات (لنصفها على سبيل التجاوز بانها ديمقراطية) في نهاية العام الاول من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.


نسبة التصويت في المرحلة الاولى كانت 62 في المئة وهي نسبة معقولة لشعب تتعامل الغالبية العظمى منه مع صناديق الاقتراع للمرة الاولى. والكثير من السلبيات التي ظهرت في المرحلة الاولى يمكن تجنبها في المراحل التالية وفي الانتخابات القادمة. المهم ان الناس اقتنعوا بفكرة ان التصويت يمكن ان يكون وسيلة لتغيير حياتهم الى الافضل.


ولكن مثلما يحدث في مباريات كأس العالم عندما تهزم دولة صغيرة ومجهولة الدول العريقة في اللعبة وتتقدم عليها، وقعت مفاجئات غريبة في الانتخابات فقد جاء اناس جدد تماما ليسيطروا على الملعب ويقتسموه فيما بينهم ولا يتركوا للفرق الاخرى سوي الهوامش المحيطة به.

 
صحيح ان هناك نسبة كبيرة ممن ذهبوا ليصوتوا على اساس ديني غير مدركين ان الشخص الذي سينتخبونه سيدير شؤونهم الدنيوية ولا علاقة للامر بالمرة بالعالم الاخر، ولكن ذلك يمكن ان يتلاشى مع مرور الوقت ومع ادراك الناس لمدى تأثير البرلمان على اسلوب حياتهم ولاسيما الجوانب الاقتصادية. وهناك ايضا نسبة ذهبت للتصويت خوفا من دفع غرامة وانا الا ادري حقا من الذي خرج بهذه الرواية الغريبة التي تمثل امتهانا لكرامة الانسان بالقول ان من لا يصوتون سيتم تغريمهم. التصويت في الانتخابات يجب الا يكون عن طريق الترهيب فالمشاركة السياسية لا يمكن ان تكون بالاكراه. وبدلا من ذلك يجب اقناع الناس بان التصويت يمكن ان يغير حياتهم ولكن هذا بحاجة الى بعض الوقت والبرهنة عليه بالتجربة.


الثورة قام بها وبذل تضحياتها الكبيرة والكثيرة في الاساس عناصر ليبرالية تسعى الى اقامة مجتمع مدني ودولة حديثة تعيش في القرن الحادي والعشرين ولكن يبدو ان البرلمان القادم لن يعكس ذلك ابدا. غير انه يظل هناك امل في الناخبين الذين عرفوا طريقهم الى صناديق الاقتراع. والمصريون براجماتيون بقدر ماهم تقليديون ومالم ينجح البرلمان في تلبية مطالبهم الانية والعاجلة وهي كثيرة للغاية فقد يجد كثير من الاعضاء انفسهم يفترشون الرصيف في الانتخابات التالية.


ولكن على طريقة المفاجئات غير المتوقعة في كرة القدم، وكدلالة على صدق المقولة بان الانتخابات لا تأتي على الدوام بأفضل العناصر، فشل كثير من الثوريين الحقيقيين في الوصول الى البرلمان، ولعل من ابرزهم جورج اسحاق وهو رجل معروف بنضاله ونزاهته وتاريخه، وربما يتحمل اسحاق جزءا من اللوم في ذلك لانه ترك القاهرة وذهب الى بور سعيد. ولكن مثل اسحاق هناك الكثير من المناضلين مثل جميلة اسماعيل وشباب الثورة الذين يمثلون جيل الثورة الحقيقي. ولكن العزاء هو ان البرلمان ليس هو المكان الوحيد لخدمة الوطن لان المنابر بعد الثورة اصبحت اكثر من ذي قبل.


واذا ما توقفت اجتهاد الاخوان والسلفيون في البرلمان عند ضرورة تضييق فتحة صدر نانسي عجرم او اطالة ملابس غادة عبدالرازق لتغطي ساقيها فلن تتحرك البلد الى الامام بل نتوقع لها المزيد من التراجع. مصر في حاجة الى برلمان له رؤية تنموية وادارة عملية تحقق نوع من التنمية الاقتصادية قبل كل شيء. ولو لم يكن حزب العدالة والتنمية في تركيا تمكن من تحقيق تنمية اقتصادية حقيقة لما استطاع ان يقوم بتحجيم الجيش والحد من تدخله في السياسة مدعوما بالارادة الشعبية.













ليست هناك تعليقات: