Monday, August 29, 2011









الفصل الحامس



(ديجا تدخل مسرعة الى القاعة الكبيرة وهي تحمل بطاقات في يديها بينما سوزان تجلس على مقعد وهي تطالع صحيفة وامامها ملفات كثيرة).

ديجا: مش ها تيجي ياماما معانا الاوبرا. دي اول حفلة لبحيرة البجع الليلادي.

سوزان : لا ياديجا يا حبيبتي..معلهش انا مش فاضية النهاردة..روحي مع جمال. انا عندي اجتماع بكرة مع مسؤولين من الهلال الاحمر ولازم انام بدري.

ديجا: سيدة مصر الاولى بتتعب نفسها كتير خالص.

سوزان: طبعا ياحبيبتي أي شخص بيتصدى للمسئولية العامة لازم يتعب ويعاني.ما بتشوفيش جوزك بييجي هلكان ازاي بعد اجتماعات مجلس السياسات ولا الرئيس بييجي آخر الليل بياخذ نفسه بصعوبة. انتي بكرة كمان لما تكبرى وتبقي سيدة مصر الاولى ها تشوفي اد ايه المسؤولية متعبة.

ديجا: (تضحك في دهشة وسعادة وهي ترفع ذراعيها وتحتضن الهواء) انا ابقى سيدة مصر الاولى..انا..معقولة؟ أنا مش مصدقة ان دا ممكن يحصل خالص.

سوزان: ليه مش معقولة ليه..ايه الغريبة في دي؟.

ديجا: يعني انا ما عنديش مواهب حضرتك ولاحضورك ولا ثقافتك ولا ذكاءك.

سوزان: الحاجات دي ما بتجيش بالذكاء ولا الشطارة ياحبيبتي..ما سمعتيش المثل الى بقول اديني قيراط حظ وماتدينيش فدان شطارة. الشطارة هي التصرف الصحيح في الموقف الصحيح بس الاهم هو الحظ.

ديجا: لكن الحظ بييجي ازاي ياماما وافرضي انه ما جاش.؟

سوزان: الحظ دائما هو البداية..لكن بيحتاج شخص ذكي يعرف يستفيد منه..والحظ بييجي لكل الناس لكن الكسالى والخاملين ما بيعرفوش يستفيدوا من الحظ حتى لو جالهم..دا ممكن حتى لو جالهم حالهم يسوء.

ديجا: لكن اعرف ازاي ان الحظ جالي او ما جاليش.

سوزان: انتي دلوقتي ياحبيبتي بتعتبري محظوظة جدا..اتجوزتي جمال ابن الريس والسيدة الاولى وجوزك مسيره يبقي ريس ان شاء الله وانتي تبقي السيدة الاولى وممكن ابنكم كمان يبقى ريس وتبقي انتي كمان ام الريس وتبقى زوجة ابنك السيدة الاولى.. دا لو كانت الامور في عهدهم جميلة وسالكة وحلوة زي ما هي في عهدنا.

ديجا: يعني انا كده بيعتبر الحظ جالي بالفعل.

سوزان: طبعا لما الحظ بيجيلك بسرعة بيبقى احسن بكتير من الانتظار. ولما بييجي الحظ بتحسي ان فيه تغيير كبير ها يحصل في حياتك وبيبقى ليه قبل ما ييجي اشارات بيبعتها زي ساعي البريد.

ديجا: ازاي ياماما اشرحي لي.

سوزان: انا مثلا كنت مع عمك ابو جمال بنصيف في اسكندرية بعد ما تجوزنا بفترة مش طويلة. كان لسا نقيب او حتى ملازم طيار مش فاكرة وقابلتني ست عجوزة بتضرب الودع وقالت لى انتي ها تبقي ملكة مصر وتلفي الدنيا. لما قلت لعمك ابو جمال ضحك وقال لي دي ولية مجنونة ونسى الموضوع..لسا فاكرة اليوم دا زي النهاردة. كان نايم على الرمل وبيبحلق في رجلين البنات الى ماشيين على الشط لابسين البكنيي..اصله ما عندوش خيال خالص وتحسي احيانا انه ما عندوش حتى طموح.

ديجا: تعرفي يا ماما انا خايفة جدا اقولك لكن انا باعاني من نفس المشكلة.. جيمي نسخة من ابوه. ساعات بيحسسني ان ما عندوش حتى قدرة على التخيل No imagination at all لكن كملي حكايتك ارجوكي.. واضح انها حكاية جميلة قوي.

سوزان: كنت دايما بافكر في الولية بتاعت الودع كل ما ابوعلاء يترقى ترقية ولما تعين قائد للقوات الجوية قلت احنا واضح بنقرب من النبوءة والحلم الجميل الى حكته الولية بتاعت الودع ولما تعين نائب رئيس انا حسيت ان احنا خلاص. كانت ساعتها الست بتاعة الودع ما بتغيبش عن خيالي ولا لحظة وهي بتقولي ببقها العجوز (تقلد صوت امرأة عجوز متداعية) "انتي ها تبقي ملكة مشر وتلفي الدنيا والكل ها يبقوا خدم عندك يترموا تحت رجليكي ويتمنوا رضاكي بأي تمن" ولما حصل موضوع المنصة بقيت ملكة مصر فعلا.

ديجا: الله.

(خدم يدخلون لتغيير باقات الزهور بباقات اخرى)

سوزان : (للخدم) طبعا المواعيد اتغيرت..زهور كل ساعتين بدل كل تلات ساعات..وزهور هولندية ما فيش مصرية.

كبير الخدم : اوامر سعادتك يا افندم.

(الخدم يخرجون).

سوزان: (لديجا) انا كنت باقولك ايه..آه كلام الست دي سبب لي قلق شديد سنين وايام وليالي طويلة وكنت دايما باسأل نفسي ياترى كلام الست دي ممكن يطلع صح ولا دي تخاريف زي ما ابو علاء بيقول..ومع كل خطوة كنت بأسأل نفسي احنا قربنا من الحلم ولا لسا. يعني ببساطة عشت ايام صعبة لكن انت وضعك مختلف.. ممكن نقول انك اتولدتي وفي بقك معلقة ذهب.

ديجا: ياه ياماما انتي كلامك جميل قوي....

سوزان: يعني علشان تعرفي انا اد ايه تعبت. لما ابو علاء بقي نائب رئيس وحصلت مشكلة بينه وبين السادات وكان فيه كلام انه ها يشيله من منصب النائب رحت برج العرب وقعدت الف على الولية بتاعت الودع زي المجنونة يوم كامل واسأل عنها كل الى يقابلني حتى كلفت مدير الشرطة في المنطقة يدور عليها وبعد يومين تلاتة جه قال لي انه توصل لشخصيتها وانها توفت من سنتين. كنت ها اتجنن..كنت محتاجة كلمة منها تطمني وتريح قلبي. لكن حادث المنصة جه بعدها على طول.

(جمال يندفع الى القاعة مسرعا)

جمال: بابا فين هو لسا ما جاش؟

سوزان: لا لسا ما جاش.

جمال: ما تعرفيش هو فين ياماما.

سوزان: سمعت ان السفير الفرنسي بعت له علشان يشكره على موضوع الجندي الاسرائيلي الى حماس خاطفاه دا الى اسمه شليطة ولا شليط.

جمال: وهي فرنسا مالها بالموضوع؟.

سوزان: ابوك بيقول انه مواطن فرنسي يهودي.

جمال: يهودي ولا مش يهودي..المهم انا عاوز بابا بسرعة.

(اصوات ابواق وسيارات في الخارج وهتافات عسكرية).

جمال: الحمد لله اخيرا بابا وصل.

(مبارك يدخل من باب القاعة ويلقي التحية)

ديجا : حمد الله على السلامة يا عمو.

جمال: حمد الله على السلامة يابابا..الف حمد الله على السلامة.

مبارك: ايه يابني..هو انا كنت في الحرب؟.

جمال: انت يابابا دايما في حرب حتى وانت نايم.

سوزان: طبعا ياحبيبي مش بينام بالقميص المدرع..ازاي ما يبقاش في حرب.

جمال : لا ياماما انا قصدي انه مشغول دايما بينا..يعني شايل هم 80 مليون..ربنا يكون في عونه. الى عايز يتعالج والى عاوز ياكل والى عاوز ينام والى عاوز...

سوزان: والى عاوز يعملها كمان..

ديجا: بيفكرني ياماما بعمر بن الخطاب لما قال اذا اتكعبلت نملة في اليمن ربنا ها يسأله عنها.

مبارك: (ينظر الى ديجا ويضحك) فصيحة ذي جوزك.. انا باتشائم منك ياولد ياجمال لما بتستقبلني الاستقبال المهياص بتاعك ده..ايه عاوز فلوس..حد من معارفك او اصحابك عاوزين خدمة..خلص بسرعة مش فاضيلك.

(سوزان ويدجا تدخلان)

جمال: بصراحة يا بابا انت مش مخليني عاوز حاجة اطلاقا..انت مش مخلي واحد من 80 مليون محتاج حاجة..يعني اقرب واحد فيهم لك ها يكون محتاج حاجة وتتأخر عنه.

مبارك: ايوة..ايوة..دا بداية البكش..هات ماعندك بسرعة لان انا مش فاضي.

جمال: فيه واحد زميلي في مجلس السياسات عنده مشكلة صغيرة.

مبارك: اوعى يكون الى اسمه هشام طلعت مصطفي.

جمال: للاسف هو يا بابا.

مبارك: شوف ياجمال صاحبك دا مشكلته المرة دي لا هي مخدرات ولا قروض من البنوك ولا ارض لمشروع دا المشكلة اكبر بكتير من كل دا.

جمال: يعني انت عارف يا بابا؟.

مبارك: طبعا وبقى لنا يومين كل المسئولين في البلد شغالين يدوروا على حل زي ما تكون كارثة قومية حلت على البلد.

جمال: لكن الحمد لله يا بابا وصلتوا لحل.

مبارك: لا..المشكلة دي بالذات مالهاش حل..الحل في أيد اطراف تانية خالص.

جمال: مش معقول بابا الى بيحل مشاكل دول بأكملها ها يعجز عن حل مشكلة ابن صديقه.

مبارك: المشاكل الى ابوك بيحلها بتبقى بين دولتين مش كل دول الامم المتحدة طرف فيها..صاحبك متهم بقتل مطربة مش شخص عادي ولبنانية مش مصرية وقتلها في دبي ما قتلهاش في القاهرة او لبنان دا في دبي. ودا طبعا بعد ما قعد يطاردها في لندن لما طفشها منها.

جمال: هو اكد لي يا بابا انه ما قتلهاش ولا له علاقة بها.

مبارك: الى انت ما تعرفوش ان احنا حاولنا نغطي علي الموضوع لكن المسألة فاحت ريحتها قوي وخرجت من ايدينا. لو كان قتلها هنا في مصر كنا عرفنا نلم الدور لكن لازم يقتلها في دبي؟؟!!!!

جمال: هو ما قتلهاش يابابا.

مبارك: دا كلام هو بيقوله.

جمال: انا باثق في هشام يا بابا وهو مش ممكن يعمل كدا ابدا.

مبارك: الجماعة بتوع الامارات قدموا اوراق وادلة وقالوا ان القاتل لازم يتحاكم.

جمال: كله متفبرك يابابا..انت عارف هشام رجل اعمال ناجح وفيه مشاكل بينه وبين رجال اعمال كبار من الامارات.

مبارك: الموضوع يا بني فيه حاجات انت ما تعرفهاش.

جمال: يابابا هو حلف لي انه ما قتلهاش وحلفني ان اطلب منك تساعده..دي مؤامرة على هشام يا بابا.

مبارك: الادلة الى قدمتها شرطة الامارات ما بتقولش ابدا كدا.

جمال: حتى لو افترضنا..دا فرض يعني مش حقيقي ان هو الى قتلها..مش معقول يا بابا ها تضحي بان صاحبك علشان بنت ذي دي.

مبارك: لو الموضوع في ايدينا يابني كان على عيني..لكن للاسف...

جمال: بس انت يابابا مش ها تتخلي عنه دا ابن صديقك برضه.

مبارك: ابن صديقي لكن الموضوع مش في أيدي..تفتكر اقدر اعمل له ايه...

جمال: يا بايا هو حلفني بصداقتك لباباه والسندوتشات الى انت كنت بتأكلها لباباه انك تقف جنبه.

مبارك (في انفعال غاضب) قصدك السندوشتات الى كان ابوه بيأكلها لي..السندوتشات دي خاد حقها تالت ومتلت. كل سندوتش خاد بداله فدان ارض في احسن اماكن في مصر سواء في الاسكندرية او القاهرة...انا ما فيش حد له فضل عليا.

جمال: انت زعلت يا بابا انا ما اقصدش خالص..دا انا باضحك يا بابا.

سوزان: (تدخل مع ديجا) هي ايه حكاية السندوشتات بتاع طلعت مصطفى دي يا حسني. انا بقالي كتير باسمع عنها لكن مش فاهماها.

مبارك: دي حكاية قديمة مالهاش لازمة..لما كنت في المدرسة في كفر المصيلحة كان والد طلعت مصطفي مهندس زراعي مرتاح يعني شوية لكن انا ابويا كان حاجب في محكمة وحالته يعني على قده..كنت في اكتر الايام ما باخدش معايا سندوتشات وانا رايح المدرسة واحيانا كنت باروح حتى من غير فطار لكن طلعت كانت شنطته دايما تبقى ملانة بالسندوتشات. كنا نقعد انا وهو وحسين سالم ناكل فيها طول النهار. لكن هو خاد حق السندوتشات دي مليارات.

جمال: انا ما اقصدش يا بابا ان ازعل حضرتك.

مبارك: ولا تقصد...شوف يا ابني انا ما فيش حد عمل فيا جميل الا ورديته اضعاف اضعافه. مش مع طلعت مصطفي بس دا مع كل الناس. دا مبدأ في حياتي..ان انا ما ابقاش مديون لحد بجميل..وعمري ما اسيب حاجة علي ابدا لحد. الرجل الى دخلني الكلية الجوية وكان السبب في العز والابهة الى انا عايش فيها دي كلها جبت ابنه عملته وزير لحد ما زهق وكل ما يقولي عاوز استقيل واستريح اقوله خليك في شغلك ان شا الله حتى ما تروحش المكتب وما سبتوش يستقيل الا بعد ما جاني وقال لي انه خلاص عاوز يرتاح خالص. وعلى فكرة دا الوزير الوحيد عندي الى سمحت له ان يستقيل..اي وزير تاني ما يقدرش يستقيل لازم يستمر مكانه لحد ما انا اشوطه. حتى بعد هو ما استقال كل ما اشوف حد من قرايبه ينفع سفير ولا دبلوماسي ولا حاجة ما اسيبوش.

سوزان: حسين سالم كمان كان معاك في المدرسة؟.

مبارك: حسين سالم كان فارض حمايته علينا في مقابل السندوتشات بتاعت طلعت...

جمال: ازاي يا بابا؟.

مبارك: حسين كان والده فقير دقة. كنا كلنا بنلبس الجزم نروح بها المدرسة الا هو. كان دايما يحط الجزمة بتاعته تحت باطه ويمشي حافي لحد باب المدرسة وهناك ينزل الجزمة ادامه بالراحة ويدخل رجله فيها بحذر واول ما يطلع من المدرسة ينفضها ويحطها تحت باطه تاني. ولما كنا نسأله عن السبب كان يقول ان رجليه لو حصل لها حاجة يعني اتعورت ولا حاجة ها تطيب وترجع لاصلها لكن الجزمة لو حصل لها جرح مش ها يلم ابدا. والجزم كانت حاجة غالية جدا على ايامنا…

جمال: دا انتوا واضح ان ظروف الحياة كانت في ايامكم صعبة جدا يا بابا.

مبارك: طبعا..كنا بناخد الكتب في شنط قماش ما كانش على ايامنا فيه شنط جلد للمدارس والكلام الفاضي بتاع الايام دي. حسين كان الوحيد الى بياخد كتبه في كيس خيش كبير من بتوع الدقيق وفي يوم المدرس بيقول له طلع كتاب العربي مسك الكيس من اخره ونطره على الارض..الفصل كله اتملى دقيق. المدرس ضربه بالمسطرة على ايديه وعلى وشه قام مطلع البرجل وقام غزه به في ايده ومن يومها والكل بدأ يعمل حسابه حتى الناظر وما كانش يدخل خناقة الا بالبرجل.

سوزان: هو شكله فعلا بيقول انه متشرد وتربية شوارع حتى وهو كبير دلوقتي.

مبارك: من كام سنة حسين جاني وقال لي انا عاوز اشتغل يا ريس بس شغلة دقيقة شوية قلت له ايه يا حسين ها تشتغل في الساعات ولا ايه قال لا ياريس انا محرج اكلمك لا تفهمني غلط ولا حاجة قلت له اتكلم يا حسين عاوز ايه. قالي ياريس انا كنت عاوز اعمل بيزنس مع الاسرائيليين..يعني اصدر لهم الغاز قلت وماله يا اخي. قال لي انت عارف الناس ممكن تقعد تلسن قلت له الى يلسن يلسن زي ماهو عاوز انت رجل وطني وما حدش يقدر يزايد عليك وها امد لك خط الغاز من جيبي كمان. الموضوع اتكلف اكتر من ربعمية مليون دولار قلت مش خسارة فيه على الايام الى شوفناها سوا انا وهو...

ديجا: تقصد ياعمو من ميزانية الدولة ولا من مالك الخاص؟

مبارك: (يضحك) ما فيش فرق يا بنتي بين ميزانية الدولة ومالي الخاص..دي في جيبي الشمال والتاني في جيبي اليمين والاثنين دايما سايحين على بعض..ساعات امد ايدي في جيوبي الاقي بطرس غالي قاعد في جيب منهم اقول له بتعمل ايه يا بني يقول لي دي حركة تنقلات خفيفة ياريس..اقول له طيب يا بني ربنا يعينك.

ديجا: تعرف ياعمو انت بتفكرني بلوي كاتورز.

مبارك: ومين بقى لوي كاتورز دا؟

ديجا: دا رجل انا درسته في الجامعة يا عمو الى كان قال (تنطقها بصوت رجولي مفخم) لو إيتا سي ايه أموا.

مبارك: يعني ايه بقى الكلام دا؟

ديجا: (تقولها بصوت رجالي مفخم وهي تضرب على صدرها بشدة) معناه ياعمو "الدولة هي انا".

مبارك: اهو لوي كاتورز بتاعك دا بقى حرامي كبير لانه سارق مني الكلمة دي.

دبجا: يا عمو دا مات من زمااااااااااان.

مبارك: ولو اهو برضو كان حرامي.

(ديجا وسوزان تدخلان الى غرفة جانبية)

جمال: يا سلام يا بابا انت بتضرب المثل في الوفاء للاصدقاء واولاد الاصدقاء.

مبارك: بس اولاد الاصدقاء لما يعكوا والعك ييجي على دماغنا تبقى العملية صعبة. عارف لو كان هشام قتل الف مصري ولا حتى الفين وعندنا هنا كنا ها نلاقي له مخرج. لكن مصيبة صاحبك اكبر من كده بكتير.

جمال: يا بابا مش ممكن واحد في حكمتك وخبرتك ما يلاقيش مخرج من الموضوع دا.

مبارك: مصيبة هشام ان هما في الامارات طلعوا امر اعتقال دولي للانتربول قبل ما يكلمونا في الموضوع لانهم خايفين ان احنا ممكن نحاول نطرمخ عليه.

جمال: هو كمان يا بابا قلقان جدا وعاوزني اطمنه علشان يرجع.

مبارك: يرجع منبن؟

جمال: هو في سويسرا يا بابا.

مبارك: هو لازم يرجع غصبا عنه لانه لو مارجعشي ها يتقبض عليه هناك ويترحل زي السوابق ويتحاكم في الامارات.

جمال: لكن لو رجع يا بابا هنا مش ها يتحاكم..مش كدا؟.

مبارك: دي حاجة انا ما اضمنهاش لان الناس هنا بيقولوا ان التهمة لابساه لابساه..صاحبك ارتكب جريمة الحيوانات ما ترتكبهاش..في عالم الاسود الى عايشين في الغابة فيه اعراف ان الاسد ما يصطادش من منطقة صيد اسد تاني لان دا تعدي لكن الاسد بتاعنا راح خطف البنت من حجر الاسد التاني ودبحها. ومحمد بن راشد وولاد زايد حاسين انهم اتهزأوا ولازم هشام يتعاقب. طبعا هما بيتكلموا على الامن والنظام وصورة البلد والاستثمارات لكن هما حاسين بالاهانة ان البنت اتقتلت وهي في حمايتهم.

جمال: يعني هما فارضين حمايتهم على كل الى يدخل اراضيهم؟.

مبارك: الموضوع يا بني له خلفيات طويلة..انا الشيخ محمد بن زايد اتصل بيا اول امبارح وهزاع بن زايد رئيس المخابرات اتصل بناس عندنا النهاردة وفي صوته نبرة تهديد سخيفة.

جمال: يعني هما ما هم بيعملوا الى هما عاوزينه وما حدش بيحاسبهم.

مبارك: هما بيعملوا الى هما عاوزينه في بلادهم.

جمال: وفي بلادنا يا بابا وفي امريكا وفي كل مكان في العالم.

مبارك: هما عندهم الفلوس الى يعملوا بيها اي حاجة حتى في امريكا او غيرها.

جمال: احنا كمان يا بابا مش من حق حد يتهمنا ونسكت له.

مبارك: شوف يا ابني ها احكي لك حكاية علشان تعرف احنا موقفنا حرج اد ايه..اخر مرة كنت بازور الشيخ زايد الله يرحمه كان باين عليه انه حاسس انه خلاص ايامه على الدنيا معدودة وقال لي بحزن دي يمكن اخرة مرة تشوفني فيها يا حسني واداني شيك بربعمية مليون دولار قال لي يمكن تكونوا محتاجينهم في مشروع ولا حاجة فانا ضحكت وقلت له دي زكاة مال دي ياشيخ زايد ولا ايه.. ضحك وما تكلمش. انا لما جيت هنا قلت لبطرس غالي خلي الشيك دا لوحده ما تدخلوش على الميزانية دلوقتي قال لي حاضر ياريس. بعد شوية جه علاء اخوك قال لي انا محتاج ميت مليون دولار يابابا ضروري..اديته من الشيك ولما انت كنت رايح تشتري العفش بتاعك من ايطاليا اديتك مية انت كمان لان انا ما احبش اطلاقا ان افرق بين اولادي ..انا طول عمري شعاري العدل..ما احبش ادي لواحد اكتر من التاني ابدا حتى انت قلت لي يا بابا انا مش عاوز الفلوس دي كلها..فاكر..؟

جمال: فاكر طبعا يا بابا.

مبارك: المهم الشيخ زايد الله يرحمه توفى وبعد شوية فوجئت بسفير الامارت بيسأل عن المشروع الى احنا استخدمنا فيه الفلوس. طنشنا وما رديناش على الجواب بتاعه. بعت الجواب تاني طنشنا. خاد بعضه وراح على وزارة التعاون الدولي يسأل قلت لهم قولوا له لسا بنعمل دراسة جدوى. بعد شوية لقيتهم قالوا عاوزين نرجع الفلوس تاني. رجعت لهم 200 مليون دولار ولما سألوا على الباقي قلت للمسئولين عندنا يقولوا لهم ان المبلغ الباقي انصرف على دراسة الجدوى.

جمال: وهما صدقوا يا بابا؟

مبارك: هما سكتوا لكن بعد شوية لقيت السفير بتاعنا في ابو ظبي باعت لوزارة الخارجية خطاب سري بيقول ان الاخوة الاماراتيين في وزارة الخارجية الاماراتية بينكتوا علينا. بيقولوا لما تعدي على واحد مصري وتقول السلام عليكم يقولك استنى اما اعمل دراسة جدوى الاول قبل ما ارد عليك السلام. ولما حصلت عندنا مشاكل في الافران وبدأ الناس يقتلوا بعض علشان العيش بعتوا لنا شوية قمح منحة وكان اول بند في ورق المنحة انه لايجوز اجراء دراسة جدوى للمنحة. طلبت الشيخ خليفة بالتليفون وقلت له ايه دا يا خليفة ضحك وقال لي يا اخي هادا خطأ الموظفين بس احنا كنا تبرعنا بمبلغ لمشروع سد في بنجلاديش فالاخوة في بنجلاديش راحوا صرفوا كل الفلوس وبعتوا يطلبوا مننا مبالغ تانية علشان يكملوا دراسة الجدوى فالموظفين عندنا عمموا الموضوع لكن ما يقصدوا أي اساءة لينا.

جمال: وايه علاقة الموضوع دا بهشام.

مبارك: يا بني الناس دول ممكن يفضحونا..يعني نضحي بسمعتنا علشان سي هشام ماشي يحب في الستات ويقتل فيها. دا حتى الموضوع واضح انه شاع قوي في الخليج. عارف حتى لما الملك عبدالله بتاع البتاع بتاع السعودية اتبرع لنا بعبارتين كان اول شرط في الورق عدم اجراء دراسة جدوى. الناس بقى عندهم رعب من دراسات الجدوى الى احنا بنعملها في مصر.

جمال: يعني يا بابا ها نضحي بهشام؟

مبارك: شوف يا ابني السياسة دائما بتحطك في مواقف وخيارات صعبة..احيانا بتبقى مطالب انك تضحى بشيء من اتنين ممكن يسببوا لك نفس الالم ونفس المتاعب فانت بتختار الابعد عنك والاقل تكلفة وتضحي به. الكرسي الى انت بتحلم انك تقعد عليه بكرة ولا بعده دا راح في سبيله الاف ويمكن عشرات او حتى مئات الالاف من مصر ومن غزة والعراق ومن افغانستان وباكستان ومن ابعد نقطة في الكرة الارضية..ناس ممكن كانوا قاعدين بياكلوا معاك على نفس الطرابيزة وناس لا بيتكلموا لغتك ولا عمرك شفتهم لكن بيجمعكوا شيء اساسي يخليكوا واقفين في نفس الخندق لكن وقوفك في المكان الصحيح في توقيت معين ممكن يكلفك كتير..ممكن يكلفك الكرسي نفسه.. وعلشان كدا بتختار تتخلى عنهم وتضحي بيهم بدل ما تضحي بنفسك.. الكرسي الى انت ها تقعد عليه يا ابني دا ملوث بدم ناس كتير..دم اطفال كانوا لسا بيتطلعوا للحياة ودم ناس مسنين ما امهلهمش القدر علشان يموتوا في سرايرهم ويندفنوا دفنة كريمة ودم ناس كانوا سعداء بصخب الحياة الى اختلط بالقصف والقنابل الى ما بتميزش ..دم..دم..دم..هو دا للاسف ضريبة الكراسي الى احنا قاعدين عليها. احيانا بتضحي بدم الاخرين وانت حتى مش عارف انك بتضحي ومش عارف انت بتضحي بأيه لكن مجبر انك تضحي. وفي كل مرة تحس ان دي ها تكون اخر التضحيات لكن تفاجيء في كل مرة تقريبا انها بداية سلسلة جديدة من التضحيات الاجبارية.

جمال: وليه يا بابا احنا مضطرين نضحي التضحيات دي؟

مبارك: للاسف يا ابني احنا في ظرف تاريخي سيء..والتضحية دي زي ما تكون قرابين علشان نبعد الشر عن الكرسي الى احنا قاعدين عليه..ولو ما ضحيناش علشانه كل شوية هانلاقي ناس كتير مستعدة تضحي اكتر مننا علشانه.

جمال: مش عارف يا بابا اقول ايه..بس هشام صديقي وصعب الواحد يقف يتفرج على صديقه وهو في محنة.

مبارك: شوف يا ابني لو انا لي صديق بيغرق وانقاذه ها يكلفني حياتي..في الحالة دي ها اسيبه يغرق بسهولة.

جمال: .............

مبارك: معلهشي يا جمال يا بني هارد لك المرة دي...طبعا انت عاوز تفهمني ان الموضوع كله صداقة وعضوية مجلس سياسات وكلام من دا..لكن انا فاهم كويس ان فيه خمسين مليون دولار….

جمال: (يرتعش ويتلعثم) خمسين مليون..معلهشي يا بابا انا مش فاهم قصدك ايه؟.

مبارك: شوف يا جمال يا بني ما فيش نملة في البلد دي انا ما اعرفشي بتعمل ايه..بتصحى من النوم الساعة كام وبتفطر ايه وبتعمل ايه بقية اليوم. ودا انا اتعودت ان اعمله من زمان مع كل الى بيشتغلوا معايا علشان لما ييجي يوم واقول لواحد روح غور في داهية ما يقدرش يفتح بقه. انت مثلا شفت عمري طردت وزير وطلع بمبك في الصحف وقال انا مستاء او مظلوم او متظلم من الاقالة. ما يقدرش ببساطة لانه من اول يوم ما يخش الوزارة بيبدأ يهلب ويعمل اخطاء وانا بقى بارصدها له في ملف ويوم ما اجي اطرده بيكون الملف دا تحت ايدي. وطبعا انتوا علشان اولادي فانا برضوا باتابعكم بدقة.

جمال: يعني ممكن في يوم سعادتك يابابا تقيلنا من مناصبنا باعتبارنا ابنائك وفي الحالة دي لازم نقبل الاقالة والتخلي عن الابوة بسهولة.

مبارك: لا انا باتابعكوا من منطلق حرصي عليكم وعلى مستقبلكم لان انتوا اقرب الناس لي وانا حريص ان ما حدش منكم يقع في خطأ..وانا زي ما اباقولكم..الى يرتكب جريمة لازم يتحاسب لو وقع تحت طائلة القانون لكن لو ارتكبها وعدت يبقى خلاص. ودا نفس الموقف الى بينطبق على هشام. لو هشام كان قتلها هنا او في لندن ومشيت المسائل احنا ما كناش ها نحاسبه لكن لما يروح يقتل البنت في مكان حساس ويجيب لنا الاحراج والمهانة مع الناس ويقولك انه ها يدفع لك 50 مليون دولار لو حليت الموضوع.

جمال...انا..مش..يعني.....ال..؟

مبارك: طبعا انت مندهش بس انا مش عاوز اجيب لك المكالمة المسجلة الى هو عملها لك. طبعا انا عارف وباطنش. باقول اهي حاجة مش ها تضر وانت بتستفيد برضه. لكن لما يكون النظام كله مهدد بسبب سي هشام او عمولاته انا باقولك لأ.. مافيش حل.

جمال: صحيح يا بابا هو وعدني بخمسين مليون دولار لكن انا مهتم به كصديق مش علشان الفلوس.

مبارك: انت واخوك زودتوها جامد. كل ما تحصل مصيبة في البلد واتابعها لحد النهاية الاقيك انت او اخوك او انتوا الاتنين في نهاية الخيط. لدرجة ان انا بطلت اتابع أي قضية فساد وبمجرد ما اعرف حاجة اقول له يا عزمي فض الموضوع دا. وعزمي عارف بيعمل ايه..بيتصل بالمطار ويخرج المتهم. لان لو حد من الناس دي اتقدم للمحاكمة ها يبعبع ويتكلم ويفضح الدنيا. علشان كدا انا باسربهم على طول.

جمال: بس يا بابا احنا ما لناش علاقة بكل المشاكل دي.

مبارك: انا عارف ان انتوا مالكوش علاقة بها كلها..لكن اكيد لكم علاقة بخمسة وتسعين او تسعة وتسعين في المية منها.

جمال: لا يا بابا انا اقصد ان احنا ما لناش علاقة بها خالص.

مبارك: شوف البتاع دا بتاع المراكب دا الى اسمه..

جمال: مين يا بابا؟.

مبارك: الرجل الزفت دا بتاع العبارات…

جمال: تقصد ممدوح اسماعل يا بابا..

مبارك..ايوة ممدوح اسماعيل..مكتوب في الاوراق انه وكيل شركة الشحن..تعرف تقول لي مين المالك؟ ومع ذلك احنا ما بخلناش عليه بالمساعدة. عملنا الكارثة بتاعته جنحة وخرجناه على برة لحد ما الامور تهدي والناس تبدأ تنسي وبرجع تاني.

جمال: المسألة عمرها ما كانت بالنسبة لي فلوس يا بابا..المسألة ان انا طالع زي سعادتك تمام يا بابا باحب اصدقائي واولاد اصدقائي جدا.

مبارك: بس بتحب فلوسهم وبتحب الفلوس بصفة عامة اكتر من أي حاجة تانية..انا عاوز اعرف حاجة..انت ليه متخيل ان انا نايم على وداني..يعني موضوع تحصيل الديون المصرية انا وافقت لك عليه واتفقنا انك ها تحصل 50 في المية من قيمة الديون وتسلم 30 في المية للشركات الى برة وتحتفظ بعشرين في المية عمولة..دا كان الاتفاق بتاعنا لما سمحت لك تشتغل في المشروع..بعد فترة تجيلي معلومات انك بتحصل من الشركات مية في المية ومش بس كده.. دا انت كمان بتطالب بالفوايد لديون كانت معدومة اساسا وبتدفع للشركات الاجنبية 25 في المية بس. انا الكلام دا بصراحة ضايقني بس انا سكت وبلعتها زي ما بابلع حاجات كتير منك ومن اخوك.

جمال: يابابا موضوع الديون يعني دا انتهى من زمان..لكن مش عارف ليه سعادتك بتأنبني بأثر رجعي على حاجة اتنست..دا حتى المعارضة والناس نسيوها كمان.

مبارك: بس التاريخ ما بينساش حاجة.

جمال: التاريخ عامل سلبي في المعادلة يا بابا..مش عنصر فعال.

مبارك: هي دي بقى فلسفة مجلس السياسات بتاعكم..بالطريقة دي البلد مش ها تتقدم خطوة واحدة بيكم.

جمال: يا بابا يكفي البلد ان يكون فيها عقلية زي عقلية سعادتك علشان كل امورها تمشي تمام مهما كان الشباب الى فيها طايشين او مش فاهمين..انت البوصلة وانت المحور يا بابا.

مبارك: أهو الكلام الاهبل دا هو الى انت ناصح فيه لما تنزنق.

جمال: نرجع لموضوعنا تاني..انا حاسس يا بابا ان هشام مظلوم.. يعني اقول له ايه لما يكلمني؟

مبارك: قل له يرجع مصر..احنا ها نحاول نساعده قدر الامكان. البشر من طبيعتها النسيان والناس بتنسى سواء كانوا ملوك ولا رؤساء ولا ناس عاديين. خليه ييجي هنا..على الاقل ها يبقى تحت ايدينا وتحت عنينا لانه هناك ها يتبهدل جامد وممكن تبقى نهايته زي الطين.

(ديجا وسوزان تدخلان وديجا ترتدي فستان سهرة جديد تدور امام جمال ثم تتوقف)

ديجا: يلا يا جمال فاضل ساعة على الافتتاح.

مبارك: انتوا رايحين فين؟.

ديجا: رايحبن الاوبرا ها نشوف بحيرة البجع يا عمو. كان نفسي يا عمو اشوف البولشوي في موسكو لكن جمال مش فاضي. الفرقة الى عندنا دي من بيلاروسيا بس انا كان نفسي اشوف البولشوي.

مبارك: وما تجيبولهاش البولشوي هنا ليه تتفرج عليه..ليه ياسوزان ما بتكلميش الواد بتاع الثقافة دا الى اسمه ..اسمه ...

جمال: قصدك فاروق حسني يا بابا.

مبارك: ايوة يا سيدي فاروق حسني الى عامل بتاع ثقافة وكل ما اجي اغيره امك تقول لا مش ها تلاقي احسن منه وزير ثقافة يا حسني دا اكتر واحد شغال في الحكومة يا حسني اقول سيبه..وبعد شوية اقول دا بقاله كتير قوي ومفروض يتغير..امك تقول سيبه ياحسني..آجي بعد شوية اعمل اي تعديل وزاري الاقي صاحبنا اقدم واحد فيهم..اقول دا لو كان واحد بيوزع الثقافة دي في كبايات وبيلف بها على البيوت كان ثقف البلد كلها.. اتضح لي سبب حرص امك عليه ..لانه بيصرف جزء كبير من ميزانية الوزارة على مشروع مكتبة الاسرة ويقعد يطبع بيها كتب كل كتاب عليه صورة امك وفي النهاية الكتب بتروح لبتوع الطعمية واللب يعني اكتر من نص ميزانية وزارة الثقافة بتروح قراطيس لبتوع الطعمية واللب. ما تقولي له يجيب فرقة البتاع الى البنت عاوزة تشوفها على الاقل يبقى استفدنا شوية من فلوس الوزارة الى بتروح كلها هدر.

سوزان: ها اقوله يا حسني يجيب لها البولشوي في الموسم الجاي لو كان لينا عمر.

مبارك: اهو احنا قاعدين ها نروح فين يعني.

سوزان: قول ان شاء الله وما تعملش زي جحا.

مبارك: شوفي لينا لقمة نأكلها.

سوزان: ما فيش أي مؤشرات على موضوع جمال يا حسني؟

(جمال الذي كان يتجه الى الخروج والى جانبه ديجا يتوقف قليلا ليسمع رد ابيه على سؤال امه ثم ثمضي)

مبارك: يا موضوع جمال الى صدعتينا بيه دا..لا ما فيش حاجة جديدة...الموضوع عاوز وقت.

سوزان: وقت ايه وبتاع ايه..انت كنت بتقول اما كوندوليزا تمشي..اهي كوندوليزا غايرة في داهية قريب اهي.

مبارك: الموضوع مش اشخاص ..الموضوع ان اطراف كتيرة ماسكة الخيط بايديها..حاجة كدا زي المعادلات الرياضية..عارفة حسبة برمة الى بيقولوا عليها..اهي هي دي..

سوزان: دي فزورة بقى.

مبارك : مش فزورة ولا حاجة..انا ها اشرح لك الموقف.. امريكا في ايديها 50 في المية من اوراق اللعبة..اسرائيل 27 في المية طبعا كلها في الوساطة عند امريكا..الدول الغربية الكبيرة غير امريكا عندها عشرة في المية..مصر كل حصتها في الموضوع 13 في المية..النظام بوضعه الحالى ياخد 12 ونص في المية..والنص في المية الباقي مقسوم بين الجيش والشعب. كل واحد منهم نصيبه ربع من واحد في المية..لكن خطورة الموضوع ان اضعف حصة الى هي حصة الجيش والشعب ممكن تقفز وتبقى اكبر حصة وتوصل لحد مية في المية وتاخد باقي الحصص كلها في وشها..لو طرف منهم اتحرك في الوقت المناسب بجدية. ودي هي المشكلة الكبيرة..الموضوع عاوز موافقة ودعم من الخارج وتحرك محسوب في الداخل ولازم دا يكون متزامن مع دا وهو دا اخطر ما في الموضوع.

سوزان: انت كدا بتعقد الامور اكتر واكتر..

مبارك: هي الامور شكلها معقدة..واحتمال لو الامور استمرت على الوضع دا انا ها اضطر ارشح نفسي تاني.

سوزان: دي ها تبقى الفترة السادسة.

مبارك: حتى لو العاشرة..طالما مش عارف احط الواد مكاني وطالما الشعب عاوزني.

سوزان: شكلك ها تقعد لحد ما تبقى ابو رقيبة المصري..انت عارف طبعا كان بيعمل ايه وهو قاعد في الاجتماعات.

مبارك: وايه المشكلة..انا اليومين باقرا عنه كتير علشان استفيد..ودي هي الفايدة الوحيدة للتاريخ من وجهة نظري.

سوزان: مش عارفة يعني احنا نخلص من كوندوليزا يطلع الشعب..ولو خلصنا من الشعب ها يطلع الجيش.

مبارك: طبعا.. لازم كل الاطراف دي تكون مستعدة لحاجة زي كده.

سوزان: بس من امتى وانت بتعمل حساب للشعب يعني..ما انت بقالك 28 قاعد على قلبه وعارف تتصرف معاه ازاي.

مبارك: الطلعة الاولى دائما هي الى بتبقى صعبة..لكن اول ما العربية تمشى كم متر بيبقى المشوار سهل وأي حكم ديمقراطي زينا كدا لازم يفكر في الشعب.

سوزان: هو دا حكم ديمقراطي ولا دا شعب..هو دا يعني لو شعب عدل كان ها يسيبك تحكمه 28 سنة متواصلة.

مبارك: اهو سايبني ومبسوط بحكمي اخر انبساط..بتشوفي اي مكان باروحه بيقعدوا يسقفوا لي ازاي اول ما يشوفوني؟.

سوزان: طبعا دول ناس الحزب مأجرهم الواحد بعشرة جنيه ولا حاجة.

مبارك: لا..لا.. الحاجات دي قديمة ما فيش حاجة زي كدا دلوقتي..دا حب تلقائي..حب بيطلع من الناس بدون اعداد..دا الى بيسموه الحب من اول نظرة.

سوزان: طبعا دا حب المسجون لسجانه.

مبارك: حب المسجون..حب المغصوب..اهو كله حب..خلينا نأكل بلا شعب بلا نيلة.





ستار



















خاتمة




يرتفع الستار عن مبنى قائم بذاته اشبه بمنزل ريفي في سجن مزرعة طرة كل ما يبدو منه فراندا صغيرة في الخارج خلفها وعلى مسافة مترين منها باب من قضبان الحديد يبدو انه طلي حديثا تبدو خلفه زنزانة يحجب الرؤية الى جانب منها هشام طلعت مصطفى الذي يرتدي ترينج ويقف مستندا الى الباب الحديد الذي وضع عليه مرفقه. يمكن مشاهدة دش على المبنى وتلفزيون في الداخل الى جانبه جهاز كمبيوتر محمول مفتوح. الفراندة يقف بها جندي وينظر امامه واحيانا يلتفت الى هشام الذي يبدو انه يتحدث ولكن ليس الى الجندي.

مأمور السجن يتقدم صفا من كبار الضباط والجنود وهم يحملون الطعام على صوان كبيرة ويسيرون خلفه. الجميع يتوقف امام الزنزانة. الجندي يؤدي التحية العسكرية بمجرد اقتراب موكب المأمور منه.



المأمور : هو بيقول ايه؟

الجندي : بقا له ساعة يا افندم بيخطب بكلام انا مش فاهمه زي ما بيعمل كل يوم.

المأمور : هو خرج النهاردة يتمشى في السجن؟.

الجندي : أيوة يا افندم..خرج ورجع وبعدين قال لى اقفل الباب عليه.

المأمور : المفتاح فين؟

الجندي : انا قفلت عليه واديته المفتاح يا افندم زي اوامر سعادتك.

المأمور : مش مشكلة نقف شوية لحد ما يخلص..انتباه.

(الجميع يقف في حالة انتباه. وصوت هشام طلعت مصطفي يعلو وهو يقرأ القصيدة التالية وهي للشاعر الليبي على الفزاني).

ومع اقتراب القصيدة من نهايتها تبدأ الاضواء في الخفوت حول المسرح ويبدأ التسار في الهبوط.







رحلات قابيل العربي







أيُّها السّاقي الوسيم

هاتِ كأساً- من دَم عذب- ودندنْ للنّديم

فرفيقي خازن النّار ورُبَّان الجحِيم

كلّ ما حرّمه الإنسانُ يغدو- في لُهَانَا كالنعيم

مات فخذاً وكبد

ولساناً عربيّاً من قتيل في (أحد)ْ

وإذا الزّادُ في الليل نفذ

فلدينا بعض قدّيد حنينْ

وغداً نأتي برأس أبي ذر العنيد

* * *

أيًّها السّاقي الوسيم

فيك شيء يوسفيٌّ هذه الشًَّامةُ نجمة

هذه اللَّثغة بسمة

ولنا ليلٌ طويلْ

* * *

أيُّها السّاقي الوسيم

ليس للطغيان وقت أو زمن

نحن نأتي من توابيت الزمن

وإذا انهار وثنْ

حلَّ في الأرحام مليونُ وثنْ

نحن في (ذي قار) كنَّا وغداً نشعل الدنيا فتنْ

(وإذا الطفلُ غداً غضاً طرياً)

عشق القتل فأضحى القتلُ فن

* * *

أيُّها السّاقي الوسيم

أنا من قابيل نسلي- لست قابيل القديم

إنَّني نسل الجريمة

علناً تحت طيف الشّمس أقتل

وبدون الشّمس أقتل

إنّه العدل الجديدْ

أيُّها السّاقي الوسيم

تعرف البسوس وجهي

كنت في جند- المهلهلْ

ورآني النّاس في صفّ- كُليبْ

وأنا في الفتنة الكبرى أقاتلْ

حاملاً رُمحاً ومصحف

وأنا في العدوة الأخرى مكين

هكذا شئتُ وأبغي أن أكون!

حاضراً في اللعبتين!

أيُّها الساقي الوسيم

ثم ماذا؟؟

أنا في غرناطة الثكلى أساوم

تَارةً في قصر عبد الله رمح

تارةً في سيفي صليبْ!

* * *

أيها السّاقي الوسيم

مرَّةً أخرى أعود

ورآني الله والتاريخ في حرب الخليج

حاملاً كالناس شارات كثيرة

شارةً للذَّود على إرث القبيلة!

نجمةً للأمم المتحدة!

شارة الحلف.. والحلف صديقْ

وحباني مجلس الأمن وساماً أطلسياً

من عظام وحديد!

* * *

أيها السّاقي الوسيم

عسعس الليل.. فهيَّا..

في دمي من لهب النفط حريقْ

نمزح منك عليك

إنني منك لديك

* * *

هذه النّار و هذي السنبلة

هذا الرأسُ و هذي المقصلة

أيها السياف.. اضرب

قد سئمتُ المهزلة

* * *

الذي أوجدني

في بلاد القهر لن ينقذني

كلَّما ناج يته يخذلني

ضحكت مني شفاه الوثن

* * *

لزِجٌ كل سؤال

موجعٌ كل احتمال

إنّما الصبرُ على القهر اغتيالْ

* * *

أخذ البعض شبابي

سرق البعض ثيابي

ما الذي يجدني انتحابي

ارحموني من.. بلادي

* * *

لعبةٌ تلك المسافة

بين ظني ويقيني

بين شكي وظنوني

* * *

أشتهي شيئاً حراماً

ليس خمراً أو جسدْ

أشتهي من أبجدية التكوين حرفاً

وخروجاً من زمان مستبدْ

* * *

قيل لي هذا وطن

قلت ما معنى الوطن؟!

يشتهي الإنسان خبزاً

وهنا الخبز تراب وكفن!

* * *

قلت للعرّاف: هب لي مرّة رؤيا جميلة

أنت قد ضيّعت عمري بالتآويل الذّليلة

كل أيامي عذاب فاعطني فرحة ليلة

قال لي العرّاف اسكتْ

فكلانا يا صديقي ما له في الأمر حيلة











ستار





-------



كلمة لا بد منها



يروى ان الملك لويس الرابع عشر الملقب بالملك الشمس كان لديه عراف يستشيره كلما عزم على اتخاذ قرار مصيري وهام. وذات يوم قال للملك نبوءة لم ترقه فقرر الملك التخلص منه بالسيف ولكنه قال لحاشيته انه سيختبره الاختبار الاخير قبل قتله ليعرف ما اذا كان يستطيع ان يدرك ما انتواه الملك بشأنه. وأتي به الى البلاط وسأله امام الحاشية.

- ترى متي يحين أجلك؟.

وتردد العراف للحظات.

فتشجع الملك مبتسما وهو ينقل بصره في ارجاء البلاط الملكي الواسع وصاح فيه باصرار

- قل لي متي يحين أجلك؟.

- مولاي..مولاي...

وصاح فيه الملك وفي عينيه نظرة الانتصار

- اني أسالك متى يحين أجلك؟

وهنا قال العراف بهدوء

- قبل مولاي بيومين.

وخيم الصمت على البلاط للحظات وذابت ابتسامة النصر على وجه الملك مع الهدوء وتراجع لبرهة في مقعده وهو ذاهل.

- قلت متي؟

فرد عليه العراف ببرود شديد

- قلت قبل مولاي بيومين.

ومنذ تلك اللحظة تبدلت حياة العراف فاصبح محط رعاية الملك واهتمامه واصبح السؤال عن صحته بمثابة سؤال عن صحة الملك والاهتمام به اهتماما بالملك، فاذا خرج لويس الرابع عشر للصيد ألبسه الدروع وكلف مجموعة من الرجال بحراسته والسهر على راحته واذا آوى الى فراشه بعث من يطمئن عليه واذا شكا او توجع كان الملك يصله قبل طبيبه الخاص ليطمئن عليه. وغدا الرجل موضع اهتمام البلاط كله وقد ايقن الجميع ان حياة الملك مرتبطة بحياته رباطا لافكاك منه.



وعلى بعد الشقة ما بين رجل مثل لويس الرابع عشر كان من ألمع ملوك عصره وكانت فرنسا في عهده من اكبر دول العالم وازدهرت فيها الفنون والعلوم والرئيس مبارك الذي يعد واحد من ابرز الحكام المتسلطين في القرن الحادي والعشرين (مجلة فورين بوليسي تضعه في المرتبة الخامسة عشر بين ابشع 23 حاكما في العالم) ويقود دولة متداعية تنتظر شحنة القمح القادمة في البحر، فان هناك تشابهات غريبة بين الرجلين. ليس بالطبع في الحكم السلطوي فعلى الرغم من ان لويس الرابع عشر هو صاحب العبارة الشهيرة "الدولة هي أنا" التي يعرفها كل دارس للقانون او التاريخ الا انه كان ابن عصره بمعنى ان الحكم الديمقراطي لم يكن معروفا في العالم آنذاك كما هو الان ولم يكن هناك حقوق انسان ولا شيء من هذا القبيل. وعندما ننظر الى الرئيس مبارك نجد انه يحيط نفسه بنفس العرافين وكأنهم قالوا له ان مصيرهم مرتبط بمصيره وان نظامه المتداعي يمكن ان يكون مصيره الى الزوال اذا ما اختفوا من الصورة. ونلاحظ ان الكثيرين من المحيطين بالرئيس يثيرون سخطا شديدا لدى الشعب ولكن من ادرانا ان هذا ليس هو السبب المباشر في تمسكه بهم؟ مبارك يقول لنا ليلا ونهارا انا الدولة وانا الحاكم المفرد وانا ظل الله على الارض وانا ابو لويس الرابع عشر. ولكن المفارقة ان ذلك لايتم في القرن السادس او السابع عشر بل في القرن الحادي والعشرين. ويقوم مبارك بعملية تدوير للمحيطين به فينقلهم من مكان الى مكان ولكنه يحرص على ان يظلوا على قرب منه وفي متناول يده ومرمي ذراعه يهبون لنجدته ويهشون لمقدمه ويمسحون له الكرسي بدماء الشعب. ورغم ان عملية التدوير ربما تكون نتيجة نزوة احيانا او غضبة ملوكية الا انها لا تخرج ابدا بالنتيجة الطيبة التي تنتهي اليها عملية تدوير النفايات بهدف الحفاظ على البيئة بل يكون من نتيجتها استمرار بيئة الفساد والنهب واللامبالاة وانتهاك حقوق المواطنين.



ولعل من اغرب الكهنة في عهد مبارك الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب لمدة لا اكاد اتذكرها. والشيء المفهوم والعادي الذي لايختلف عليه اثنان هو ان رئيس مجلس الشعب يستغل المجلس الذي يفترض ان الشعب انتخبه للدفاع عن حقوقه ومصالحه في اغلاق اي طاقة نور يمكن ان يتنفس منها هذا الشعب حتى لو كانت قادمة من الخارج. وسرور هو مهندس التعديلات الدستورية المشئومة ويستعين بمعرفته الواسعة بالقوانين والتشريعات وكيفية التلاعب بها لمصلحة النظام وارضاء نزواته حتى يقال ان مبارك لو حلم بتحريم الملوخية لجد سرور في إيجاد الذرائع الطبية والدفوع القانونية والمسببات الدستورية التي يمكن ان تؤدي الى تحريم الملوخية.



والدكتور سرور هو رجل عشق السلطة ووقع في هواها وغوايتها كما يسقط شخص في غواية النداهة فهي بالنسبة له مثل عاشقة لعوب وعليه ان يحاورها ويداورها بسعة الحيلة حتى لا تهجره ويبدو انه آلى على نفسه ان يظل اسيرا لها ساجدا في بلاطها حتى الرمق الاخير.



وسرور هو نموذج بشع للشخص المصري الواعي عندما يبيع علمه ونفعه مقابل المال والسلطة ويستخدمه في غير موضعه من اجل المكاسب الزائلة والمغانم الشخصية الرخيصة دون ان يكون لديه من سعة الرؤية او الفهم ما يجعله يتطلع مثلا الى حكم التاريخ او المكانة التي يمكن ان يحتلها امام الاجيال التالية.



وامثال سرور للاسف ليسوا قلة بل هم الغالبية بين من يحيطون بالنظام مما يجعلك تتساءل ليس فحسب عن حدود الطموح المادي بل عن مدى قدرة الانسان على الاستيعاب.



وسرور استاذ كبير في القانون وهو حجة في مجال عمله وانا لا اقصد بالطبع عمله في مجلس الشعب فهذا يمكن لسائق ميكروباس او منادي سيارات في موقف الجيزة ان يقوم به على خير وجه ربما حتى افضل منه. ولكني اتحدث عن عمله كأستاذ للقانون. فبدلا من ان يسخر الدكتور سرور عمله ومعرفته لخدمة هذا الشعب الذي لا اشك انه انفق عليه في البعثة لكي يحصل على درجته العلمية العظيمة وما زال ينفق على السيارات السبع الفخمة التي تسير في موكبه الموقر (اربعة امامه وثلاثة خلفه) ويدفع له راتبه، اذ به يجعل من مجلس الشعب اداة لسوط الشعب واضاعة حقوقه مستعينا بحزب من ابشع الاحزاب التي عرفها تاريخ البرلمانات في العالم.



وكلنا نتذكر عندما زادت الضغوط على مبارك في عام 2005 كلف الترزي الكبير سرا بتفصيل قانون يلغي الاستفتاء ويتيح اختيار رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب للمرة الاولى. كانت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية انذاك على وشك ان تحضر مؤتمرا في القاهرة ولكنها الغته وعنفت ابو الغيط كثيرا في واشنطن وطالبته باتخاذ اجراءات اصلاحية. وقام سرور باجراء التعديلات الضرورية سرا. وخف اخينا في موكبه الى مدرسة المساعي المغمورة في المنوفية ليبشرنا بالديمقراطية دونما خجل ولاحياء. واذكر جيدا ان بعض الكتبجية في الصحف الحكومية الذين كانوا يعتبرون الاقتراب من الدستور مصيبة راحوا يشيدون بالتعديلات ويقولون انها جاءت في وقتها.



وفي عام 2006 اكتشف ترزية النظام ان التعديلات التي اجروها قد تسمح لغريب على الشلة بالتسلل الى المنصب العاتي فقاموا باجراء تعديلات هي الابشع والأسوأ في تاريخ التعديلات الدستوية في العالم مما اثار شجب وادانة من جميع منظمات حقوق الانسان المحلية والعالمية. والتعديلات الجديدة تهدف الى انفراد جمال مبارك بالسلطة بعد ابيه بحيث يصبح الحكم مثل حذاء سندريلا لا يتوافق الا معه حتى لو جربه 80 مليون يعيشون على ارض المحروسة.



والواقع اننا لو افترضنا ان امريكا واسرائيل وكل قوى الشر في العالم اتت بعصابة من الاشرار وكلفتهم بتدمير مصر وتخريب المنطقة العربية بأكملها ووفرت لها كل سبل الدعم المادي والسياسي لما نجحت هذه العصابة في مهمتها كما نجح مبارك واعوانه في الحزب الوطني. ومن الواضح ان المصريين لم يكرهوا شخصا في حياتهم كما كرهوا مبارك واسرته. ولكن الغريب ان المصريين لايثورون ولا حتى يفكرون في الثورة وهو امر في الواقع يحير الكثيرين ويجعل نظام مبارك يحكم دونما اي اعتبار للداخل. واذا كنت تحكم شعبا ميتا ومستسلما مثل الشعب المصري فمن حقك ان تعامله بالصورة التي تروقك.



والصحافة المصرية الحكومية تعيش أسوأ عصورها فقد ابتليت بمجموعة من المعاتيه ممن لايشغلهم سوى التنافس في لعق حذاء السلطة متخيلين انهم يمارسون عملية خداع للقراء ولكن للاسف هذا لايحدث لان احدا لايقرأ الصحف الحكومية كقاريء يسعى للحصول على الاخبار من مصاردها. ومن يقرأون الصحف الحكومية مثل الاخبار والاهرام والجمهورية هم فئتان لاثالثة لهما: الموظفون الحكوميون الذين تفرض عليهم هذه الصحف والاشخاص الذين يسعون الى قراءة الاعلانات سواء كانت اعلانات وظائف خالبة او عقارات او ما إليها.



وموجة الهجوم على البرادعي تكشف عن قلق النظام بقدر ما تكشف عن جليطة وسفالة هؤلاء الصحفجية وعدم احترامهم لأي مواثيق مهنية. ولكن في الواقع فالمسألة تتعلق بالكسب المادي البحت. واذا تخلينا ان صحفجيا من هؤلاء يكتب مقالة طويلة عريضة تزيد على ألف كلمة كل يوم لايقرأها اكثر من عشرة قراء منهم عامل الطباعة والمراجع ويحصل على مرتب يزيد على 300 الف جنيه في الشهر (على الاقل) أي عشرة الاف جنيه كل يوم، يمكننا ان ندرك حقيقة لماذا لايستبعد على هؤلاء ان يبيعوا ضمائرهم وكرامتهم وحتى مشاعرهم سعيا لهذا المكسب الذي يعد بمقاييس بلد فقيرة مثل مصر هائلا. ولننظر الى كاتب مثل توماس فريدمان. وفريدمان تنشر مقالته في 100 صحيفة ويمكن ان يكتب مقالة صغيرة تصيب كل الحكام العرب بالهلع وتجعلهم يلزمون الحمامات من فرط الإسهال والخوف على عروشهم، ولكنه في النهاية قد لايحصل على المبالغ الضخمة التي يحصل عليها صحفجيينا الاشاوس في بلد يعيش نحو نصف سكانه تحت خط الفقر. وحتى لو كان فريدمان يحصل على هذه المبالغ فانه يدفع ضرائب نحو نصفها.



وهؤلاء الصحفجية يبدو انهم مثل النظام منقطعو الصلة بالواقع. وهم يستلهمون كتاباتهم من اكبر محطة للصرف الصحفي (اقصد الصحي) في مصر ويكتبون عناوين سخيفة تشعر من قراءتها انهم يتحدثون عن الامان والتنمية والانجازات في بلاد الواق الواق او سنغافورة.



هناك شعور في مصر بان الجميع يمثل دورا او ما يطلق عليه بالانجليزية كلمة playacting ولكن الممثلين الذين يمثلون هذه الادوار حتى لايبدو انهم مقتنعين بها ولكنهم ماضون فيها بفعل الضرورة. هناك تمثيل في الحكومة وفي الصجافة وفي مجلس الشعب وفي كل مكان. أي كل مؤسسات الدولة تجاهد لخلق قناعة ومظهر بأنها دولة حقيقية وان النظام نظام حقيقي وان هناك مجلس شعب حقيقي. ولكن التدقيق البسيط يحول الامور الى كوميديا من النوع الرخيص. فمثلا انت تضحك عندما يقف الدكتور زكريا عزمي ليدين الفساد في المحليات ولكنه يتناسى انه يجلس في ظل اكبر هرم للفساد ومبنع كل فساد وافساد في مصر. وعندما يقول سرور ان الرقابة الاجنبية انتقاص من السيادة المصرية - ولا ادري حقيقة أي سيادة تلك التي يتحدثون عنها – تدرك على الفور ان الامر يقصد منه ان الانتخابات سيتم تزويرها مئة في المئة على طريقة الحزب الوطني. وعندما يسرق وزير ويمسك بالنهيبة التي سرقها وتنزع منه ولكنه يظل في الحكومة فانت تدرك في الحال انك مازلت تعيش في احدى اقطاعيات القرون الوسطى وليس في دولة في القرن الحادي والعشرين.



هذا النظام لديه حالة من البرود والكلاحة والجلاخة غير عادية بصورة تجعلك تصفه بانه اول نظام حقيقي للحلاقين في العالم. كافور حتى على ما ذكره المتنبي عنه لم يكن بهذه البلادة. ولايوجد نظام فرط في سيادة البلد مثل النظام الحال حتى المماليك الذين جلبوا من اخر بقاع الارض احبوا مصر ودافعوا عنها حتى حققوا النصر او استشهدوا او وصلوا الى حبل المشنقة. واعتقد ان مصر لم تشهد نظاما يكرهها ويكره ابنائها ولاسيما الفقراء والضعفاء منهم مثل النظام الحالي.



تشير الحكمة التقليدية الى انه عندما ينشأ المرء في اسرة فقيرة يكون اكثر نعاطفا مع الفقراء واكثر حدبا عليهم وتفهما لظروفهم ومعيشتهم ولايمكننا ان ننكر ان عبدالناصر كان كذلك ولكن مبارك حالة غريبة فقد نشأ ابنا لحاجب بسيط في المحكمة (انا لا اصدق كلام الحزب الوطني على الويكيبيديا بانه كان مفتشا بوزارة العدل فالحاجب لايرقي ابدا الى مفتش) ولكنه مع ذلك يريد ان يبيد الفقراء ويسحقهم ولو لم يكن الامر ليمثل فضيحة لكان جمعهم كلهم في الصحراء واطلق عليهم النار فهم يشوهون وجه مصر الحديثة التي يبنيها هو وحزبه الوطني الذي لم يترك فضيحة الا وطرق بابها ولا نقصية الا والتصق بها ولا رذيلة الا وعاقرها.



30 عاما ليست بالفترة القصيرة من عمر امة خاصة اذا كانت قد شهدت تغيرات كبيرة في الخارج وتراجعات هائلة في الداخل. فقد عاصر مبارك بحكمه انتهاء الحرب الباردة بين القوتين العظميين وانهيار جدار برلين والاتحاد السوفييتي وتحول اوروبا الشرقية وحتى دول كثيرة في افريقيا وامريكا اللاتينية الى الحكم الديمقراطي وحدوث تحولات كبرى حتى في مفهوم سلطة الدولة والتدخل الانساني كما حدث في البوسنة والهرسك.



مصر والمنطقة العربية لم يقتصر الامر فيها على التراجع السياسي بل انها تحولت من دول دكتاتورية تعيش خارج العصر الى غنيمة سهلة ولقمة سائغة لكافة القوى الطامحة الى عودة الاستعمار التقليدي الى المنطقة. واذا نظرنا حولنا سيبدو الامر كما لو كنت تتفرج على فيلم سينمائي فالعراق محتل والصومال منهارة ولم تقم فيها حكومة مركزية منذ 15 عاما والحكومة المدعومة من الغرب لا تسيطر سوى على بضعة مبان – لاشوارع كاملة – في العاصمة. السودان على وشك الانقسام الى دولتين من المتوقع ان يكون الصراع الدائم هو مصيرهما المحتوم. اليمن على وشك ان تتحول الى دولة منهارة بفعل الحركات الانفصالية والحروب الداخلية ولكي لا يحدث ذلك ويتحول الى مرتع للقاعدة يجب ان تسارع القوى الدولية التي نصبت من نفسها امينا حارسا على سلام العالم باحتلاله. العراق سيناريوهاتها كثيرة ومفتوحة ولا تبشر ابدا بالخير من احتمال تزايد العنف بعد انسحاب القوات الامريكية الى التقسيم والتطاحن الطائفي والانقلابات العسكرية على النظام المدني المتداعي بصورة تجعل المشروع الامريكي لنشر الديمقراطية في العالم العربي كابوسا مريعا. وباقي الدول العربية حالها لا ينبيء بخير فهي مهددة ايضا ان لم يكن عن طريق قوى واضحة في الداخل او الخارج فعن طريق التآكل الطبيعي للنظم السلطوية.



دولة واحدة هي التي كتب الله لها الانتعاش والنمو والتمدد والاتساع حتى اعتبرت المنطقة كلها بمثابة مجال حيوي لها وهي اسرائيل. هل تتخيل ان الفترة التي حكمها مبارك لمصر هي نصف عمر اسرائيل تقريبا؟.



اسرائيل من سنوات تتطلع لحكم المنطقة وقالها شيمون بيريز عندما طالب العرب ان يستبدلوا قيادة مصر باسرائيل. وهاهي اسرائيل تتحرك حثيثا الى هدفها.



والانباء التي تأتينا من مصر لا تسر عدو ولا حبيب فالكوارث تتوالى والازمات تتابع والمصائب تترى زرافات. من شهداء الخبز الى شهداء الغاز ومن كارثة نجع حمادي الى كارثة السيول الى فضائح الوزير ابراهيم سليمان الذي يبدو ان النظام يحاول ان يستخدمه ككبش فداء للتطهر من كل اثامه ريثما يلتقط الانفاس من المتاعب والكوارث التي تتراكم عليه او الاخر الذي خلفه احمد المغربي الذي اشتري جزيرة آمون هو وابن خالته. الغريب ان المغربي يقول انه خرج من عند الرئيس وهو لا يكاد يري الاشياء حوله. طبعا يقصد ان الرئيس اهانه وكدره ولكني اجده نوع من انعدام الحياء من النظام الا يلقي بالوزير في الشارع وارى انه انعدام احساس وخنزرة من الوزير الا يستقيل. انا لا ادري حقا هل نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين فعلا ام اننا مازلنا في العصور الوسطى.



ان كارثة المصريين الحقيقية انهم فقدوا الاحساس بالزمن وعدموا القدرة على التلفت حولهم مثل الابقار المربوطة في الساقية وعلى عينيها غمامة حتى لاترى.



الغريب في الامر ان الحديث عن الفساد في مصر مستمر وكل يوم تكون هناك حالات فساد بشعة يتم الكشف عنها دون ان يتحرك احد حتى ان البعض قال ان نشر الفساد بهذه الصورة والحديث عنه بهذه العلانية مع عدم التحرك للحد منه او وقفه هو امر مقصود لذاته والهدف منه هو نشر حالة من اليأس البشع بين افراد الشعب المصري بحيث يشعرون بأنه لا أمل هناك بالمرة ويظلوا في حالة الاستسلام المهين التي يعيشونها.



غير ان اكبر كارثة ربما خبأها القدر للنظام والتي يبدو انها بالفعل تقلقه هو بروز البرادعي. والبرادعي الان يمثل دور خط الصعيد بالنسبة للنظام وفور اعلانه نيته انه يمكن ان يرشح نفسه في ظل شروط معينة بدأ النظام يترنح ولكنه اطلق كلابه "بسك عليه" وهنا وجدنا البرادعي يوصف باوصاف الحاقد على مصر الكاره لمصر المبغض لمصر وهي نفس القصائد التي رددتها اسرائيل عندما قالت ان البرادعي جاء الى مصر باجندة ايرانية. والواقع ان اسرائيل لا تجد افضل من مبارك جارا لها ولا تجد افضل من ابنه خليفة لابيه فالرجل بصراحة لا يتردد في تقديم اي تنازلات بل واحيانا ما يكون مبادرا بها لوجه الله والوطن لانه يعرف جيدا تأثير اسرائيل في امريكا وان القرار بشأن تسيير الامور في مصر يتخذ بالمشاركة بين واشنطن وتل ابيب ثم ينقل الى القاهرة للتنفيذ. ولعلنا نتذكر الضجة التي اثارها مصطفى الفقي وهو من الشخصيات المقربة من النظام عندما قال على الملأ في صحيفة المصري اليوم انه من العبث ان نتخيل ان رئيسا لاترضى عنه امريكا واسرائيل يمكن ان يأتي الى السلطة في مصر. ورغم ان هذه امور معروفة بداهة الا ان هيكل اراد ان يصطاد الفقي عندما وجه اليه اسئلة حرجة.



لماذا البرادعي؟



ولكن لماذا هذا الخوف كله من البرادعي؟ البرادعي في الواقع لا يحمل سلاحا ولا هو بالرجل القوي الذي يمكن ان ينزل الى الشارع ويقول هل هناك من ينازلني. ولكن مشكلة النظام مع البرادعي تكمن في ان الاخير وجه جديد على الساحة، فقد دأب النظام على مدى سنوات على ترديد ان حكم مصر محصور بين عائلته أو الاخوان المسلمين وهو لايني يخيف الغرب باعتقاله المستمر للاخوان ومحاصرة ابناء غزة على اعتبار ان حماس هي فرع الاخوان المتاخم لنا وكأنه يقول لهم (انظروا انا عندي بضع الاف من الاخوان لا يجعلوني انام الليل..اما الامارة الاخوانية الصغيرة على حدودي فهي حقيقة تجعلني اتقلب على الجمر خوفا مما قد تسببه في المنطقة من دمار وخراب..فما بالكم لو اصبحت مصر كلها اخوان..تخيلوا ما سيحدث في العالم). ويبدو ان الغرب صدق مبارك واطمئن الى مقولته لاسيما وان الرجل لا يتأخر للحظة في تقديم الخدمات وبذل الغالي والنفيس في سبيل امن اسرائيل. وقد شهدنا موقفه المخزي اثناء حرب عام 2006 بين اسرائيل وحزب الله ثم بين اسرائيل وقطاع غزة في اواخر عام 2008 واوائل عام 2009 واصراره المشين الذي فضحه ساركوزي على ان حماس لا يجب ان تخرج منتصرة.



البرادعي بالطبع كما يعرف الغرب ليس اخوانيا بل هو رجل دبلوماسي بارز قاد مؤسسة من اكبر مؤسسات الامم المتحدة على مدى سنوات وله وزنه الدولي ومن ثم فعندما يطرح على الساحة بهذه القوة من الطبيعي ان يسبب حالة من الارتباك الشديد للنظام ومن هنا كان الهجوم الشديد عليه.



صحيح ان نظام مبارك قدم خدمات للغرب لا يمكن ان يقدمها احد في مكانه لو كان يحكم مجتمعا ديمقراطيا ويحترم الشعب ولكن هذا الابتذال يكون له حدود حتى من وجهة نظر الغرب المستفيد المباشر منه. وصورة مصر في الصحف الاجنبية الان تدور حول موضوعين لا ثالث لهما. ما سيحدث في مصر فيما يتعلق بمستقبل الحكم او تلك الامور البشعة التي تتكشف عن قيام نظام مبارك بالتعذيب بالوكالة لمصلحة امريكا لرعايا مصريين ورعايا اجانب ومشاركته النشطة في عمليات وكالة المخابرات الامريكية بعد ضرب المدن الامريكية في عام 2001.



والرئيس مبارك بلغ من العمر ارذله حتى انه يذكرك بحارس العوامة في رواية نجيب محفوظ ثرثرة فوق النيل الذي يقول عنه نجيب محفوظ انه طاعن في السن لدرجة تجعله فوق القانون. ولكنه يجب ان يظل في الحكم وليس له خيار اخر. والحلم بالخروج الامن ومثل هذه الترتيبات لا يمكن ان تقنعه لانه يعرف انه بمجرد ترك السلطة سيتخلى العالم عنه وسيحاكمه الشعب على جرائمه السابقة. هناك سابقة طبعا امام مبارك في مشرف رئيس باكستان السابق الذي سعت الولايات المتحدة لترتيب الامور له مع الحكم التالي بحيث يواصل حياته في باكستان. ولكن وضع مشرف مختلف والترتيبات الامريكية لم تتجاوز دعوة خصومه السياسيين السابقين الى عدم تصفية حساباتهم معه. اما في حالة مبارك فالشعب كله وليس خصوما بعينهم يريدون تصفية حساباتهم معه.



يكفي ان مشرف رفض ان يعطي وساما للجنرال الامريكي جون ابي زيد استجابة لدعوة امريكا التي ارادت ان تقول للعالم العربي والاسلامي هذا الرجل الملوثة يديه بدماء مواطنيكم واخوانكم ليس كما يبدو لكم بل هو رسول سلام، ورحب مبارك بالامر واعطاه الوسام قائلا لاعوانه الذي ابدى بعضهم تحفظا "هو احنا ادينا له ايه دي حتة حديدة". واذا كانت حجة مشرف هي احترام مشاعر الشعب الباكستاني فالامر ليس قائما في مصر حيث لا يوجد شعب وحتى ان وجد فليس له مشاعر فالعبيد في الغالب لاتكون مشاعرهم موضع اعتبار.



الشيء المزعج فعلا والذي سيثير حيرة الاجيال القادمة كما يثير حيرة كثيرين الان من ابناء هذه البلد ومن خارجها هو السؤال المطروح دوما: ما الذي دهى الشعب المصري؟ هل مات الشعب المصري بالفعل وامسى جثة بلاحراك. انا لا اصدق اطلاقا ان شعبا في العالم يمكن ان يتحمل ما يتحمله هذا الشعب من الهوان ويصبر عليه بهذه الصورة. الايرانيون الذين انتفضوا على احمدي نجاد بعد اعادة انتخابه اثاروا اعجاب العالم كله..انهم شباب ورجال ونساء خرجوا الى الشوارع وقالوا لا لتزوير الانتخابات. وسنندهش بشدة عندما نعرف انه بعد التمحيص والدراسة توصل اكثر المحللين الغربيين كراهية لايران الى ان نسبة التزوير في انتخابات الرئاسة الايرانية لم تزد عن ثلاثة الى اربعة في المئة وهي تقريبا نفس النسبة التي تكون صحيحة في الانتخابات لدينا والباقي مزور.



ظهر البرادعي كطاقة نور ولكن من المتوقع ان تظل الامور كما هي دون تغيير. البرادعي يتعامل مع الموضوع برومانسية تذكرك بالاسلوب الخطابي لمصطفى كامل. ولكن هناك فروق كبيرة في الحالتين ناهيك عن تباين الزمن والمعطيات، فمصطفي كامل كان شابا وكان يتقد حماسا لانه يقاتل ضد احتلال خارجي واضح وعلني. والقتال ضد الاحتلال الخارجي اسهل بكثير من القتال ضد الاحتلال الداخلي المتمترس باعوانه والمطلع على كل الدهاليز والارض. وفي حين كانت فرنسا تدعم مصطفي كامل باعتبارها القوة المناوئة لبريطانيا نجد ان امريكا واسرائيل وكل القوى المخربة في العالم تدعم مبارك فليس هناك طرف ثالث يمكن ان يلجأ اليه البرادعي. الشعب في الحالتين ميت وان كان فلاحو دنشواي الذين ثاروا لمقتل بعضهم افضل بكثير من مرتادي مقهي الانترنت الذين تركوا المخبرين يقتلوا خالد سعيد شهيد الطواريء وهم واقفون يتفرجون.



ربما لو وجد البرادعي شعبا اخر ومعارضة اخرى لنجح ولكني لست متفائلا كثيرا بفرص نجاحه. القوى السياسية في مصر وفي مقدمتها احزاب المعارضة تتعامل مع الامر من منطلق المصالح الشخصية والحزبية الضيقة وليس المصالح القومية. فهذه الاحزاب موجودة منذ اكثر من 30 عاما والنظام يحاصرها ويضايقها ويلقي لبعضها بالفتات لكي يقضي على أي وحدة لها. وكان يجب، بمجرد ظهور البرادعي، ان تنضوي كلها تحت لوائه لان الامر اهم واخطر من وصول حزب للسلطة - رغم ان ذلك مستبعد تماما - بل هو يتعلق بمصر كبلد بأكملها لاحت امامها فرصة للخروج من نفق تسير فيه منذ ثورة 1952.



المضحك والمثير للسخرية ان المصريين مازالوا اسرى جمود غريب في التفكير لايصلح اطلاقا كمنطق للتفكير. فقد دهشت ان الحزب العربي الناصري يقاطع البرادعي لانه انتقد عبدالناصر. والواقع ان عبد الناصر لم يكن الها ولا رسولا معصوما من الخطأ ولا هو فوق مستوى النقد. وهم بذلك يذكروني بالبعثيين العراقيين الذين مازالوا يكتبون اربعة اسطر من القاب التمجيد للزعيم المهيب الركن صدام حسين حتى يومنا هذا. لماذا لا نسأل انفسنا سؤالا بسيطا : ماذا كان سيحدث لو كان عبدالناصر بدأ تحولا ديمقراطيا جادا؟. لقد كان بن جوريون يقيم دولة ديمقراطية من لاشيء على مرمى حجر منا. ولماذا نذهب لاسرائيل. لنقارن بين وضع ايران بعد 30 عاما من الثورة الايرانية ووضع مصر بعد اكثر من نصف قرن على ثورتها. أليس مبارك هذا الذي نعتبر عهده من ابشع عهود المصريين من نتاج الثورة؟.



بعض الاحزاب الاخرى تستكثر على نفسها انها تمارس السياسة من 30 سنة ( وايديها في اللعبة في صورة حزب شكلي وصحيفة) ثم يأتي البرادعي ليلهف الطبخة على الجاهز (لأ اذا كان الموضوع كدا يبقى خلي مبارك قاعد احسن). البرادعي ليس طامحا في منصب ولا مغنم وانما هو رأى الهوة التي تردت فيها مصر ويحاول السعي الى انقاذها. وعلى ما اعتقد فانه سيفشل لعدم وجود شعب. هناك 80 مليون مصري صحيح ولكن لايوجد شعب.



والنظام نفسه يسعى الى شق صف المعارضة المشقوق بالفعل عن طريق التلويح ببعض الجزر ودق الاسفينات. كنت اتمنى مثلا لو كانت ثورة المحامين والقضاة على بعضهما البعض ثورة على النظام من اجل حقوق الانسان وادميته في مصر. ولكنهم في حالتهم هذه يذكروني بالواقفين في الفرن في الفترة التاريخية في عهد مبارك المعروفة باسم شهداء الخبز: بدلا من ان يرشقوا الفرن بالحجارة بل ويشعلوا فيه النار فانهم يستديرون لقتل بعضهم البعض.



في عام 2005 اعتقد ان الزخم والحراك السياسي كانا اكثر من الان بكثير. لماذا؟ كانت الحرب الامريكية على العراق حديثة عهد. وكان المحافظون الجدد يروجون للتغيير على هذا النمط وكانت النظم العربية في حالة هلع حتى ان العقيد القذافي بمجرد ان رأي صدام يخرج من الحفرة انتابه الهلع وظل يطالب الامريكيين والبريطانيين بان يعلنوا على الملأ انه سلمهم كل مشاريعه واسلحته النووية والكيماوية التي انفق عليها المليارات من دم الشعب الليبي. وذهب الامريكان ليأخذوا كل شيء وأخذوا حتى مترا من التربة التي كانت تحت معداته لكي يحللوها. وكان النظام في مصر خائف حتى انه طلب من شارون ان يتوسط له في الجولة الثالثة من انتخابات مجلس الشعب في امريكا. ورغم مقتل حوالي 18 شخصا في طريقهم الى صناديق الاقتراع خرج المتحدث باسم البيت الابيض الامريكي ليقول في وقاحة متناهية: "لم يصل الى علمنا ان احدا يمنع من التصويت". وبعد انتخابات الرئاسة ونجاح مبارك (الذي كان معروفا سلفا) وبداية متاعب امريكا في السيطرة على العراق وتخليها مرغمة عن خطط المحافظين الجدد بدأ مبارك يستأسد وتضاعف قمعه. وكان لهذه المجلة الشرف في الدعوة الى عدم تقديم أي مرشحين حتى يتم التخلص من النظام ولكن متى كان المصريون يفكرون بواقعية.





يقول الكسندر ديماس الاب انه لابأس من ان تعتدي على التاريخ اذا كنت ستنجب منه عملا فنيا جميلا. وهذه المسرحية التي لا ادعي انها جميلة هي محاولة لمسرحة حدث بشع يكشف توحش تحالف السلطة والمال في مصر. وهي بطبيعة الحال ليست تاريخا وان حاولت تتبع الخطوط العريضة للاحداث قدر الامكان. وقد وضعتها في صيغة PDF لاني اعرف مدى كراهية المصريين لنظام مبارك واعرف ان البعض قد يعمد الى تشوييها بما يخرجها عن طبيعتها كعمل يطمح الى ان يكون عملا فنيا. وأي نسخة ليست منشورة عن طريق بريد إلكتروني للمؤلف لا يعد هو مسؤولا عنها.

هناك اشكالية حقيقة في الكتابة المسرحية التي تمس افراد النظام المصري. فرغم ان الحادث مأساوي للغاية الا انك لايمكن ان تجد بين هؤلاء للاسف من يرقي الى مرتبة البطل التراجيدي الذي يجب ان تكون له سمات معينة، فهؤلاء يعيشون بحواسهم الدنيا ولا ينشغلون الا بنهب ثروة الشعب ويستحيل ابدا ان يكون لديهم خيال او مشاعر تتجاوز الحس المباشر. وهشام طلعت مصطفي مثلا لايعرف عنه احد الكثير سوى ما كتب عنه في الصحف وهي بالطبع معلومات عامة. والمشكلة هي ان تحاول ان تقترب به قدر الامكان من صورة البطل.

mmmmtr











أخيرا فهذه دعوة أقدمها لكل ابناء مصر الشرفاء سواء في الخارج أو الداخل ممن سيقرأون هذه المسرحية بضرورة دعم الجهود الرامية الى تغيير الاوضاع المزرية في البلاد ودعم المباديء التي تطرحها الجمعية الوطنية للتغيير من أجل مستقبل أفضل لأطفالنا.



http://www.taghyeer.net